رغم قرار عبد الفتاح السيسي بزيادة المعاشات بنسبة 15% بالتزامن مع الذكرى الـ 13 لانقلاب 30 يوليو على أول رئيس مدني منتخب في التاريخ المصري الشهيد الدكتور محمد مرسي، إلا أن أصحاب المعاشات طالبوا بفتح ملف أموال التأمينات الضائعة. والعمل على إنهاء معاناتهم وإعادة حقوقهم المنهوبة.
وقال أصحاب المعاشات: إن "العامل عندما يقتطع جزءًا من راتبه شهريًا لصالح التأمينات الاجتماعية، فإنه يفعل ذلك على أساس أن هذه الأموال ستعود إليه يومًا ما في صورة معاش يضمن له حياة كريمة بعد انتهاء سنوات العمل ".
وأكدوا أن المعاش بالنسبة لملايين المصريين ليس منحة أو دعمًا اجتماعيًا من حكومة الانقلاب، بل حق ناتج عن سنوات طويلة من الاشتراكات والاستقطاعات التي تحملها العامل على أمل أن توفر له الأمان في مرحلة التقاعد.
يُشار إلى أن أموال التأمينات تحولت على مدار عقود، إلى محور خلاف واسع بين الحكومات المتعاقبة وأصحاب المعاشات، بعدما أصبحت جزءًا من التشابكات المالية بين الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي والخزانة العامة للدولة .
ورغم إعلان حكومة الانقلاب عن تسوية جانب من هذه التشابكات وسداد جزء من المديونيات المستحقة للهيئة وفق آلية حددها قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، لا تزال التساؤلات مطروحة حول مصير هذه الأموال، وحقيقة عودتها إلى أصحابها، ومدى استقلالية إدارتها واستثمارها.
موجات الغلاء
في هذا السياق قال أحمد عبدالعال، موظف بالمعاش: إن "الزيادة السنوية الأخيرة تمثل خطوة إيجابية وتساعد في تخفيف جزء من الضغوط المعيشية، لكنها لا تكفي وحدها لمواجهة الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات ".
وأكد عبدالعال أن صاحب المعاش يشعر بأن أي زيادة يحصل عليها تتآكل سريعًا أمام موجات الغلاء المتلاحقة.
وقالت فاطمة السيد، أرملة تتقاضى معاشًا شهريًا: إن "القضية تتجاوز قيمة الزيادة السنوية، مؤكدة أن أصحاب المعاشات من حقهم معرفة مصير الأموال التي اقتُطعت من دخولهم طوال سنوات العمل".
وشددت على أن هذه الأموال ليست منحة أو دعمًا حكوميًا، وإنما حقوق تراكمت عبر سنوات طويلة من الاشتراكات المنتظمة، ومن حق أصحابها الاطمئنان إلى كيفية إدارتها واستثمارها.
نفقات العلاج
وكشف محمد حسن، موظف سابق بإحدى شركات القطاع العام، أن جزءًا كبيرًا من معاشه يذهب لتغطية نفقات العلاج والدواء، خاصة مع التقدم في العمر وارتفاع أسعار الخدمات الصحية .
وقال حسن: إن "الحديث عن أموال التأمينات لا ينفصل عن مستوى المعيشة الذى يعيشه أصحاب المعاشات اليوم، ومدى قدرة هذه الأموال على توفير حياة أكثر استقرارًا لهم بعد سنوات العمل".
وزارة المالية
وكشف منير سليمان، مسئول الاتحاد العام لأصحاب المعاشات، أن جذور أزمة أموال التأمينات والمعاشات تعود إلى عام 2006 خلال فترة تولى يوسف بطرس غالى وزارة المالية، عندما اتجهت الحكومة إلى الاستفادة من أموال التأمينات للمساهمة في تغطية العجز المتزايد بالموازنة العامة للدولة.
وقال سليمان في تصريحات صحفية: إن "هذا التوجه واجه في بدايته اعتراضًا من ميرفت التلاوي، وزيرة التأمينات والشئون الاجتماعية آنذاك، التي تمسكت بالحفاظ على أموال أصحاب المعاشات ورفضت نقلها إلى وزارة المالية، مقترحة بدائل أخرى من بينها منح الوزارة حصصًا في بعض الشركات المملوكة للدولة لتتولى استثمارها، إلا أن هذه المقترحات لم تلق قبولًا، ومع التعديلات الوزارية اللاحقة تم إلغاء وزارة التأمينات وانتقلت أموال التأمينات بالكامل إلى وزارة المالية".
