“اصبروا 15 سنة كمان”.. لماذا يعيد السيسي تدوير شماعة 2011؟

- ‎فيتقارير

قال المنقلب السفيه عبدالفتاح  السيسي إن الأحداث التي شهدتها مصر بين 2011 و2013 أدت إلى «انكماش» في الاقتصاد المصري، وإن التعافي من آثارها قد يستغرق حتى 15 عامًا، كما قال إن التحدي الأكبر بعد 2013 كان الحفاظ على بقاء الدولة ومؤسساتها، وذلك في اجتماع عُقد في 29 سبتمبر 2026.

وأعاد تصريح السيسي بشأن أحداث الفترة من 2011 إلى 2013 فتح ملف قديم يتجاوز مجرد الخلاف السياسي حول ثورة يناير، لأنه يتعلق بطريقة تفسير الدولة المصرية للأزمات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي مرت بها البلاد خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة.

وعلق حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats  بأن المصريين ظلوا يُطلب منهم الصبر لسنوات طويلة، وأن الحديث الآن عن 15 سنة أخرى يعيد تحميل مرحلة 2011–2013 مسئولية الأزمات اللاحقة. لكن النقاش الذي أعقب التصريح سرعان ما انتقل من مسألة «الصبر» إلى سؤال أكثر تحديدًا: هل الأرقام الاقتصادية والتسلسل التاريخي للملفات التي أشار إليها الخطاب الرسمي تدعم بالفعل تحميل أحداث 2011–2013 هذه المسؤولية الممتدة؟
 

 

معنى «الانكماش» يحتاج إلى تدقيق

النقطة المركزية في تصريح السيسي هي الاقتصاد. وهنا يجب التمييز بين حقيقة أن مصر عاشت أزمة اقتصادية شديدة بعد 2011 وبين القول إن الناتج المحلي الحقيقي نفسه انكمش خلال الفترة المقصودة. بيانات صندوق النقد الدولي عن مصر تُظهر أن الناتج الحقيقي استمر في النمو خلال السنوات 2011/2012 و2012/2013 و2013/2014، بمعدلات تقارب 2.2% و2.1% و2.2% على التوالي، بعد 1.8% في 2010/2011.

وهذا لا يعني أن الاقتصاد كان في وضع جيد؛ العكس هو الصحيح. فقد كان النمو ضعيفًا للغاية، وتعرّض الاستثمار والاحتياطيات والمالية العامة والحساب الخارجي لضغوط شديدة. ووفق بيانات صندوق النقد، اتسع عجز الموازنة وارتفعت نسبة الدين، بينما تراجعت الاحتياطيات الأجنبية بصورة حادة.

لذلك فإن وصف مرحلة ما بعد الثورة بأنها أزمة اقتصادية له أساس قوي، لكن استخدام كلمة «انكماش» يحتاج إلى تحديد المقصود: هل هو انخفاض الناتج الحقيقي؟ أم تراجع الناتج المحتمل؟ أم خسائر مقارنة بالمسار الذي كان يمكن للاقتصاد أن يسلكه لو لم تقع الأحداث السياسية؟ هذه مؤشرات مختلفة تمامًا.

وتتقاطع قراءة النقطة مع ما قاله عمرو واكد @amrwaked وأم المقارنة بين قيمة الاقتصاد بالدولار في سنوات مختلفة لا تكفي وحدها لإثبات انكماش الإنتاج الحقيقي، لأن سعر الصرف نفسه تغير بصورة جذرية. وفي نوفمبر 2016، وبعد سنوات من الأزمة، انتقلت مصر إلى نظام أكثر مرونة لسعر الصرف ضمن برنامج صندوق النقد، وتراجع سعر الجنيه بصورة كبيرة، وهو ما أدى إلى انخفاض القيمة الدولارية لمؤشرات عديدة حتى عندما كان الناتج الحقيقي يتحرك في اتجاه مختلف.

 

من يتحمل مسئولية مرحلة 2011–2013؟

هذه النقطة تظهر بوضوح في منشور د. مراد علي @mouradaly، الذي يسأل عن مدى دقة سردية «غياب الدولة» خلال الفترة من 2011 إلى 2013، ويذكر أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة تولى إدارة البلاد بعد تنحي مبارك، وأن الجيش وأجهزة الدولة لم تختفِ خلال رئاسة د. محمد مرسي، بل كان عبدالفتاح السيسي نفسه وزيرًا للدفاع في تلك المرحلة.

https://x.com/mouradaly/status/2105016481251500470

ويحاول السيسي نقل المسئولية إلى طرف آخر، ويحمل الحديث عن انهيار الدولة أو غياب الدولة إعادة تعريف حيث إن الدولة المصرية لم تتوقف عن العمل بين 2011 و2013؛ كانت هناك حكومة وأجهزة إدارية وجيش وشرطة ومؤسسات مالية وقضائية، لكن البلاد عاشت اضطرابًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا، وتراجعًا في القدرة على فرض الاستقرار، وأزمة ثقة اقتصادية ومؤسسية.

