في احتفال المولد النبوي الشريف، وبحضور المنقلب السفيه ،عبد الفتاح السيسي، تحدث وزير أوقافه أسامة الأزهري عن الرحمة باعتبارها مفتاحًا لفهم الدين وسلوك الإنسان، داعيًا إلى أن يتحرك هذا المعنى في القلب حتى يرقّ ويشفق ويلين، وأن يدفع الإنسان إلى إحسان المعاملة وإن كره الآخر.
وبدا الخطاب، في ظاهره، تأكيدًا على أن الرحمة قيمة تتجاوز الخصومة والخلاف، وأنها معيار لسلوك الإنسان تجاه الآخرين.
لكن الكلمات التي تبدو، في سياقها الديني، دعوة إلى التسامح والرفق، اصطدمت سريعًا بأسئلة سياسية وحقوقية حول واقع السجون في مصر، وأوضاع المعتقلين، وملفات الإخفاء القسري التي يقول معارضون ومنظمات حقوقية إنها ما زالت مفتوحة منذ سنوات.
غير أن تداول المقطع فتح الباب أمام سؤال آخر: إذا كانت الرحمة تقتضي الإشفاق واللين وحسن المعاملة حتى مع الخصم، فكيف يمكن قراءة ذلك في ظل سنوات من الانتقادات الموجهة إلى سياسات الاعتقال والسجون والإخفاء القسري؟
وكتب الدكتور حمزة زوبع @drzawba متسائلًا عن الرحمة، في ظل ما وصفه بقتل الأبرياء، وإخفاء المواطنين، واعتقال عشرات الآلاف، وبناء السجون، وتقليص الإنفاق على الصحة والتعليم، مقابل إنفاق مليارات على مشروعات وقصور وكيانات أخرى.
كما استشهد بالآية القرآنية: "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً".
وظهرت منشورات مؤيدة للسيسي قرأت حديثه مع إحدى المذيعات بوصفه لفتة إنسانية وأبوية، ودعت له بالصحة والعافية والحماية.
إلا أنه بالمقابل، تشير منشورات معارضة إلى وجود نحو 70 ألف معتقل سياسي منذ عام 2013، بينما تذهب مصادر ومنشورات أخرى إلى أن العدد تجاوز 100 ألف.
لكن هذه الأرقام لا ينبغي التعامل معها باعتبارها إحصاءً رسميًا نهائيًا؛ إذ تختلف التقديرات باختلاف التعريف المستخدم للمعتقل السياسي والفترة الزمنية التي تغطيها، وما إذا كانت تشمل المحبوسين احتياطيًا أو المحكوم عليهم أو من أُفرج عنهم لاحقًا.
المهم في السياق هنا ليس الرقم وحده، وإنما أن قضية الحبس والاحتجاز السياسي ظلت واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل حول عهد السيسي، وأن جماعات حقوقية ومعارضة تتحدث بصورة متكررة عن الاعتقال التعسفي، والمحاكمات المطولة، وظروف الاحتجاز.
الإخفاء القسري منذ 2013
يتخذ ملف الإخفاء القسري بعدًا أكثر قسوة؛ لأن المعتقل المعروف يمكن لأسرته، ولو في ظروف شديدة الصعوبة، أن تعرف مكان وجوده وأن تتواصل مع محاميه.
أما المختفي قسريًا، فتعيش أسرته في منطقة رمادية بين الأمل والخوف.
وبمناسبة اليوم العالمي لمناهضة الإخفاء القسري، أعادت منشورات حقوقية ومعارضة نشر أسماء عدد من الأشخاص الذين تقول أسرهم أو الجهات التي تتبنى قضيتهم إنهم اختفوا منذ أحداث عام 2013 وما بعدها.
وتضمنت القوائم كالتي طرحتها نجدة لحقوق الإنسان @Najda_H_R أسماء أشخاص اختفوا أثناء أو عقب أحداث الحرس الجمهوري، والمنصة، وفض اعتصام رابعة العدوية، وأحداث أخرى خلال السنوات التالية.
1 – عمرو إبراهيم عبدالمنعم متولي، من مركز الرياض محافظة كفر الشيخ مختف منذ يوم 8 يوليو 2013 في أحداث الحرس الجمهوري.
2- خالد محمد حافظ عز الدين، مختف منذ أحدث "المنصة" عام 2013 ولم يستدل على مكانه حتى الآن.
