أوضاع قاسية لأصحاب المعاشات المتأخرة 6 أشهر.. كيف يعيش المتضررون؟
تُظهر الشهادات الصادرة عن المتضررين واقعًا معيشيًا محزنًا، إذ اضطر أصحاب المعاشات إلى الاقتراض المستمر من الأقارب والمعارف والمتاجر، وتأجيل شراء الأدوية الضرورية، والاستغناء عن السلع الغذائية الأساسية، كاللحوم، والعيش على الكفاف.
وفي حين لا يتهم أحد الحكومة بالتعمد في تعطيل صرف المعاشات، فإن المساءلة تقع على عاتقها بسبب تجاهل الشكاوى وعدم طرح إجراءات بديلة لصرف ولو جزء من المستحقات.
ورغم أن الحكومة وعدت بإنهاء الأزمة مع مطلع أغسطس المقبل، فإن المخاوف تظل قائمة من أن تكون هذه المواعيد مجرد ترحيل للمشكلة، وسط مطالبات بتعويض المتضررين الذين تكبدوا خسائر بالغة بسبب أخطاء تقنية وإدارية لا يد لهم فيها.
وتداول مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب العديد من المنصات الإعلامية، أصوات المتضررين والمختصين، ونستعرض أبرز هذه الآراء.
ونقلت منصة "أحوال مصرية" عن مواطنة تحت عنوان: "دخلنا في اكتئاب". سيدة تروي معاناة أصحاب المعاشات بسبب تأخر صرف المستحقات:
https://x.com/Ahwalmesreya/status/2081345891554791793
ورفعت المواطنة أميرة إبراهيم، @amiraib38250287، استغاثة إلى السيسي، قائلة إنها: ".. بعد 32 سنة خدمة تحصلت على معاش 2700 جنيه… تدفع غاز ونور ومياه ما يقارب الـ2000 جنيه، تسأل وعايزة حل تعيش إزاي بـ700 جنيه؟".
وذلك في مفارقة عجيبة، وهي أن الإعلام، بحسب تعبيرها، "مش فاضي لده"، وانشغل بالاستضافة والترحيب بيوسف بطرس غالي، الذي تعتبره السبب الرئيسي في أزمة أصحاب المعاشات حتى وقتنا هذا.
https://x.com/amiraib38250287/status/2081014505824215286
تحذيرات برلمانية من تأخر جديد
ووصلت حدة التحذيرات البرلمانية من استمرار الأزمة بعد موعد 1 أغسطس، إذ قال برلماني: "أصحاب المعاشات مش هيستحملوا تأخير جديد بعد 1 أغسطس".
وقال النائب إيهاب منصور: إن "45 ألف حالة كانت متأثرة بأزمة تأخر صرف المعاشات"، مضيفًا أنه مستهدف إنهاء جميع الحالات المتبقية قبل 1 أغسطس، وأن أي تأخير بعد الموعد المحدد غير مقبول، مؤكدًا: "وسأستخدم كل الأدوات البرلمانية".
كما صرح برلماني آخر: "تأخر صرف معاشات 12.7 ألف مواطن بعد 1 أغسطس جريمة تتطلب الحساب".
فجوة قيمة المعاشات والتضخم المتصاعد
وتعليقًا على ما نقلته "القاهرة 24" عن الدكتور عبد المنعم عمارة، وزير الشباب والرياضة الأسبق، قوله: "أنا مش عاوز أقول معاش الوزير كام علشان ما تضحكيش عليا.. أنا معاشي 18 ألف جنيه ولولا إني مستور كنت هشحت".
ورد صاحب المعاش رمضان الدري، عبر حسابه على منصة "إكس" @Prince1Ramdan، على عمارة قائلًا: "معاشك 18 ألف جنيه وفيه ناس معاشاتها 3 لـ4 آلاف جنيه، سيادة الوزير، لحضرتك مؤمن عليك وتدفع اشتراكات تأمينية وقضيت في الخدمة 36 سنة، طب لماذا حصلت على معاش من غير تأمين ولا دفع اشتراكات؟ سيادة الوزير، معاشك ده من جيوب وأموال أصحاب المعاشات المؤمن عليهم.. حسبنا الله ونعم الوكيل".
