أسعار الفائدة من الرفع إلى التثبيت … البنك المركزي يتأرجح بين نار التضخم وأعباء الديون

- ‎فيتقارير

رغم اقتراب موعد اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر عقده في التاسع من يوليو القادم للنظر في أسعار الفائدة، إلا أن البنك المركزي المصري لا يزال يتأرجح بين التثبيت وبين رفع الفائدة .
يرجع هذا التأرجح إلى معدلات التضخم المرتفعة حيث استقر معدل التضخم الأساسي عند 13.8% على أساس سنوي خلال مايو 2026، دون تغيير عن المستوى المسجل في أبريل الماضي بجانب ارتفاع أعباء الدين العام.  
يشار إلى أن الأوساط المصرفية والاستثمارية تترقب الاجتماع المقبل للجنة السياسة النقدية والذي يأتي في وقت يشهد فيه الاقتصاد المحلي تحولات ملموسة في تدفقات النقد الأجنبي، مما يطرح تساؤلًا جوهريًا في الشارع المالي حول مدى كفاية هذا التحسن لبدء دورة تيسير نقدي جديدة والتخلي عن مستويات الفائدة المرتفعة المستقرة حاليًا عند عتبة تسعة عشر بالمئة للإيداع وعشرين بالمئة للإقراض.
 

معادلة التضخم
 
من جانبه قال الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح: إن "المؤشر الحقيقي الذي سيبنى عليه القرار المرتقب يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى اقتراب معدلات التضخم الحالية من المستهدفات الرسمية المعلنة من قبل البنك المركزي".
وأضاف أبو الفتوح في تصريحات صحفية: المؤشرات الإحصائية تشير إلى أن الفجوة ما زالت متسعة بشكل ملحوظ أمام التضخم الأساسي الذي يسير في مسار هبوطي بطيء للغاية ،نظرًا لكونه يعكس الضغوط الهيكلية الكامنة في أسواق السلع والخدمات، وهو ما يجعل أي اتجاه لخفض الفائدة في الوقت الراهن خطوة متسرعة وسابقة لأوانها لن تنعكس بشكل حقيقي على تكلفة المعيشة اليومية للمواطنين.
وتابع : رغم القفزة الملموسة التي حققها الاحتياطي النقدي الأجنبي لدى البنك المركزي ليصل إلى مستويات توافق ثلاثة وخمسين مليار دولار بدعم من نمو عوائد قطاع السياحة وتحويلات المصريين بالخارج، إلا أن المشهد ما زال بحاجة إلى مزيد من الوقت للاستقرار كتحول هيكلي دائم.
وكشف أبو الفتوح أن القراءة التحليلية تشير إلى استمرار وجود ضغوط تشغيلية على صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي، فضلًا عن أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تحتاج بطبيعتها إلى دورة زمنية أطول كي تتحول إلى ركيزة إنتاجية وتصديرية قادرة على كبح جماح التضخم بشكل مستدام.
 

الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي
 
وأوضح أن المشهد المالي العالمي يلعب دورًا حاسمًا في صياغة القرار المحلي، حيث يفرض قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأخير بتثبيت أسعار الفائدة عند مستوياتها المرتفعة مزيدًا من الحذر والترقب على صانعي السياسة النقدية في مصر.
وأكد أبو الفتوح أن بقاء العائد المرتفع على الدولار يتسبب في زيادة حساسية أي خفض قد يطرأ على الفائدة المحلية للجنيه، مما قد يخلق مخاطر تؤثر على حركة رؤوس الأموال الساخنة واستقرار سعر الصرف، وهو ما يدعم بقوة سيناريو التريث والمراقبة من قبل المركزي المصري.
 

خيار آمن
 
وقال : "بناءً على هذه المعطيات الاقتصادية المتشابكة، تشير التقديرات إلى رجحان كفة سيناريو تثبيت أسعار الفائدة الحالية بنسبة كبيرة تماشيًا مع التوقعات الصادرة عن كبرى المؤسسات المالية الدولية مثل فيتش سوليوشنز وأوكسفورد إيكونوميكس، في حين تظل احتمالية الخفض المحدود ضئيلة ورهنًا بظهور قراءات تضخم مستقبلية أكثر انخفاضًا".
وحذر أبو الفتوح من أن استمرار الفائدة المرتفعة يمثل ضغطًا مزدوجًا على نشاط القطاع الخاص وكلفة خدمة الدين العام ، لكنه يظل الخيار الأقل مخاطرة في الوقت الراهن لحماية العملة المحلية وتجنب أي موجة جديدة من التضخم المستورد.
 