3- عبدالحميد محمد عبدالسلام، من مركز الحامول محافظة كفر الشيخ مختف منذ يوم 14 أغسطس 2013 أثناء فض اعتصام رابعة العدوية، توفي والده بعد عامين من البحث عنه، ولم يستدل على مكانه وما زال عبدالحميد مختفيا حتى الآن.
4- عمر محمد علي حماد، طالب في هندسة الأزهر مختف منذ فض رابعة الموافق 14 أغسطس 2013، تم اعتقاله يومها ووضعه في مدرعة تابعة للجيش ولم يعرف عنه شيء من حينها حتى الآن.
5- محمود إبراهيم مصطفى أحمد عطية، 36 عاما، مختف منذ أحداث المنصة، ولم يستدل أحد على مكانه حتى الآن.
6- محمد خضر علي محمد، طالب بكلية الهندسة، من بور سعيد، مختفي منذ فض رابعة الموافق 14 أغسطس 2013، قدمت والدته شكاوى للمجلس القومي لحقوق الإنسان رقم 1819 _ 7326 لسنة 2015 ورد المجلس بأن محمد لم يستدل على ضبطه أو اتخاذ أي إجراء قانوني معه.
7- عادل درديري عبدالجواد، مختف منذ يوم 14 أغسطس 2013، أثناء فض اعتصام رابعة، ولم يستدل أحد على مكانه حتى الآن.
8- أسامة محمد راشد عبدالحليم، من مدينة السويس فقد بتاريخ 2/9/2013 من أ – محمود محمد عبدالسميع، من محافظة الفيوم مركز أبشواي، مختف منذ يوم الأربعاء 14/8/2013 أثناء أحداث فض اعتصام رابعة العدوية.
10- محمود أحمد محمد علي بدوي، مختف منذ أحداث فض اعتصام رابعة العدوية يوم 14 أغسطس 2013، ولم يستدل على مكانه حتى الآن.
11- أشرف حسن إبراهيم محمد، من مركز منوف محافظة المنوفية، مختفي منذ يوم الجمعة 26 يوليو 2013 أثناء أحداث المنصة، ولم يستدل أحد على مكانه حتى الآن.
12- محمد السيد محمد إسماعيل، مختفي منذ 24 أغسطس 2013، حيث تم اختطافه من أمام بيته من قبل قوات أمن ملثمة، ولم يستدل على مكانه حتى الآن.
13- أحمد عبدالله جمعة حسانين، مختطف من كتيبته في الجيش بتاريخ 12 فبراير 2014، من قبل قوات أمن الجيش، قبضت عليه ولم يستدل أحد على مكانه حتى الآن.
14- علا عبدالحكيم محمد السعيد ، من محافظة الشرقية، مختفية منذ يوم الخميس 3 يوليو 2014، ولم يستدل أحد على مكانها حتى الآن.
15- عماد زكريا عبدالله عبدالجواد، مختف منذ يوم 14 أغسطس 2013 أثناء أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، ولم يستدل أحد على مكانه حتى الآن.
16- محمد حسين السيد السمان، مواليد 23 مايو 1987، مختف منذ أحداث فض اعتصام رابعة العدوية بتاريخ 14 أغسطس 2013، ولم يستدل أحد على مكانه حتى الآن، حد الأكمنة، ولم يستدل أحد على مكانه حتى الآن.
17- عزت سعيد فؤاد مراد ، مواليد 14 يوليو 1988، مختفي منذ أحداث رمسيس الثانية بتاريخ 16 أغسطس 2013، ولم يستدل أحد على مكانه حتى الآن.
18- محمد الشحات عبدالشافي أحمد، مختف منذ فض أحداث فض اعتصام رابعة العدوية بتاريخ 14 أغسطس 2013، ولم يستدل أحد على مكانه حتى الآن.
19- عبدالرحمن محمد عبدالنبي ، مختف قسريا بتاريخ 10 أغسطس 2014، ولم يستدل على مكانه حتى الآن.
20- محمود المليجي، من محافظة كفر الشيخ، مختف قسريا منذ تاريخ 24 أغسطس 2013، ولم يستدل أحد على مكانه حتى الآن.
