انطلق من قرية ناهيا إلى نقابة الأطباء والبرلمان ومكتب إرشاد جماعة الإخوان، محطات طويلة في حياة أحد أبرز الوجوه السياسية للجماعة، قبل أن تنتهي مسيرته داخل محبسه في أغسطس 2020.
لم تكن حياة الدكتور عصام الدين محمد حسين محمد حسين العريان مسيرة سياسية فقط، وإنما امتدت عبر مجالات متعددة، جمعت بين الطب والقانون والشريعة والتاريخ والعمل النقابي والسياسي والدعوي، قبل أن تنتهي حياته داخل محبسه في سجن العقرب في أغسطس 2020.
ولد العريان في 24 أبريل 1954 بقرية ناهيا التابعة لمركز إمبابة في محافظة الجيزة، ونشأ في بيئة اهتم فيها منذ وقت مبكر بحفظ القرآن الكريم، قبل أن ينتقل إلى القاهرة لاستكمال دراسته الجامعية، حيث بدأ رحلته الأكاديمية من بوابة كلية الطب بجامعة القاهرة.
من الطب إلى دراسة القانون والشريعة والتاريخ
حصل عصام العريان على بكالوريوس الطب والجراحة من جامعة القاهرة عام 1977، وتخصص في أمراض الدم والتحاليل الطبية، قبل أن يحصل على درجة الماجستير في علم الأمراض السريرية عام 1986.
لكن اهتمامه لم يتوقف عند المجال الطبي؛ إذ اتجه إلى دراسة القانون والشريعة والتاريخ، فحصل على ليسانس الحقوق من كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1992، ثم حصل على الإجازة العالية في الشريعة الإسلامية من جامعة الأزهر عام 1999.
وفي عام 2002 حصل على ليسانس التاريخ من جامعة القاهرة، كما سجل لنيل دبلوم في القانون العام بجامعة القاهرة، وسجل أيضاً لرسالة دكتوراه في الطب بجامعة القاهرة، وفق المادة التي توثق مسيرته التعليمية.
هذا التنوع الأكاديمي أصبح لاحقاً أحد أبرز السمات المرتبطة بشخصيته، إذ جمع في نشاطه العام بين الخلفية الطبية والاهتمام بالقانون والشريعة والتاريخ، إلى جانب العمل السياسي والنقابي.
بدايات النشاط السياسي في الجامعة
برز اسم العريان خلال سنوات الدراسة الجامعية باعتباره واحداً من الشباب الذين انخرطوا في النشاط الإسلامي داخل الجامعات المصرية خلال سبعينيات القرن الماضي.
و كان عضواً مؤسساً في الجماعة الإسلامية بالجامعات، ثم تولى رئاسة مجلس شورى الجماعة الإسلامية بجامعة القاهرة، قبل أن يصبح منسقاً لمجلس شورى الجامعات بالاتحاد العام للجمعيات والجماعات الإسلامية في نهاية سبعينيات القرن الماضي، كما تولى منصب أمين اللجنة الثقافية باتحاد طلاب طب القاهرة خلال الفترة من 1972 إلى 1977، وشارك في النشاط الطلابي داخل جامعة القاهرة.
وشكلت هذه المرحلة بداية انتقاله من العمل الطلابي إلى النشاط العام، وهو المسار الذي استمر معه بعد تخرجه من كلية الطب.
نقابة الأطباء.. بوابة العمل النقابي
بعد تخرجه، واصل العريان نشاطه من خلال نقابة الأطباء، حيث انتخب عضواً في مجلس إدارة نقابة أطباء القاهرة منذ عام 1986، وشغل عدداً من المناصب النقابية، من بينها الأمين العام المساعد وأمين صندوق النقابة، وفق المادة.
وأتاحت له تجربته النقابية حضوراً أوسع في المجال العام، كما ساهمت في تكوين شبكة من العلاقات داخل الأوساط المهنية والسياسية, وخلال هذه المرحلة، أصبح العريان أحد الوجوه المعروفة في العمل العام، بالتوازي مع نشاطه داخل جماعة الإخوان المسلمين.
البرلمان.. من أصغر النواب إلى أحد أبرز الوجوه السياسية
دخل عصام العريان البرلمان لأول مرة عام 1987، وكان وقتها من أصغر أعضاء المجلس سناً.
وبعد ثورة يناير 2011، عاد إلى الحياة البرلمانية من خلال عضوية البرلمان الذي أعقب الثورة، وبرز اسمه باعتباره أحد الشخصيات السياسية الرئيسية في جماعة الإخوان المسلمين.
ومع تأسيس حزب الحرية والعدالة في أبريل 2011، أصبح العريان نائباً لرئيس الحزب، كما تولى مسؤولية القسم السياسي في جماعة الإخوان المسلمين.
وكان قد انتخب عضواً في مكتب الإرشاد في أواخر عام 2009، بعد سنوات من النشاط داخل الجماعة، كما أصبح عضواً في مجلس الشورى العام للجماعة.