وأكد رضوان الزياتي، @radwanelzayaty، أنه إذا لم تتم إقرار علاوة استثنائية حقيقية وملموسة لأصحاب المعاشات، إلى جانب العلاوة السنوية، في ظل الغلاء الفاحش، فإن الرئيس نفسه سيكون مسؤولًا، قائلًا إن "حكومة مدبولي لا تعير أصحاب المعاشات أي اهتمام"، مطالبًا السيسي بالتدخل وإقرار علاوة استثنائية، معتبرًا أن "هذا الموضوع أمن قومي بالدرجة الأولى".
التضخم يلتهم الزيادات السنوية
وقالت منصة "مصدقش" @matsda2sh،: "إنه بينما تواظب الحكومة على زيادة المعاشات سنويًا بنسبة 15%، وهي أعلى نسبة منصوص عليها في القانون، تواجه مها، وهي متقاعدة على درجة مدير إدارة بإحدى الإدارات التعليمية في إحدى محافظات دلتا مصر منذ عام 2020، صعوبة في تأمين احتياجات منزلها الشهرية."
وقالت: "إن مبلغ 4 آلاف جنيه، أي نحو 77.8 دولارا تقريبًا بسعر صرف 51.4 جنيها للدولار، لا يصمد أمام غلاء المعيشة: "مع العلاج، مع الحاجة الغالية، الطماطم بـ25 جنيهًا، وكيلو البامية بـ50 جنيهًا، ده ما يكفوش أسبوع".
وأوضحت مها* أنها عندما أُحيلت إلى التقاعد عام 2020، كان معاشها قبل الزيادات اللاحقة 1800 جنيه، بعد 38 عامًا من الخدمة في قطاع التعليم.
خبراء التأمينات: الحل في العودة المؤقتة للنظام القديم
وتعليقًا على استمرار مشكلات أصحاب المعاشات، خاصة مع تعطل "السيستم الجديد"، وما الفرق بين النظام القديم والجديد، قال كامل السيد، خبير التأمينات والمعاشات، "إن الحل يتمثل في عودة النظام القديم إلى العمل، باعتباره محملًا بالبيانات حتى 23 فبراير 2026."
وأضاف السيد، الذي حل ضيفًا على برنامج "أهل مصر" على قناة أزهري الفضائية، أنه يجب تحديث النظام القديم بالبيانات الخاصة بالفترة السابقة، أي فترة الأشهر الستة الماضية، من خلال تغذيته بالمستجدات، خاصة زيادة الـ15%، على أن يعمل النظام القديم بالتوازي مع الفترة التجريبية للنظام الجديد.
وأشار خبير التأمينات والمعاشات إلى أنه، خلال حديثه مع خبراء الحاسبات والمعلومات، أوضحوا إمكانية اتباع نظام "التدريج"، بمعنى تطبيق التجربة في منطقة معينة، ثم التوسع في بقية المناطق، والعمل بالنظامين في توقيت واحد حتى يتم إصلاح الأخطاء، والتأكد من سلامة الأداء، ثم تعميم النظام الحديث في النهاية وإلغاء النظام القديم.
وحول إمكانية إصلاح "السيستم" خلال أول أغسطس، شكك السيد في القدرة على إصلاحه خلال الأيام المقبلة، خاصة في ظل عدم القدرة على صرف المعاشات بشكل كافٍ حتى الآن، معتبرًا أن النظام الحديث تم تحميله فوق طاقته.
أصل أموال التأمينات والاستثمار
وأثارت استضافة حكومة السيسي ليوسف بطرس غالي، لنفي اتهامات تتعلق بسرقة أموال المعاشات والتأمينات الاجتماعية، تساؤلات عدة، فيما رأت الدكتورة ميرفت التلاوي أن "ما قاله يوسف بطرس غالي بشأن ملف أموال التأمينات الاجتماعية هو محاولة متأخرة لتبرئة ساحته وإعادة صياغة التاريخ بشكل يغاير الواقع الذي عاشه أصحاب المعاشات".
