"الأوكتاجون" في نظر الخبراء والعسكريين هو "حصن نفسي وليس عسكرياً" وهو أكبر دليل مادي على أن النظام يعيش حالة "دفاع مستمر وضغط نفسي" (بارانويا الثورة)، لدرجة جعلته يضحي بالمرونة العسكرية الحديثة، ويخاطر بجمع مفاصل الدولة في نقطة واحدة يسهل قصفها، فقط ليشعر بالطمأنينة أنه بعيد عن متناول أيدي مواطنيه.
وتخلص القراءات المتقاطعة إلى أن مجمع "الأوكتاجون"، ورغم مئات الملايين من الدولارات التي أُنفقت على تشييده، يُمثل ثغرة دفاعية بالغة الخطورة وفق شروط الحروب الحديثة.
ومن خلال تجميع مفاصل القيادة والسيطرة والاتصالات والبرلمان والرئاسة في بقعة جغرافية واحدة مكشوفة وخلف جدران خرسانية صماء، يكون النظام قد قدم "مستقبله ومفاصل دولته على طبق من ذهب" لأي استهداف عسكري أو سيبراني خارجي دقيق، مما يؤكد أن المنشأة صُممت بـ "عقلية أمنية داخلية خائفة" لا بـ "رؤية عسكرية خارجية رادعة".
العقلية الإنشائية والجمود الاستراتيجي
ويفكك الخبراء البنية الفكرية التي شُيد على أساسها "الأوكتاجون"، معتبرين أن فلسفة المجمعات العملاقة باتت تنتمي إلى حقبة الحروب التقليدية القديمة.
الدكتور أسامة رشدي (@OsamaRushdi) وهو سياسي وحقوقي تساءل: "هل هي قيادة استراتيجية للدولة… أم نصبٌ تذكاري لعقلية عسكرية غبية تنتمي للقرن الماضي؟… ما شهدناه خلال السنوات، بل الأشهر الأخيرة في أوكرانيا، وفي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وفي لبنان وغزة، أثبت أن الحروب لم تعد تُدار من قصور القيادة العملاقة الظاهرة للعيان، بل من شبكات قيادة موزعة جغرافيا، ومراكز محصنة، ومنشآت تحت الأرض، وأنظمة اتصال بديلة تضمن استمرار القيادة حتى في أصعب الظروف. أما إنشاء مجمع أسطوري بهذا الحجم، يضم معظم قدرات القيادة والسيطرة في مكان واحد، فهو يجعل منه -إذا اندلعت حرب لا قدر الله- هدفًا استراتيجيًا واضحًا يمكن أن تتعرض بنيته للتدمير أو التعطيل بضربة مركزة، وهو ما تدفع العقائد العسكرية الحديثة إلى تجنبه من خلال توزيع مراكز القيادة وبناء بدائل متعددة وقابلة للاستمرار".
https://x.com/OsamaRushdi/status/2073432947567239530
وتحدث أسامة رشدي عن المواكب والخيول والأشكال الأسطورية، مشيرا إلى أنه في علم النفس السياسي، يُحلل هذا السلوك بـ "التعويض البصري عن غياب الشرعية". وأن الحاكم الذي يشعر بمهزوزية شرعيته السياسية والاقتصادية (بسبب الديون والفقر)، يميل دائماً إلى صناعة "مشهدية بصرية طاغية" (Visual Grandeur) ليوحي للقوى الخارجية وللشعب بأنه يمتلك قوة إمبراطورية لا تقهر.
ويعتبر أن العاصمة الجديدة شُيدت لـ "تطهير بصري" للنخبة الحاكمة؛ إنهم يعيشون في مجتمع معزول هندسياً ومنظماً بنقوش فرعونية ليفصلوا أنفسهم سيكولوجياً عن "مصر العشوائيات والفقر والديون"، وكأنهم يقولون: نحن دولة، وأنتم دولة أخرى.