وفي أعقاب وصول محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية، اختير العريان ضمن أعضاء الفريق الاستشاري للرئيس، ليصبح أحد أبرز الوجوه السياسية المرتبطة بالجماعة خلال تلك المرحلة.
الاعتقال.. محطات متكررة في مسيرته
ارتبطت مسيرة عصام العريان السياسية أيضاً بسلسلة طويلة من الاعتقالات والمحاكمات.
فقد اعتقل ضمن اعتقالات سبتمبر 1981 في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، ثم تعرض للاعتقال عدة مرات خلال عهد الرئيس حسني مبارك.
وفي يناير 1995، صدر بحقه حكم في محاكمة عسكرية استثنائية بالسجن لمدة خمس سنوات، قضاها حتى يناير 2000.
وفي مايو 2006، اعتقل على خلفية مظاهرات مناصرة للقضاة في القاهرة، وظل رهن الاحتجاز حتى ديسمبر من العام نفسه.
كما اعتقل مرة أخرى في يوليو 2007، واستمر احتجازه حتى أكتوبر من العام ذاته.
ومع اندلاع ثورة يناير 2011، اعتقل العريان فجر جمعة الغضب في 28 يناير2011، في سياق الأحداث التي شهدتها مصر آنذاك.
ما بعد 2013.. العودة إلى السجن
بعد أحداث عام 2013، عاد العريان إلى دائرة الملاحقة الأمنية والقضائية.
وفي صباح 30 أكتوبر 2013، ألقت السلطات القبض عليه، ليبدأ مرحلة جديدة من الاحتجاز امتدت لسنوات.
وبقي العريان في محبسه، من بينها سجن العقرب، حتى وفاته في أغسطس 2020.
وخلال سنوات الاحتجاز، أصبح اسمه مرتبطاً بملف المعتقلين السياسيين في مصر، في ظل خلاف واسع بين السلطات المصرية وخصومها السياسيين والمنظمات الحقوقية حول طبيعة القضايا والأحكام والإجراءات التي طالت قيادات جماعة الإخوان المسلمين بعد 2013.
الوفاة داخل سجن العقرب
في 13 أغسطس 2020، توفي عصام العريان داخل محبسه في سجن العقرب، عن عمر ناهز 66 عاماً، إثر أزمة قلبية.
وأثارت وفاته ردود فعل واسعة، خصوصاً في أوساط جماعة الإخوان المسلمين ودوائر المقربين منه.
و لم تسلم السلطات الانقلاب جثمانه إلى عائلته، وأبلغتها بأنها ستتولى إجراءات الدفن, ودُفن ليلاً في مقابر مرتبطة بقيادات الجماعة شرقي القاهرة بمدينة نصر، بحضور عدد محدود من أفراد أسرته وأقاربه، بلغ وفق المادة 12 شخصاً.
وأصبحت طريقة التعامل مع جثمانه ودفنه جزءاً من الجدل الذي أحاط بوفاته، في ظل الانتقادات التي وجهتها جماعة الإخوان وأطراف سياسية وحقوقية إلى ظروف احتجازه والرعاية التي تلقاها داخل السجن.
شهادات رفاقه.. توأم الروح
بعد عامين من وفاته، كتب الدكتور حلمي الجزار، أحد رفاق العريان، في أغسطس 2022، شهادة مطولة عن علاقته به، استعاد خلالها سنوات العمل المشترك بينهما.
وقال الجزار: "إن علاقته بالعريان امتدت من سنوات الدراسة في كلية طب قصر العيني بمرحلتي البكالوريوس والماجستير، ثم إلى نقابة الأطباء والعمل البرلماني بعد ثورة يناير، فضلاً عن العمل الدعوي داخل جماعة الإخوان المسلمين."
ووصفه بأنه كان «أخاً وتوأم روح»، مستعيداً جوانب متعددة من شخصيته.
شخصية متعددة الاهتمامات
ركزت شهادة الجزار على الجانب العلمي والشخصي في حياة العريان، مشيراً إلى حرصه على التعلم والتحصيل رغم الظروف الصعبة.
ولفت إلى حصوله على درجات علمية متعددة في الطب والقانون والشريعة والتاريخ، مشيراً إلى أن العريان كان قادراً على الجمع بين الدراسة والعمل والنشاط العام في الوقت نفسه.
كما وصفه بأنه كان صاحب مواهب متعددة، ونجح في العمل الإداري داخل نقابة الأطباء وفي القسم السياسي لجماعة الإخوان، إلى جانب نشاطه في العمل الدعوي والاجتماعي والسياسي.
وأشار الجزار كذلك إلى قدرة العريان على التواصل مع الآخرين، واصفاً إياه بأنه كان بشوشاً وقادراً على الوصول إلى قلوب من يتعاملون معه.
