رغم القرارات الحكومية التي استهدفت زيادة المقابل المالي لمعلمي الحصة إلى 50 جنيهًا للحصة، والحديث المتكرر عن توظيف عشرات الآلاف من المعلمين لسد العجز في المدارس، لا تزال أزمة نقص أعضاء هيئة التدريس حاضرة بقوة مع بداية العام الدراسي 2026، بينما يجد آلاف المعلمين أنفسهم أمام نموذج عمل مؤقت لا يوفر لهم استقرارًا وظيفيًا أو دخلًا يتناسب مع متطلبات المعيشة.
وبينما تنظر وزارة التربية والتعليم إلى معلم الحصة باعتباره إحدى الأدوات السريعة لسد الفراغ في المدارس، يرى منتقدون أن استمرار الاعتماد على هذا النموذج دون مسار واضح للتثبيت أو التعاقد المستقر يحول المعلم إلى قوة عمل مؤقتة تنتقل بين المدارس وفقًا لحجم العجز، بما يشبه نظام العمالة اليومية، ويضع العملية التعليمية أمام مشكلة تتجاوز مجرد توفير مدرس داخل الفصل.
وتطرح التجربة سؤالًا أساسيًا: هل تستطيع سياسة سد العجز عبر معلمي الحصة معالجة النقص المزمن في أعداد المعلمين، أم أنها تؤجل المشكلة من عام إلى آخر دون معالجة جذورها؟
50 جنيهًا للحصة.. ماذا يتبقى للمعلم؟
يمثل المقابل المالي أحد أبرز جوانب أزمة معلمي الحصة، فحتى مع رفع قيمة الحصة إلى 50 جنيهًا، فإن حصول المعلم على نصاب أسبوعي كامل يظل غير كافٍ لتوفير دخل شهري يقترب من الحد الأدنى للأجور في الدولة.
وفقا للحسابات فإن معلمًا يقدم نحو 20 حصة أسبوعيًا قد يحصل على ما يقارب 2000 إلى 2500 جنيه شهريًا، وفق عدد الحصص الفعلية وانتظام صرف المستحقات.
ويزداد الضغط عندما تتأخر مستحقات المعلمين لعدة أشهر، بما يحول المقابل المالي المحدود أصلًا إلى مصدر إضافي للقلق وعدم الاستقرار.
وتصبح المفارقة أكثر وضوحًا عند مقارنة هذا الدخل بالحد الأدنى للأجور للعاملين بالدولة، الذي يبلغ 6000 جنيه، فضلًا عن ارتفاع تكاليف النقل والطعام والسكن وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
وبذلك، يجد المعلم نفسه أمام معادلة صعبة: ساعات عمل ومسؤولية تربوية داخل الفصل، في مقابل دخل لا يوفر له بالضرورة الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
سد العجز.. مشكلة تتجدد كل عام
تعود أزمة معلمي الحصة إلى مشكلة أوسع تتعلق بالعجز في أعداد المعلمين، وتستهدف خطط التعيين الحكومية، ضمن مسابقة الـ 30 ألف معلم، تعيين نحو 150 ألف معلم على مدار خمس سنوات، إلا أن عملية التوظيف لا تجري بمعزل عن خروج أعداد أخرى من الخدمة سنويًا بسبب بلوغ سن المعاش.
وتشير التقديرات إلى خروج ما بين 30 و35 ألف معلم سنويًا إلى المعاش، في مقابل أعداد أقل تدخل الخدمة الجديدة، وهو ما يعني أن جزءًا من التعيينات الجديدة يذهب عمليًا لتعويض المتقاعدين، قبل أن تبدأ الوزارة في معالجة العجز المتراكم.
الاعتماد على معلمي الحصة يتجاوز 100 ألف معلم من الخريجين وطلاب التربية العملية في بعض المراحل، وهو ما يكشف حجم اعتماد المدارس على العمالة المؤقتة في مواجهة النقص المستمر.
وهكذا تتحول سياسة سد العجز إلى دائرة متكررة: تعيينات جديدة، وخروج مستمر للمعلمين، ثم الاستعانة بمعلمي الحصة لسد الفجوات المتبقية.