تجميع البيض في سلة واحدة
وعن مخاطر ضربات قطع الرأس، ومن الناحية التكتيكية، يشير المتخصصون في العلوم العسكرية إلى أن عزل المقرات الحاكمة عن الكتل الحضرية الحاضنة يسهل عمليات الإطباق الأمني والعسكري عليها من قِبل أي عدو خارجي متفوق تكنولوجياً.
الكاتب والمدرب عمار مطاوع (@AmmarMetawa) توسع في الإطار نفسه قائلا: "في العلوم العسكرية، فيه مفهوم مهم اسمه "ضربات قطـ.ـع الرأس"، وفكرته باختصار استهداف "مركز الثقل" للدولة العـ.ـدو، بهدف شل حركة القيادة والسيطرة، في اللحظات الأولى للحـ.ـرب.. وساعتها بتكون تقريبا الحـ.ـرب النظامية اتحسمت… مشكلة المفهوم ده، إنه من النادر جدا تحقيقه في الحروب الواقعية، بسبب استحالة قيام دولة عاقلة بوضع كل مراكز إدارة الدولة في مربع جغرافي واحد معزول عن المنشآت المـ.ـدنية، أو كما يوصف بـ"وضع البيض في سلة واحدة".. السيسي في العاصمة الإدارية الجديدة جمّع كل مقار الرئاسة، والبرلمان، ومجلس الوزراء، والقيادة الاستراتيجية العسكرية، في مربع جغرافي واحد غير محصّن بالمنشـ.ـآت المدنية، الانعزال ده بيخلي كل الأهداف دي تتجمع في هدف واحد مغرٍ لأي ضـ.ـربة استباقية، ويسهل تماما مهام التخـ.ـريب أو العزل الاستراتيجي".
https://x.com/AmmarMetawa/status/2073573314773684554
الانكشاف السيبراني والتكنولوجي في عصر الذكاء الاصطناعي
ولا يقتصر خطر التجميع الجغرافي على القصف الصاروخي أو الجوي المباشر، بل يمتد إلى سهولة شل الدولة بالكامل عبر حروب الجيل الخامس والهجمات السيبرانية المتقدمة، لا سيما مع وجود أطراف إقليمية تمتلك تفوقاً تكنولوجياً هائلاً في هذا المجال.
وعن تهديد الشبكة الموحدة والاتصالات، يوضح عمار مطاوع في ذات السياق أن الخطورة التقنية لا تقل عن الخطورة العسكرية الميدانية، يضيف (@AmmarMetawa) "الاستهداف مش لازم يكون بالصواريـ.ـخ أو بالقصـ.ـف.. ممكن هجمات سيبرانية دقيقة… لأن تجميع كامل البنية التحتية المصرية في شبكة واحدة، بيخليها عرضة لهجمات إلكترونية أو سيبرانية ممكن تشل حركة البيانات فيها بشكل كامل.. خصوصا مع فارق التقدم التكنولوجي في النقطة دي بينا وبين العـ,ـدو بتاعنا، فالمرفوض إننا نحاول نقلل من خطر تقدمه علينا في المساحة دي، مش نسهّله عمله ونديله المنطقة اللي لو عمل تشويش على الاتصالات فوقها، تبقي كل حكومة الدولة معزولة عن باقي البلد".
الفجوة النوعية
ويضع الباحثون أرقاماً دقيقة لطبيعة التهديد التكنولوجي الذي تواجهه الدولة، متسائلين عن جدوى التحصين الإنشائي والخرساني التقليدي في عصر ترتكز فيه القوة على الرقائق الذكية والبحث العلمي الفائق.