ووصفت التلاوي رواية يوسف بطرس غالي بأنها غير دقيقة، معتبرة إياها محاولة للهروب من المسؤولية وخلطًا للوقائع، مؤكدة تمسكها بموقفها بأن أموال التأمينات والمعاشات هي حقوق لأصحابها، وأن السياسات الاقتصادية التي كان يمثلها أو يقودها يوسف بطرس غالي، سواء خلال توليه وزارة الاقتصاد أو لاحقًا وزارة المالية، تعاملت مع أموال المعاشات باعتبارها مصدرًا لسد عجز الموازنة والإنفاق على مشروعات عامة، بدلًا من استثمارها في أوعية آمنة تحقق عوائد حقيقية تعود بالنفع على أصحاب المعاشات.
كما شددت على أن خروجها من الوزارة كان مرتبطًا بشكل مباشر بتمسكها بهذا الموقف ورفضها تمرير تلك السياسات.
ثغرات المنظومة الرقمية وغياب خطط الطوارئ
بدأ تشغيل منظومة التأمينات الجديدة في أواخر فبراير الماضي، لكن هذا التحول الإلكتروني، بدلًا من أن يسهّل الإجراءات، تسبب في تعطيل إجراءات صرف المعاشات للمستحقين الجدد ولعدد كبير من الورثة.
وكشفت الأزمة بوضوح عن خطورة ربط المنظومة بالكامل بنظام إلكتروني واحد دون وجود خطط طوارئ لدى الحكومة، أو حتى طرح حلول استثنائية عاجلة، مثل صرف "سُلف مالية" للمستحقين لمساعدتهم على تسيير حياتهم اليومية وتوفير متطلباتهم الأساسية.
وكان من الممكن، من الناحية اللوجستية، الإبقاء على النظام القديم بصورة موازية خلال فترة الانتقال إلى المنظومة الجديدة، وهو إجراء متبع ومُجرّب في مشروعات التحول الرقمي التي تمس قطاعات حيوية وحياة المواطنين.
لكن، كما يبدو على الأرض، لا تتعامل الحكومة مع التأمينات والمعاشات باعتبارها خدمة حيوية عاجلة، إذ قابلت مطالبات ومناشدات المتضررين على مدار خمسة أشهر كاملة، بل وحتى طلبات الإحاطة تحت قبة البرلمان، مثل طلب الإحاطة المقدم من النائب ضياء الدين داوود، بالأسلوب نفسه من التجاهل والصمت.
وعلى الرغم من أن التحول الرقمي في منظومة التأمينات كلف أموالًا طائلة واستغرق إعداده سنوات، فإنه لم يصدر أي توجيه سياسي حاسم للتعامل مع المشكلات الطارئة التي مست معيشة المواطنين، ما عكس صورة شديدة القسوة من تجاهل الحقوق المالية التي سددها المواطنون على مدار عقود من العمل.
والمعاش، بحسب مراقبين، ليس منّة أو منحة مجانية، بل هو حق تأميني ناتج عن اشتراكات سددها المواطن طوال سنوات خدمته الوظيفية، وبالتالي، فإن التأخر في صرفه يمثل تجاوزًا للحقوق المالية لفئة تعتمد كليًا على دخل شهري محدود.
وكان السيسي قد قرر في 24 يونيو 2026 زيادة المعاشات بنسبة 15%، اعتبارًا من أول يوليو الجاري.
إلا أن الأزمة المعيشية والإنسانية التي تواجه آلاف الأسر المصرية تتفاقم، مع استمرار انقطاع شريان الحياة الوحيد عنها، حيث دخلت أزمة تأخر صرف المعاشات شهرها السادس، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن خطط التحول الرقمي وتحديث المنظومة الإلكترونية، وسط حالة من التجاهل لمصالح وحياة المتضررين الذين تعطلت شؤونهم اليومية لشهور طويلة، دون وجود مصادر دخل بديلة.