الضغوط السعرية
 
وأكد الخبير المصرفي عز الدين حسانين أن توجه السياسة النقدية لدى البنك المركزي خلال المرحلة الحالية يعكس حالة من التوازن الحذر بين مكافحة التضخم والحفاظ على استقرار النشاط الاقتصادي، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الضغوط التضخمية الحالية يرتبط بصدمات من جانب العرض وليس بزيادة الطلب أو السيولة داخل الأسواق.
وأوضح حسانين في تصريحات صحفية أن استقرار معدل التضخم الأساسي خلال شهر مايو، دون تغيير عن مستواه المسجل في أبريل، يعكس حالة من الاستقرار النسبي في الضغوط السعرية، لكنه لا يمنح مبررًا كافيًا لاتخاذ خطوة سريعة بشأن أسعار الفائدة.
وقال: إن "لجنة السياسة النقدية تميل في مثل هذه الظروف إلى تبني نهج حذر قائم على الانتظار والترقب، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين بالأسواق العالمية، إلى جانب تقلبات أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد."
وأضاف حسانين أن السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال الاجتماع المقبل يتمثل في تثبيت أسعار الفائدة، مع الإبقاء على السياسة النقدية الحالية لحين التأكد من استمرار تراجع معدلات التضخم بصورة مستقرة ومستدامة.
 

أعباء الدين
وأكد الخبير المصرفي، الدكتور أحمد شوقي، أن السياسات النقدية لا تُدار بمعزل عن التوازنات الاقتصادية، وإنما تستهدف تحقيق حالة من التوازن بين عدة اعتبارات، موضحًا أنه في حال اللجوء إلى رفع أسعار الفائدة بهدف احتواء الضغوط التضخمية، فإن هذا القرار يترتب عليه تأثيرات مباشرة ومزدوجة.
وأوضح شوقي في تصريحات صحفية أن أول هذه التأثيرات يتمثل في زيادة أعباء الدين على الموازنة العامة لدولة العسكر وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا خ،اصة في ظل ارتفاع تكلفة خدمة الدين .
وقال : "أما التأثير الثاني فيكمن في زيادة تكلفة التمويل على الشركات وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى تراجع هوامش أرباحها، موضحا أن الشركات في ظل ارتفاع تكلفة التمويل غالبًا ما تقوم بتمرير هذه الزيادات إلى المستهلك النهائي الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى زيادة معدلات التضخم، وهو ما يتعارض مع الهدف الأساسي من رفع أسعار الفائدة".
وأشار شوقي إلى أن رفع الفائدة رغم أهميته من الناحية النقدية في بعض الحالات، إلا أنه يُستخدم أيضًا كأداة لتقديم عائد إيجابي حقيقي للمودعين خاصة في ظل استحقاق بعض الشهادات الادخارية، حيث تسعى البنوك إلى الإبقاء على السيولة داخل الجهاز المصرفي من خلال تقديم حوافز وعوائد مناسبة للعملاء.
 

زيادة الإنتاج
 
وأوضح أن البنوك كانت في فترات سابقة تلجأ إلى تقديم حوافز غير تقليدية للعملاء، مثل الخدمات المصرفية المختلفة، بدلًا من رفع أسعار الفائدة بشكل مباشر، ولكن مع ارتفاع معدلات التضخم، أصبح من الضروري الحفاظ على عائد إيجابي حقيقي على المدخرات، مشددًا على أن الاعتماد على أدوات السياسة النقدية وحدها لمواجهة التضخم ليس كافيًا، لأن هذه السياسات تركز بشكل أكبر على الجانب النقدي بينما يجب أن يكون هناك دور موازٍ للسياسات المالية.
وشدد شوقي على أن الحل الأكثر استدامة لمواجهة التضخم يتمثل في زيادة معدلات الإنتاج من خلال دعم الصناعة المحلية وتعزيز الاستثمار بما يؤدي إلى زيادة المعروض من السلع في السوق وبالتالي خفض الضغوط السعرية، مشيرًا إلى أن الاعتماد على الإنتاج المحلي حتى مع استيراد بعض مستلزمات الإنتاج، يساهم في تقليل الاعتماد على الواردات النهائية وهو ما يدعم استقرار الأسعار على المدى المتوسط والطويل.
وأضاف أن وجود ديون مرتفعة يعد أحد العوامل الرئيسية التي تؤثر على معدلات التضخم، مؤكدًا أن استمرار الاعتماد على أدوات الدين دون تعزيز الإنتاج الحقيقي قد يؤدي إلى استمرار الضغوط التضخمية.