الباحث الأكاديمي علاء بيومي (@Alaabayoumi) أكد أنه "بالنسبة لتحصين بلادنا أمنيا، فهناك رعب حقيقي من انكشاف أمن الدول المختلفة أمام التكنولوجيا وخاصة الذكاء الاصطناعي. وهنا يجب الإشارة إلى ان نصف صادرات إسرائيل هو من التكنولوجيا المتقدمة. وان بها أكبر مصنع لشركة إنفيديا وهي أهم شركة أمريكية وعالمية منتجة لرقائق الذكاء الاصطناعي خارج أمريكا. وان صادراتها من الأسلحة بلغت ١٩ مليار دولار في ٢٠٢٥… وتنفق ٦٪ من دخلها القومي على البحث العلمي (ربما اكثر من ٣٠ مليار دولار سنويا)… وهنا يجب ان نسأل ما هو مفهوم الأمن القومي؟ وكيف يمكن تحصين الدول ومؤسساتها الاستراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي؟ وفي أي عصر تكنولوجي تعيش الدول ومؤسساتها الأمنية؟"
https://x.com/Alaabayoumi/status/2073614314773684554
وتتقاطع التحليلات عند نقطة جوهرية مفادها أن الباعث الأساسي وراء هذا التصميم الإنشائي المعزول لم يكن مجابهة الأعداء الخارجيين، بل التحصن ضد الشعب الحاضن للدولة خوفاً من موجات الاحتجاج العارم.
وينتقد المدونون تحول عقيدة الأمن القومي من حماية الحدود والمياه والسيادة إلى حماية السلطة الحاكمة من حراك الشارع.
فيعود عمار مطاوع (@AmmarMetawa) ليوضح أنه "للأسف، السيسي شايف إن أكبر خطر بيهدد مصر، هو ثورة شعبها ضده.. مش الجار الشرقي اللي محتـ.ـل البحر، ولا الجار الجنوبي اللي محتـ.ـل النهر.. والموضوع تحول من إنه "شايف كده"، لقرارات مصيرية تتعلق بالأمن القومي، بيتم رسمها كاملة ضد ثورة شعبية.. مش ضد عـ.ـدو خارجي متربص ومستني الفرصة. النظام في مصر شايف إن الخطر من جوه مش من بره.. من الشعب مش من العدو.. ودي مصيبة أكبر من بناء العاصمة الإدارية.. مصيبة فكرية وعقلية ونفسية إن دي هيا نظرة النظام للشعب اللي بيحكمه…"
رؤية فلسفية
وعندما تحدث المراقبون عن تجميع كل المقرات (رئاسة، برلمان، وزراء، دفاع) في مربع واحد، فإن العمق العسكري هنا يتحدث عن خطأ استراتيجي فادح يُعرف بـ "نقطة الفشل الواحدة" (Single Point of Failure). وفي الحروب المعاصرة، تدمير شبكة اتصالات واحدة أو محطة طاقة تغذي هذا المربع الجغرافي المعزول، يعني "موتًا سريريًا" أو انكشافًا عملياتيًا للدولة بالكامل في ثوانٍ.
وبدلاً من أن يبذل العدو الخارجي جهدًا استخباراتيًا وعسكريًا لضرب 10 أهداف متفرقة في القاهرة الكبرى وسط ملايين المدنيين (وهو ما يوفر حماية طبيعية ودروعاً بشرية للمؤسسات)، قدم "الأوكتاجون" للعدو هدفًا معزولاً في الصحراء، قصفه لا يتسبب في "أضرار جانبية" (Collateral Damage) للمدنيين، مما يرفع الحرج الدولي عن أي قوة معادية تقرر ضربه.
وعن عمى الألوان الاستراتيجي وتبديل العقيدة من العدو إلى الشعب يعبر ذلك بشكل غير مباشر إلى مفهوم "انحراف العقيدة العسكرية" و"التهديد" في أن تضع الدولة 60 مليار دولار في حصن صحراوي لحماية نفسها من ثورة، فهذا يعني أن القوة الصلبة للدولة أعادت تعريف "العدو الأخطر". العدو لم يعد الطيران الإسرائيلي أو السد الإثيوبي، بل "المواطن المصري".
ويتضح من كلام الباحثين أن النظام يعاني من "رعب من الحشود"، لدرجة جعلته ينفق ميزانية تسليح وتطوير تكنولوجي ضخمة على "مأوى خرساني"، تاركاً الجبهات التكنولوجية الحقيقية (الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني) مكشوفة، وهي المساحة التي تفوقت فيها إسرائيل بشكل مرعب كما ذكر علاء بيومي.