معلم مؤقت.. ومسؤولية دائمة
المشكلة لا تتعلق فقط بحجم الأجر، وإنما بطبيعة العلاقة بين المعلم والمدرسة، فالمعلم الذي يدخل الفصل بعقد مؤقت أو بنظام الحصة قد يجد نفسه مطالبًا بأداء مسؤوليات تربوية واسعة، في الوقت الذي لا يحصل فيه على الحقوق والاستقرار المرتبطين بالوظيفة الدائمة.
وهنا تظهر فجوة بين طبيعة المهمة وبين الوضع الوظيفي، فالمعلم لا يقدم مجرد خدمة زمنية مدتها 45 دقيقة، وإنما يتعامل مع طلاب يحتاجون إلى المتابعة والتقويم وفهم الفروق الفردية بينهم، والمشاركة في الأنشطة المدرسية والتواصل مع الإدارة وأولياء الأمور.
لكن عندما تكون العلاقة قائمة أساسًا على عدد الحصص، يصبح من الصعب ضمان قيام المعلم بكل هذه الأدوار بالصورة نفسها التي يقوم بها المعلم المستقر داخل المدرسة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل معلم حصة يقصر في أداء عمله، وإنما يكشف عن مشكلة في طبيعة النظام نفسه، الذي يضع مسؤوليات مهنية واسعة أمام علاقة عمل محدودة ومؤقتة.
الخبرة الميدانية أمام اختبارات التعيين
من الملفات التي تثير الجدل أيضًا العلاقة بين معلمي الحصة ومسابقات التعيين الحكومية، فعدد من المعلمين الذين أمضوا سنوات داخل المدارس واكتسبوا خبرة عملية في التعامل مع الفصول والطلاب يواجهون في بعض مراحل التعيين اختبارات وإجراءات متعددة، بينما لا تتحول سنوات الخبرة الميدانية بالضرورة إلى أولوية كافية عند المفاضلة.
وتتضمن إجراءات المسابقات اختبارات وتقييمات متعددة، وهو ما يفتح نقاشًا حول مدى قدرة هذه الاختبارات على قياس الكفاءة الفعلية للمعلم، خصوصًا بالنسبة لمن اكتسب خبرة عملية طويلة داخل الفصول.
فالمعلم الذي تعامل لسنوات مع الطلاب، وأدار فصولًا مكتظة، وتعامل مع مشكلات الانضباط والفروق الفردية، يمتلك خبرة عملية لا يمكن اختزالها بالكامل في اختبار نظري أو تقييم منفصل عن واقع المدرسة.
ومن هنا يبرز مطلب إعادة النظر في كيفية احتساب الخبرة الميدانية ضمن معايير اختيار المعلمين، بما يحقق توازنًا بين التأهيل الأكاديمي والقدرة العملية.
التأثير على جودة العملية التعليمية
لا تقف آثار نظام معلمي الحصة عند حدود الأجر أو الاستقرار الوظيفي، وإنما يمكن أن تمتد إلى العملية التعليمية نفسها إذا لم يصاحب النظام تدريب ومتابعة واستقرار كافٍ.
فالتدريس الجيد لا يعتمد فقط على وجود المعلم داخل الفصل، وإنما يحتاج إلى إعداد مسبق للدرس، واستخدام أساليب تعليم متنوعة، ومتابعة مستوى الطلاب، وتصحيح أعمالهم، وتقييم نقاط القوة والضعف، والتواصل مع الإدارة وأولياء الأمور.
كما أن المعلم يحتاج إلى معرفة متراكمة بطلابه، خصوصًا في الفصول التي تضم أعدادًا كبيرة أو طلابًا يعانون من صعوبات تعليمية أو مشكلات سلوكية.
وعندما يتغير المدرس بصورة متكررة، يصبح من الصعب بناء علاقة تعليمية مستقرة، وقد يفقد الطالب التسلسل الطبيعي في متابعة المنهج.
تبدل المعلمين.. ارتباك داخل الفصول
من أبرز المخاطر التي قد تنتج عن الاعتماد المفرط على العمالة المؤقتة احتمالات ارتفاع معدل دوران المعلمين.
فالمعلم الذي لا يمتلك عقدًا مستقرًا أو دخلًا كافيًا قد يبحث باستمرار عن فرصة أخرى أكثر أمانًا، سواء في مدرسة أخرى أو قطاع مختلف.