كما أن تحديد المسئولية يتطلب النظر إلى موقع كل مؤسسة في كل مرحلة، فالفترة الانتقالية بعد مبارك كانت تحت إدارة المجلس العسكري، ثم جاءت رئاسة د.محمد مرسي، وظلت مؤسسات الدولة الأساسية قائمة. لذلك فإن اختزال كامل المرحلة في ثورة باعتبارها فاعلًا واحدًا يتجاهل تعدد مراكز السلطة والقرارات التي اتخذتها مؤسسات مختلفة خلال تلك السنوات، بحسب مراد علي.

 

يناير لم يخترع ظاهرة الإرهاب في سيناء

واستعرض الصحفي أحمد جمال زيادة ما أطلق عليه (الأرشيف الأول) وعرضه @AGamalZiada لينتقل النقاش إلى الإرهاب، حيث يشير إلى أن الرواية التي تربط الحرب على الإرهاب بالفترة التي أعقبت 2011 لا تتوافق مع حقيقة أن مصر شهدت هجمات إرهابية كبيرة في سيناء قبل الثورة بسنوات.

وهذا الجزء من حجته يستند إلى تسلسل زمني واضح. فقد شهدت طابا تفجيرًا كبيرًا في أكتوبر 2004، ثم وقعت تفجيرات شرم الشيخ في يوليو 2005، وتبعتها هجمات أخرى في سيناء. وتوثق تقارير وزارة الخارجية الأمريكية تلك العمليات، بما يؤكد أن الإرهاب في سيناء كان موجودًا قبل ثورة يناير بسنوات.

لكن وجود الإرهاب قبل الثورة لا يعني أن 2011 لم تغير المشهد الأمني. فقد شهدت سيناء بعد الثورة تصاعدًا مختلفًا في حجم ونوعية النشاط المسلح، وظهرت جماعات أكثر تنظيمًا وقدرة على شن عمليات واسعة. ولذلك فإن الصياغة التاريخية الأكثر دقة هي أن الإرهاب كان موجودًا قبل يناير، بينما أسهمت ظروف ما بعد 2011 في تغيير البيئة الأمنية وتصعيد التهديد، وليس أن الثورة «اخترعت» الإرهاب من الأساس.

https://x.com/AGamalZiada/status/2104985395821756690

 

 

الكهرباء لا تُختصر في يناير 

أحمد جمال زيادة ينتقل عبر @AGamalZiada إلى أرشيف ثاني بالنقاش حول الكهرباء، مستشهدًا بتصريحات رسمية سابقة حول احتياطيات الطاقة وأزمة الوقود بعد 2011، ثم يقارنها بأزمات انقطاع الكهرباء التي ظهرت لاحقًا، بما في ذلك أزمة 2023 و2024.

والمغزى من المقارنة ليس إثبات أن أزمة الكهرباء لم تكن مرتبطة بالاضطراب الذي أعقب الثورة، وإنما الإشارة إلى أن مشاكل الطاقة لها أسباب متعددة، منها إمدادات الغاز والوقود والاستثمار والعملة الأجنبية وقدرة الدولة على تمويل الواردات والصيانة والتوسع في إنتاج الكهرباء. ولذلك فإن استمرار أزمة من النوع نفسه في فترة سياسية مختلفة يجعل من الصعب اختزال المشكلة كلها في حدث سياسي وقع قبل أكثر من عقد.

وبالمعنى نفسه، فإن القول إن الأزمة حدثت بعد الثورة لا يثبت وحده أن الثورة هي سببها الوحيد، كما أن استمرارها بعد سنوات من الاستقرار السياسي لا ينفي أن أحداث 2011 كانت أحد العوامل التي فاقمتها في مرحلة معينة.

 

القطارات: مشكلة بنيوية أقدم من 2011

وينتقل الأرشيف الثالث في منشور @AGamalZiada إلى السكك الحديدية، مستشهدًا بحوادث قطارات وقعت قبل الثورة بسنوات، وفي مقدمتها حادث قطار الصعيد في 2002 وحادث قليوب في 2006.

والتسلسل التاريخي هنا واضح: أزمة السكك الحديدية لم تبدأ بعد يناير 2011. فقد وقعت كوارث كبيرة في عهد مبارك، ما يشير إلى وجود مشكلات متراكمة في البنية الأساسية والإشارات والصيانة والإدارة والسلامة قبل الثورة بسنوات. وفي المقابل، فإن استمرار الحوادث بعد 2013 لا يعفي الحكومات اللاحقة من المسؤولية عن إصلاح هذه المنظومة، خصوصًا عندما تتولى الدولة برامج استثمار وتحديث واسعة فيها.

وبذلك تصبح السكك الحديدية مثالًا واضحًا على مشكلة لا يمكن وضعها بالكامل على عاتق سنة أو مرحلة سياسية واحدة. هناك إرث سابق، وقرارات لاحقة، واستثمارات لاحقة، ومسؤوليات متعاقبة.