المقارنات التاريخية الساخرة
ويعبر النشطاء بتهكم عن مدى الرعب النفسي المستقر في كواليس القرار الأمني من فكرة حضور الجماهير في الميادين، لدرجة تجعل المقارنات تعقد بين أثر القنابل الذرية وأثر الاحتجاج السلمي.
ودعا الناشط محمد عبدالرحمن (@mohamed041979) إلى الإجابة على التساؤلات "عندنا ف المعارضه باحثين و اكادميين محترفين. محتاجين حد منهم يتكرم ويعملنا بحث عن وضع هيروشيما ونجازاكي بعد 13 سنه من ضربهم بالقنبله الذريه. عايزين نعرف بالظبط هل القوي التدمرية بقنابل ذريه اقوي من وقوف الناس ف الشارع لمده 18 يوم ام العكس . عايزين نعرف ميتين ام مسيلمه الكداب ده هيبطل كدب امته"، في اشارة للسيسي.
https://x.com/mohamed041979/status/2073525314773684554
تغريدة محمد عبد الرحمن الساخرة تحمل عمقاً فلسفياً خطيراً؛ فالقنبلة الذرية تدمر البنية التحتية، لكنها لا تدمر "إرادة الشعوب" (اليابان نهضت بعد 13 سنة). أما النظام الحالي، فيتعامل مع الـ 18 يوماً (ثورة يناير) كـ "قنبلة تفكيك" لعقيدة السيطرة العسكرية التي استمرت منذ 1952.
والخلاصة أن عودة الشعب لاكتشاف أن نزوله الشارع قادر على إسقاط النظام هو الكابوس الذي يُبنى ضده "الأوكتاجون"؛ فالمبنى ليس لحماية الدولة من السقوط، بل لحماية "النخبة" من الحساب والمساءلة.
"الأوكتاجون" في نظر الخبراء والعسكريين هو "حصن نفسي وليس عسكرياً" وهو أكبر دليل مادي على أن النظام يعيش حالة "دفاع مستمر وضغط نفسي" (بارانويا الثورة)، لدرجة جعلته يضحي بالمرونة العسكرية الحديثة، ويخاطر بجمع مفاصل الدولة في نقطة واحدة يسهل قصفها، فقط ليشعر بالطمأنينة أنه بعيد عن متناول أيدي مواطنيه.
وتخلص القراءات المتقاطعة إلى أن مجمع "الأوكتاجون"، ورغم مئات الملايين من الدولارات التي أُنفقت على تشييده، يُمثل ثغرة دفاعية بالغة الخطورة وفق شروط الحروب الحديثة.
ومن خلال تجميع مفاصل القيادة والسيطرة والاتصالات والبرلمان والرئاسة في بقعة جغرافية واحدة مكشوفة وخلف جدران خرسانية صماء، يكون النظام قد قدم "مستقبله ومفاصل دولته على طبق من ذهب" لأي استهداف عسكري أو سيبراني خارجي دقيق، مما يؤكد أن المنشأة صُممت بـ "عقلية أمنية داخلية خائفة" لا بـ "رؤية عسكرية خارجية رادعة".
العقلية الإنشائية والجمود الاستراتيجي
ويفكك الخبراء البنية الفكرية التي شُيد على أساسها "الأوكتاجون"، معتبرين أن فلسفة المجمعات العملاقة باتت تنتمي إلى حقبة الحروب التقليدية القديمة.