وأضاف : هذا الوضع جعل وزارة المالية، الطرف الذي يدير الأموال والطرف المستفيد منها في الوقت نفسه، ما أفقد أصحاب المعاشات السيطرة الفعلية على أموالهم، وأدى إلى استخدام هذه الموارد في خدمة احتياجات الموازنة العامة بدلاً من استثمارها لتحقيق أفضل عائد ممكن لصالح المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات.
وأشار سليمان إلى أن الحكومات المتعاقبة لم توفر العوائد الكافية التي تضمن تنمية أموال التأمينات بالشكل الذى ينعكس على مستوى المعاشات، معتبرًا أن أصحاب المعاشات كانوا من أكبر المتضررين من هذه السياسات على مدار سنوات طويلة.
بنك الاستثمار القومى
وأكد خبير المعاشات كامل السيد، وكيل الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية سابقًا، أن أزمة أموال التأمينات ليست وليدة عام 2006 فقط، وإنما تعود إلى عقود طويلة من استخدام الحكومات المتعاقبة لهذه الأموال في تمويل احتياجات الدولة ومؤسساتها المختلفة بدلاً من ترك الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي تديرها وتستثمرها بصورة مستقلة تحقق أفضل عائد ممكن.
وكشف السيد في تصريحات صحفية أن الخزانة العامة كانت تستحوذ على فوائض أموال التأمينات مقابل عوائد متدنية لم تتجاوز 4%، في الوقت الذي كانت فيه أسعار الفائدة المصرفية تدور حول 9%، ما حرم أصحاب المعاشات من عوائد كان يمكن أن تُسهم في تنمية أموالهم.
وأضاف أن إنشاء بنك الاستثمار القومي زاد من تعقيد المشهد، بعدما أودعت غالبية أموال التأمينات لديه بعوائد لم تكن تتناسب مع حجم الأموال المودعة، بينما جرى في أحيان كثيرة إثبات عوائد محاسبية في صورة مديونيات وأوراق مالية دون تدفقات نقدية حقيقية.
وأشار السيد إلى توجيه جزء من أموال التأمينات إلى جهات ومشروعات مختلفة لم يسدد بعضها ما حصل عليه من تمويل، كما جرى استثمار مليارات الجنيهات فى البورصة خلال فترات لم تكن الهيئة تمتلك فيها جهازًا متخصصًا لإدارة المحافظ الاستثمارية وإدارة المخاطر وفق المعايير المهنية المتعارف عليها.
وأعرب عن أسفه لأن الأزمة تفاقمت بصورة أكبر بعد ضم أموال التأمينات فعليًا إلى المالية العامة للدولة خلال فترة تولى يوسف بطرس غالى وزارة المالية، حيث تم التعامل معها باعتبارها جزءًا من موارد الخزانة العامة، مقابل منح الهيئة أدوات دين تمثل مديونية الدولة تجاهها، وهو ما حدّ من قدرة أموال التأمينات على تحقيق تراكمات مالية واستثمارية كبيرة على المدى الطويل.
898 مليار جنيه
وأكد السيد أن تداعيات هذه السياسات انعكست بصورة مباشرة على أصحاب المعاشات، إذ أدت إلى إضعاف الموارد المتاحة للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي وتقليص قدرتها على تنمية أموالها وتحقيق عوائد كافية تدعم زيادة المعاشات وتحسين المزايا التأمينية.
ولفت إلى أن حكومة الانقلاب حددت قيمة مديونيتها للتأمينات بنحو 898 مليار جنيه تُسدد على 55 عامًا بعائد متزايد، في حين تقترض من البنوك التجارية بفوائد أعلى كثيرًا، وهو ما يحرم الهيئة من تحقيق عوائد أكبر كان يمكن أن تنعكس على أوضاع أصحاب المعاشات.
وأكد السيد أن ملف أموال التأمينات لم يُغلق بالكامل حتى الآن، موضحًا أن جزءًا من الأموال عاد إلى الهيئة، لكن إدارة المنظومة ما زالت تخضع لقدر من الوصاية، في ظل محدودية تمثيل أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم داخل مجلس الإدارة.