وهذه الأسماء ليست مجرد أرقام في سجلات؛ فكل اسم، بحسب روايات ذويه، يعني أسرة ظلت لسنوات تبحث عن إجابة لسؤال واحد: أين هو؟
وبعض الحالات التي تعود إلى عام 2013 ما زالت، بلا إجابة نهائية عن مصير أصحابها، وتزداد مأساة هذه الحالات عندما يموت أحد الوالدين أو أحد أفراد الأسرة قبل معرفة الحقيقة، كما تروي إحدى الحالات الواردة في القائمة بشأن والد عبدالحميد محمد عبدالسلام، الذي قيل إنه توفي بعد عامين من البحث عن ابنه.
وهنا تتجاوز المسألة الخلاف السياسي لتصل إلى سؤال إنساني بسيط: هل من الرحمة أن تظل أسرة سنوات طويلة بلا معرفة بمصير أحد أفرادها؟
السجون «مقابر للأحياء»
وفي منشور آخر، وصف الحقوقي الاكاديمي د.أسامة رشدي @OsamaRushdi السجون المصرية بأنها تحولت إلى «مقابر للأحياء»، متهمًا السلطة باستخدامها في الانتقام السياسي من معارضيها.
وأشار إلى ما وصفه بحرمان معتقلين من الزيارة والعلاج والتريض والتعرض للشمس والتواصل مع أسرهم، محذرًا من أن ظروف الاحتجاز قد تصبح أكثر خطورة على كبار السن والمرضى خلال موجات الحر.
كما تناول حالة الدكتور محمد البلتاجي، مشيرًا إلى أنه تجاوز الثانية والستين وأنه يعاني، بحسب ما أورده رشدي، من سنوات من العزل والحرمان من الزيارات، وأنه أعلن الإضراب عن الطعام احتجاجًا على ظروف احتجازه.
هذه الرواية، كسائر الشهادات الواردة في المنشورات، تحتاج إلى التمييز بين الوقائع التي يمكن توثيقها مستقلًا وبين التوصيفات السياسية لأصحابها، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم الأسئلة التي تطرحها المعارضة المصرية حول معنى الرحمة في إدارة السجون.
من «الرحمة» إلى «الانتقام»
ومسألة السجن ليس إجراءً قانونيًا، بل أداة للانتقام السياسي، يقول المجلس الثوري المصري @ERC_egy: "..الخلاف بيننا وبين نظام السيسي ليس مجرد "خلاف سياسي" تحكمه قواعد وأدوات السياسة وخير دليل على ذلك دماء الشهداء وآلام المعتقلين، والسيسي وحده لم يكن ليستطيع الانقلاب دون دعم الجيش، وهذا الجيش ما زال يدعمه ويحميه حتى اليوم على حساب مصلحة #مصر مقابل سلطة ومال.".
وأضاف "بعد 13سنة بل بعد 100سنة من مذبحة رابعة نؤكد أن السيسي عدو مجرم قاتل للمسلمين ليس مجرد خصم سياسي، وأن حكمه تأسس على أكبر مذبحة في تاريخ مصر مدعومة من اسرائيل والخليج، قام بها عسكر خونة أطلقوا فيها علينا من الرصاص أضعاف ما أطلقوه على جيش الاحتلال وقبضوا الثمن، هذه خلاصة المرحلة.".
ويرى المراقبون أنها سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر المعتقل نفسيًا وجسديًا، وهو اتهام سياسي وحقوقي بالغ الخطورة، يستدعي بطبيعته أدلة مستقلة وحالات موثقة حتى يمكن الحكم على مدى شموله.
لكن حتى بعيدًا عن التوصيف السياسي، تبقى الأسئلة المتعلقة بحقوق المحتجزين قائمة: العلاج، الزيارة، التواصل مع الأسرة، التريض، الحماية من الظروف المناخية القاسية، وضمانات المحاكمة العادلة.
ومنذ انقلاب 2013، تراكمت في مصر ملفات سياسية وحقوقية شديدة التعقيد: قتلى، معتقلون، محاكمات، أسر تبحث عن أبنائها، ومختفون لا تعرف عائلاتهم مصيرهم، ومع مرور السنوات، تغيرت بعض الملفات وأُغلقت أخرى، بينما بقيت حالات أخرى عالقة في الذاكرة.
وهل تمتد هذه الرحمة إلى السجين السياسي، وإلى أسرته، وإلى المختفي قسريًا، وإلى خصوم السلطة الذين لم تعد قضيتهم مجرد خلاف سياسي بل أصبحت بالنسبة إلى أسرهم سنوات من الانتظار والخوف؟