الدكتور أسامة رشدي (@OsamaRushdi) وهو سياسي وحقوقي تساءل: "هل هي قيادة استراتيجية للدولة… أم نصبٌ تذكاري لعقلية عسكرية غبية تنتمي للقرن الماضي؟… ما شهدناه خلال السنوات، بل الأشهر الأخيرة في أوكرانيا، وفي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وفي لبنان وغزة، أثبت أن الحروب لم تعد تُدار من قصور القيادة العملاقة الظاهرة للعيان، بل من شبكات قيادة موزعة جغرافيا، ومراكز محصنة، ومنشآت تحت الأرض، وأنظمة اتصال بديلة تضمن استمرار القيادة حتى في أصعب الظروف. أما إنشاء مجمع أسطوري بهذا الحجم، يضم معظم قدرات القيادة والسيطرة في مكان واحد، فهو يجعل منه -إذا اندلعت حرب لا قدر الله- هدفًا استراتيجيًا واضحًا يمكن أن تتعرض بنيته للتدمير أو التعطيل بضربة مركزة، وهو ما تدفع العقائد العسكرية الحديثة إلى تجنبه من خلال توزيع مراكز القيادة وبناء بدائل متعددة وقابلة للاستمرار".
https://x.com/OsamaRushdi/status/2073432947567239530
وتحدث أسامة رشدي عن المواكب والخيول والأشكال الأسطورية، مشيرا إلى أنه في علم النفس السياسي، يُحلل هذا السلوك بـ "التعويض البصري عن غياب الشرعية". وأن الحاكم الذي يشعر بمهزوزية شرعيته السياسية والاقتصادية (بسبب الديون والفقر)، يميل دائماً إلى صناعة "مشهدية بصرية طاغية" (Visual Grandeur) ليوحي للقوى الخارجية وللشعب بأنه يمتلك قوة إمبراطورية لا تقهر.
ويعتبر أن العاصمة الجديدة شُيدت لـ "تطهير بصري" للنخبة الحاكمة؛ إنهم يعيشون في مجتمع معزول هندسياً ومنظماً بنقوش فرعونية ليفصلوا أنفسهم سيكولوجياً عن "مصر العشوائيات والفقر والديون"، وكأنهم يقولون: نحن دولة، وأنتم دولة أخرى.
تجميع البيض في سلة واحدة
وعن مخاطر ضربات قطع الرأس، ومن الناحية التكتيكية، يشير المتخصصون في العلوم العسكرية إلى أن عزل المقرات الحاكمة عن الكتل الحضرية الحاضنة يسهل عمليات الإطباق الأمني والعسكري عليها من قِبل أي عدو خارجي متفوق تكنولوجياً.
الكاتب والمدرب عمار مطاوع (@AmmarMetawa) توسع في الإطار نفسه قائلا: "في العلوم العسكرية، فيه مفهوم مهم اسمه "ضربات قطـ.ـع الرأس"، وفكرته باختصار استهداف "مركز الثقل" للدولة العـ.ـدو، بهدف شل حركة القيادة والسيطرة، في اللحظات الأولى للحـ.ـرب.. وساعتها بتكون تقريبا الحـ.ـرب النظامية اتحسمت… مشكلة المفهوم ده، إنه من النادر جدا تحقيقه في الحروب الواقعية، بسبب استحالة قيام دولة عاقلة بوضع كل مراكز إدارة الدولة في مربع جغرافي واحد معزول عن المنشآت المـ.ـدنية، أو كما يوصف بـ"وضع البيض في سلة واحدة".. السيسي في العاصمة الإدارية الجديدة جمّع كل مقار الرئاسة، والبرلمان، ومجلس الوزراء، والقيادة الاستراتيجية العسكرية، في مربع جغرافي واحد غير محصّن بالمنشـ.ـآت المدنية، الانعزال ده بيخلي كل الأهداف دي تتجمع في هدف واحد مغرٍ لأي ضـ.ـربة استباقية، ويسهل تماما مهام التخـ.ـريب أو العزل الاستراتيجي".
https://x.com/AmmarMetawa/status/2073573314773684554
الانكشاف السيبراني والتكنولوجي في عصر الذكاء الاصطناعي
ولا يقتصر خطر التجميع الجغرافي على القصف الصاروخي أو الجوي المباشر، بل يمتد إلى سهولة شل الدولة بالكامل عبر حروب الجيل الخامس والهجمات السيبرانية المتقدمة، لا سيما مع وجود أطراف إقليمية تمتلك تفوقاً تكنولوجياً هائلاً في هذا المجال.