حضور داخل الأسرة والعمل العام
لم تقتصر شهادة رفيقه على النشاط السياسي والعلمي، بل تناولت أيضاً الجانب العائلي من شخصيته.
وبحسب الجزار، كان العريان حريصاً على متابعة أسرته وأبنائه، وخاصة ما يتعلق بالدراسة وحفظ القرآن، كما كان يؤدي دوراً محورياً داخل عائلته رغم كونه أصغر إخوته.
ويرى رفيقه أن هذه الجوانب كانت جزءاً من شخصية العريان التي جمعت بين العمل العام والحياة الأسرية.
ثلاثة أساتذة في حياة رفيقه
وفي شهادته، أشار حلمي الجزار إلى ثلاثة من زملائه الذين اعتبرهم بمثابة أساتذة له في مجالات مختلفة، وهم عصام العريان، وسناء أبو زيد، وعبد المنعم أبو الفتوح.
ووضع العريان في مقدمة من تأثر بهم في الجانب السياسي، بينما ربط بسناء أبو زيد الجوانب التربوية والسنن العملية، وبعبد المنعم أبو الفتوح الانفتاح والعمل العام والتعامل مع الآخر.
وتكشف هذه الشهادة عن مكانة العريان داخل الدائرة المقربة من قيادات وكوادر جماعة الإخوان المسلمين، وعن الدور الذي لعبه في تكوين أجيال من الناشطين داخل الجماعة والعمل العام.
مسيرة بين السياسة والنقابة والدعوة
تكشف السيرة المهنية والسياسية لعصام العريان عن شخصية تحركت طوال عقود بين مساحات متعددة: الدراسة الأكاديمية، والطب، والعمل النقابي، والنشاط الطلابي، والدعوة، والعمل السياسي والبرلماني.
بدأ من كلية الطب، ثم اتجه إلى دراسة القانون والشريعة والتاريخ، وشارك في النشاط النقابي داخل نقابة الأطباء، قبل أن ينتقل إلى البرلمان ويصبح أحد أبرز الوجوه السياسية لجماعة الإخوان المسلمين.
كما جعلته عضويته في مكتب الإرشاد ومسؤوليته عن القسم السياسي في الجماعة قريباً من دوائر صناعة القرار داخل الجماعة ، قبل أن يصبح عضواً في الفريق الاستشاري للرئيس محمد مرسي بعد ثورة يناير.
لكن هذه المسيرة كانت أيضاً محاطة بسلسلة من الاعتقالات والمحاكمات، بدأت في عهد السادات واستمرت خلال عهد مبارك، ثم عادت بصورة أكثر حدة بعد أحداث 2013، وانتهت بوفاته داخل السجن عام 2020.
إرث سياسي مثير للجدل
تظل شخصية عصام العريان مرتبطة بمرحلة شديدة الحساسية في التاريخ السياسي المصري الحديث، خصوصاً مرحلة صعود جماعة الإخوان المسلمين في الجامعات والنقابات ثم وصولها إلى البرلمان والرئاسة، قبل أن تتعرض الجماعة لحملة واسعة من الملاحقات والاعتقالات بعد 2013.
وبينما ينظر أنصار العريان إليه باعتباره أحد أبرز الشخصيات التي دفعت ثمناً سياسياً كبيراً بسبب انتمائه ومواقفه، فإن خصومه السياسيين يربطون تجربته بالسياسات والمواقف التي اتخذتها جماعة الإخوان خلال فترة وجودها في السلطة.
وبعيداً عن التقييمات السياسية المتباينة، فإن مسيرته تقدم نموذجاً لشخصية جمعت بين العمل المهني والسياسي والنقابي والدعوي، وراكمت حضوراً داخل جماعة الإخوان والبرلمان والنقابات، قبل أن تنتهي حياته في السجن.
ثمانية أعوام على الرحيل
رحل عصام العريان في أغسطس 2020، بعد أكثر من ستة أعوام على احتجازه، تاركاً وراءه مسيرة سياسية وعلمية ونقابية امتدت لأكثر من أربعة عقود.
وبالنسبة إلى رفاقه ومحبيه، بقيت صورته مرتبطة بالعمل السياسي والدعوي والعلمي، بينما ظل اسمه جزءاً من تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في مصر خلال العقود الأخيرة.
أما وفاته داخل سجن العقرب، فقد أضافت فصلاً أخيراً إلى مسيرة اتسمت منذ بدايتها بالصراع السياسي والاعتقال والملاحقة، وجعلت من سيرته واحدة من السير المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتقلبات الحادة التي شهدتها الحياة السياسية المصرية منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى السنوات التي أعقبت ثورة يناير.
وقد لخص حلمي الجزار نظرته إلى رفيق دربه في عبارة استعاد فيها معنى بقاء الأثر بعد رحيل صاحبه: "قد مات قوم وما ماتت مكارمهم.. وعاش قوم وهم في الناس أموات."