 

450 مليار وضرورة معرفة طريقة الحساب

ويتساءل "زيادة" عن مسألة الأرقام الضخمة التي ظهرت في الخطاب الرسمي بشأن تكلفة ما حدث في 2011 وما بعدها، ومن بينها رقم 450 مليار. وهنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر تحديدًا من مجرد قبول الرقم أو رفضه.

إذا كان الرقم يُمثل خسائر اقتصادية، فلا بد من معرفة ما الذي يدخل في تعريف الخسارة. هل هو انخفاض الناتج؟ أم خسارة استثمارات؟ أم ارتفاع الدين؟ أم تكلفة مشروعات؟ أم تقدير لناتج كان يمكن أن يتحقق في سيناريو افتراضي لم تقع فيه الثورة؟

ويرى أن هذا التفصيل ضروري لأن الخسارة في التحليل الاقتصادي ليست رقمًا واحدًا ثابتًا. فإذا كان الرقم مبنيًا على مقارنة الاقتصاد الفعلي بمسار افتراضي، فإن النتيجة تعتمد على معدل النمو الذي افترضه صاحب الحساب. وإذا كان مبنيًا على خسائر مالية مباشرة، فيجب أن تكون هناك حسابات قابلة للمراجعة. ولذلك لا يكفي تكرار رقم 450 مليار لإثباته، كما لا يكفي رفضه سياسيًا لإسقاطه؛ المطلوب هو نشر طريقة حسابه.

 

سد النهضة: المشروع أقدم من الثورة

وركز الباحث عمرو بقلي @ABakly على سد النهضة، ويطرح سلسلة من الأسئلة حول ما إذا كان من الممكن القول إن إثيوبيا قررت بناء سد ضخم بقيمة مليارات الدولارات بسبب اندلاع الثورة المصرية، ثم بدأت المشروع من الصفر في تلك اللحظة.

والتسلسل الزمني للمشروع مهم للغاية هنا. بحسب البقلي، فموقع السد كان معروفًا في دراسات سابقة، كما أن الدراسات والتصميمات المرتبطة بالمشروع الإثيوبي سبقت يناير 2011. وتشير الدراسات التاريخية والأكاديمية إلى أن العمل على المشروع بصورته الحديثة لم يبدأ من الصفر بعد الثورة، وأن مراحل من التصميم والدراسة كانت قد سبقت الإعلان الرسمي عنه.

لكن هذا لا يلغي عنصرًا آخر في القضية: أن إثيوبيا تحركت في 2011 في بيئة إقليمية وسياسية مختلفة، وأن الاضطراب المصري كان عاملًا في السياق الذي جرى فيه الإعلان عن المشروع وبدء تنفيذه. الفرق هنا مهم بين القول إن "الثورة تسببت في ظهور السد" وبين القول إن "إثيوبيا استغلت ظرفًا سياسيًا مواتيًا لتسريع مشروع كانت له جذور سابقة".

https://x.com/ABakly/status/2104997779936510207

 

ماذا تعني عبارة «15 عامًا»؟

تتقاطع هنا معظم المنشورات السابقة. في سؤال واحد عن المدة التي يُفترض أن تستمر خلالها نسبة الأزمات اللاحقة إلى مرحلة 2011–2013.

فالمشكلة الاقتصادية بحسب هذه الحسابات في رقم «15 سنة» هي أن التعافي يجب أن يُقاس من نقطة إلى نقطة وفق مؤشر محدد. إذا كان المقصود الناتج الحقيقي، فهناك مسار معين. وإذا كان المقصود نصيب الفرد من الناتج، فالحساب مختلف. وإذا كان المقصود الدين أو الاحتياطيات أو الاستثمار أو القوة الشرائية للجنيه، فسنحصل على مسارات مختلفة تمامًا.

ولهذا فإن السؤال الاقتصادي المباشر الذي يحتاج إلى إجابة هو: ما المؤشر الذي ستصل إليه مصر في نهاية السنوات الخمس عشرة حتى يمكن القول إن «التعافي» اكتمل؟ وما سنة الأساس التي تجري المقارنة بها؟ وهل المقارنة مع الاقتصاد المصري في 2010، أم مع مسار افتراضي كان يمكن أن يتحقق لولا أحداث 2011، أم مع أداء دول مشابهة؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية لأن السنوات التي يجري وصفها بأنها فترة «التعافي» هي نفسها السنوات التي تقدم فيها الحكومة مشروعات ضخمة وتوسعات عمرانية وبنية أساسية واستثمارات عامة باعتبارها إنجازات للدولة. وبالتالي فإن التحليل الاقتصادي يحتاج إلى فصل تكلفة الصدمة التي وقعت بين 2011 و2013 عن تكلفة السياسات التي اتخذت بعدها، ثم عن النتائج الاقتصادية التي تحققت بالفعل خلال الفترة اللاحقة.