وعن تهديد الشبكة الموحدة والاتصالات، يوضح عمار مطاوع في ذات السياق أن الخطورة التقنية لا تقل عن الخطورة العسكرية الميدانية، يضيف (@AmmarMetawa) "الاستهداف مش لازم يكون بالصواريـ.ـخ أو بالقصـ.ـف.. ممكن هجمات سيبرانية دقيقة… لأن تجميع كامل البنية التحتية المصرية في شبكة واحدة، بيخليها عرضة لهجمات إلكترونية أو سيبرانية ممكن تشل حركة البيانات فيها بشكل كامل.. خصوصا مع فارق التقدم التكنولوجي في النقطة دي بينا وبين العـ,ـدو بتاعنا، فالمرفوض إننا نحاول نقلل من خطر تقدمه علينا في المساحة دي، مش نسهّله عمله ونديله المنطقة اللي لو عمل تشويش على الاتصالات فوقها، تبقي كل حكومة الدولة معزولة عن باقي البلد".
الفجوة النوعية
ويضع الباحثون أرقاماً دقيقة لطبيعة التهديد التكنولوجي الذي تواجهه الدولة، متسائلين عن جدوى التحصين الإنشائي والخرساني التقليدي في عصر ترتكز فيه القوة على الرقائق الذكية والبحث العلمي الفائق.
الباحث الأكاديمي علاء بيومي (@Alaabayoumi) أكد أنه "بالنسبة لتحصين بلادنا أمنيا، فهناك رعب حقيقي من انكشاف أمن الدول المختلفة أمام التكنولوجيا وخاصة الذكاء الاصطناعي. وهنا يجب الإشارة إلى ان نصف صادرات إسرائيل هو من التكنولوجيا المتقدمة. وان بها أكبر مصنع لشركة إنفيديا وهي أهم شركة أمريكية وعالمية منتجة لرقائق الذكاء الاصطناعي خارج أمريكا. وان صادراتها من الأسلحة بلغت ١٩ مليار دولار في ٢٠٢٥… وتنفق ٦٪ من دخلها القومي على البحث العلمي (ربما اكثر من ٣٠ مليار دولار سنويا)… وهنا يجب ان نسأل ما هو مفهوم الأمن القومي؟ وكيف يمكن تحصين الدول ومؤسساتها الاستراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي؟ وفي أي عصر تكنولوجي تعيش الدول ومؤسساتها الأمنية؟"
https://x.com/Alaabayoumi/status/2073614314773684554
وتتقاطع التحليلات عند نقطة جوهرية مفادها أن الباعث الأساسي وراء هذا التصميم الإنشائي المعزول لم يكن مجابهة الأعداء الخارجيين، بل التحصن ضد الشعب الحاضن للدولة خوفاً من موجات الاحتجاج العارم.
وينتقد المدونون تحول عقيدة الأمن القومي من حماية الحدود والمياه والسيادة إلى حماية السلطة الحاكمة من حراك الشارع.
فيعود عمار مطاوع (@AmmarMetawa) ليوضح أنه "للأسف، السيسي شايف إن أكبر خطر بيهدد مصر، هو ثورة شعبها ضده.. مش الجار الشرقي اللي محتـ.ـل البحر، ولا الجار الجنوبي اللي محتـ.ـل النهر.. والموضوع تحول من إنه "شايف كده"، لقرارات مصيرية تتعلق بالأمن القومي، بيتم رسمها كاملة ضد ثورة شعبية.. مش ضد عـ.ـدو خارجي متربص ومستني الفرصة. النظام في مصر شايف إن الخطر من جوه مش من بره.. من الشعب مش من العدو.. ودي مصيبة أكبر من بناء العاصمة الإدارية.. مصيبة فكرية وعقلية ونفسية إن دي هيا نظرة النظام للشعب اللي بيحكمه…"
رؤية فلسفية
وعندما تحدث المراقبون عن تجميع كل المقرات (رئاسة، برلمان، وزراء، دفاع) في مربع واحد، فإن العمق العسكري هنا يتحدث عن خطأ استراتيجي فادح يُعرف بـ "نقطة الفشل الواحدة" (Single Point of Failure). وفي الحروب المعاصرة، تدمير شبكة اتصالات واحدة أو محطة طاقة تغذي هذا المربع الجغرافي المعزول، يعني "موتًا سريريًا" أو انكشافًا عملياتيًا للدولة بالكامل في ثوانٍ.