وفي حال ترك عدد من معلمي الحصة العمل خلال العام الدراسي، تضطر المدرسة إلى البحث عن بدلاء، ما يؤدي إلى تغير أعضاء هيئة التدريس داخل بعض الفصول بصورة متكررة.
ويؤثر ذلك على الطلاب الذين يحتاجون إلى قدر من الاستقرار في علاقتهم بالمعلم، وعلى قدرة المدرسة على تنفيذ خطة تعليمية متماسكة طوال العام.
وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا في المدارس التي تعاني أصلًا من نقص كبير في أعداد المدرسين، إذ قد يؤدي خروج معلم واحد إلى إعادة توزيع حصصه على مدرسين آخرين أو الاستعانة بمعلم جديد بصورة عاجلة.
الدروس الخصوصية.. الوجه الآخر للأزمة
يمثل ضعف دخل معلمي الحصة عاملًا آخر في أزمة أوسع تتعلق بالدروس الخصوصية.
فعندما لا يوفر الأجر الرسمي دخلًا كافيًا، قد يصبح اللجوء إلى مصادر دخل إضافية خيارًا ضروريًا لبعض المعلمين.
وهنا تبرز مخاوف من تحول المدرسة إلى مجرد محطة لإتمام الحصة، بينما تنتقل العملية التعليمية الأساسية إلى الدروس الخاصة والسناتر خارج المدرسة.
ولا يمكن تحميل معلمي الحصة وحدهم مسؤولية هذه الظاهرة، التي ترتبط بعوامل اقتصادية وتعليمية وثقافية متشابكة، إلا أن ضعف الأجور وعدم الاستقرار الوظيفي يمكن أن يزيدا من الضغوط التي تدفع بعض المعلمين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية.
كما أن انتشار الدروس الخصوصية يوسع الفجوة بين الطلاب القادرين على تحمل تكلفتها وأولئك الذين لا يستطيعون ذلك، وهو ما ينعكس على مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية.
بين سد الخانة وبناء مدرس مستقر
تكشف أزمة معلمي الحصة عن مشكلة أعمق في طريقة التعامل مع نقص المعلمين.
فوجود المدرس داخل الفصل ضرورة، لكن سد العجز العددي لا يعني بالضرورة حل أزمة التعليم إذا لم يصاحبه بناء قوة تدريسية مستقرة ومؤهلة.
ويحتاج المعلم إلى أجر عادل، وعلاقة وظيفية واضحة، وتأمين اجتماعي وصحي، وفرص تدريب وترقية، ومسار مهني يسمح له بالتخطيط لمستقبله بدلًا من البقاء في انتظار فرصة تعاقد أو مسابقة جديدة.
كما تحتاج المدارس إلى تخطيط طويل الأجل لأعداد المعلمين، يأخذ في الاعتبار أعداد المتقاعدين سنويًا، ومعدلات التوسع أو الانكماش في أعداد الطلاب، والتوزيع الجغرافي للمعلمين والتخصصات.
هل تحل سياسة الحصة أزمة التعليم
قد يوفر نظام معلمي الحصة حلًا سريعًا لسد الفراغ داخل الفصول، لكنه يظل حلًا مؤقتًا إذا لم يرتبط بسياسة أوسع لمعالجة جذور نقص المعلمين.
فالعجز لا يتوقف عند عدد المدرسين المطلوبين، وإنما يرتبط كذلك باستقرارهم داخل المدارس وقدرتهم على أداء أدوارهم التعليمية والتربوية.
وبينما تواصل الوزارة البحث عن آليات لتوفير أعداد كافية من المعلمين، تظل قضية معلم الحصة اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة السياسة التعليمية على الانتقال من حلول الطوارئ إلى بناء منظومة مستقرة.
فالمعلم ليس مجرد رقم لسد خانة شاغرة في جدول الحصص، وإنما أحد أهم عناصر العملية التعليمية، واستقرار وضعه المهني والاقتصادي ينعكس بصورة مباشرة على استقرار المدرسة والطلاب.
ومن ثم، فإن معالجة العجز الحقيقي لا تبدأ فقط بزيادة عدد المعلمين الموجودين داخل الفصول، وإنما بإيجاد مسار واضح للتوظيف والاستقرار والتأهيل، وبأجور تحفظ للمعلم قدرته على أداء رسالته، بدلًا من إبقائه في دائرة العمل المؤقت والبحث المستمر عن فرصة أكثر استقرارًا.