وبدلاً من أن يبذل العدو الخارجي جهدًا استخباراتيًا وعسكريًا لضرب 10 أهداف متفرقة في القاهرة الكبرى وسط ملايين المدنيين (وهو ما يوفر حماية طبيعية ودروعاً بشرية للمؤسسات)، قدم "الأوكتاجون" للعدو هدفًا معزولاً في الصحراء، قصفه لا يتسبب في "أضرار جانبية" (Collateral Damage) للمدنيين، مما يرفع الحرج الدولي عن أي قوة معادية تقرر ضربه.
وعن عمى الألوان الاستراتيجي وتبديل العقيدة من العدو إلى الشعب يعبر ذلك بشكل غير مباشر إلى مفهوم "انحراف العقيدة العسكرية" و"التهديد" في أن تضع الدولة 60 مليار دولار في حصن صحراوي لحماية نفسها من ثورة، فهذا يعني أن القوة الصلبة للدولة أعادت تعريف "العدو الأخطر". العدو لم يعد الطيران الإسرائيلي أو السد الإثيوبي، بل "المواطن المصري".
ويتضح من كلام الباحثين أن النظام يعاني من "رعب من الحشود"، لدرجة جعلته ينفق ميزانية تسليح وتطوير تكنولوجي ضخمة على "مأوى خرساني"، تاركاً الجبهات التكنولوجية الحقيقية (الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني) مكشوفة، وهي المساحة التي تفوقت فيها إسرائيل بشكل مرعب كما ذكر علاء بيومي.
المقارنات التاريخية الساخرة
ويعبر النشطاء بتهكم عن مدى الرعب النفسي المستقر في كواليس القرار الأمني من فكرة حضور الجماهير في الميادين، لدرجة تجعل المقارنات تعقد بين أثر القنابل الذرية وأثر الاحتجاج السلمي.
ودعا الناشط محمد عبدالرحمن (@mohamed041979) إلى الإجابة على التساؤلات "عندنا ف المعارضه باحثين و اكادميين محترفين. محتاجين حد منهم يتكرم ويعملنا بحث عن وضع هيروشيما ونجازاكي بعد 13 سنه من ضربهم بالقنبله الذريه. عايزين نعرف بالظبط هل القوي التدمرية بقنابل ذريه اقوي من وقوف الناس ف الشارع لمده 18 يوم ام العكس . عايزين نعرف ميتين ام مسيلمه الكداب ده هيبطل كدب امته"، في اشارة للسيسي.
https://x.com/mohamed041979/status/2073525314773684554
تغريدة محمد عبد الرحمن الساخرة تحمل عمقاً فلسفياً خطيراً؛ فالقنبلة الذرية تدمر البنية التحتية، لكنها لا تدمر "إرادة الشعوب" (اليابان نهضت بعد 13 سنة). أما النظام الحالي، فيتعامل مع الـ 18 يوماً (ثورة يناير) كـ "قنبلة تفكيك" لعقيدة السيطرة العسكرية التي استمرت منذ 1952.
والخلاصة أن عودة الشعب لاكتشاف أن نزوله الشارع قادر على إسقاط النظام هو الكابوس الذي يُبنى ضده "الأوكتاجون"؛ فالمبنى ليس لحماية الدولة من السقوط، بل لحماية "النخبة" من الحساب والمساءلة.