في أحدث تطور في ملف، حقوق الإنسان في مصر والدعم السنوي المسمى ب"المعونة الأمريكية" أفادت Reuters بأن وزارة الخارجية الأمريكية أعفت مبلغ 320 مليون دولار من المساعدات العسكرية لمصر من الشروط المتعلقة بحقوق الإنسان، وجاء القرار بتوقيع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، مستنداً إلى اعتبارات الأمن القومي الأمريكي، ومن بينها مكافحة الإرهاب وأمن الحدود، إضافة إلى الدور الذي تؤديه القاهرة في الملفات الإقليمية.
المعونة "جزرة" تطويع
وهنا تبرز أهمية القرار، لأن القضية لا تتعلق بمجرد مبلغ مالي، وإنما بالطريقة التي تستخدم بها واشنطن المساعدات العسكرية كأداة (جزرة للموالين) ضمن علاقاتها مع حلفائها وشركائها في المنطقة.
ووجود شروط مرتبطة بحقوق الإنسان على جزء من المساعدات يعني أن واشنطن تستطيع استخدامها كورقة ضغط، بينما يؤدي قرار الإعفاء إلى إعطاء الأولوية لاعتبارات أخرى تراها الإدارة الأمريكية أكثر إلحاحاً في لحظة معينة.
الحسابات الأمنية والسياسية الأمريكية
يتصل ذلك مباشرة بموقع مصر في الاستراتيجية الأمريكية بالشرق الأوسط، فالقاهرة تتمتع بموقع جغرافي وسياسي يجعلها طرفاً أساسياً في ملفات غزة وإسرائيل وليبيا وأمن البحر الأحمر وقناة السويس، كما أنها شريك عسكري وأمني لواشنطن منذ عقود.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم تصريحات ماركو روبيو التي أشارت إلى أهمية الدور المصري في المرحلة التالية من عملية السلام في الشرق الأوسط، وهي التصريحات التي تداولها حساب Clash Report في المادة الأصلية.
ففي أكتوبر 2025 سبق لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن أعلن أن "مصر ستلعب دوراً مهما للغاية في المرحلة التالية من عملية السلام في الشرق الأوسط.".
https://x.com/clashreport/status/2105673541374849133
ويكتسب هذا التصريح دلالته عند وضعه إلى جانب قرار الإعفاء من شروط حقوق الإنسان؛ فالمساعدات العسكرية والعلاقات الأمنية من جهة، والدور الدبلوماسي المصري من جهة أخرى، يظهران كجزء من علاقة أوسع لا تقتصر على التمويل العسكري وحده.
تمثل المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر إحدى الركائز الأساسية للعلاقة الاستراتيجية بين القاهرة وواشنطن منذ توقيع معاهدة السلام المصرية ـ "الإسرائيلية" عام 1979. وتحصل مصر بصورة منتظمة على نحو 1.3 مليار دولار سنوياً من التمويل العسكري الأمريكي، وهو دعم يرتبط تاريخياً بالتعاون العسكري والأمني وبالحفاظ على الاستقرار الإقليمي والالتزامات المرتبطة بمعاهدة السلام.
وفي مقابل التبرير الأمريكي القائم على الأمن القومي، قدّم عمرو واكد عبر @Amr Waked قراءة سياسية مختلفة للقرار، معتبراً أن إزالة شروط حقوق الإنسان والديمقراطية عن 320 مليون دولار من المساعدات العسكرية تعكس، في رأيه، أولوية المصالح الأمنية الأمريكية على الاعتبارات المتعلقة بالحريات والديمقراطية في مصر.
وكتب: "الإدارة الأمريكية تزيل شروط حقوق الإنسان والديمقراطية من على ٣٢٠ مليون دولار من "المعونة العسكرية" لمصر وذلك لأن مصر السيسي كان لها دور مساعد لافت منذ حرب أمريكا واسرائيل على إيران".
ثم ربط واكد بين قرار روبيو وبين طبيعة العلاقة بين واشنطن والمؤسسة العسكرية المصرية، معتبراً أن القرار يحمل رسالة سياسية إلى الداخل المصري.
وهذه القراءة تمثل موقف صاحب المنشور وتحليله السياسي للقرار، بينما تتمثل الواقعة الموثقة في أن الإدارة الأمريكية استخدمت صلاحياتها لإعفاء جزء من التمويل من شروط حقوق الإنسان لأسباب تتعلق بالأمن القومي والمصالح الأمريكية.
المساعدات الأمريكية ومعاهدة السلام
وتقود هذه النقطة إلى مسألة أوسع تتعلق بالوظيفة التاريخية للمساعدات العسكرية الأمريكية لمصر، فقد ربطت الولايات المتحدة هذه المساعدات منذ عقود بعلاقاتها الأمنية مع القاهرة وباستقرار المنطقة وبمعاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية.
ومن هنا جاء تعليق المحلل السياسي أسعد أبو خليل في 30 يناير 2025، الذي اعترض فيه على التعامل مع المساعدات المصرية باعتبارها مساعدات أمريكية عادية، وكتب أن المساعدات الأمريكية لمصر مرتبطة بالحفاظ على اتفاقية السلام مع "إسرائيل"، وليست مساعدات موجهة مباشرة إلى الشعب المصري.
وتساعد هذه الزاوية على فهم سبب اختلاف وضع مصر عن برامج المساعدات الخارجية الأخرى؛ فالمساعدة العسكرية لمصر تؤدي وظيفة استراتيجية بالنسبة إلى واشنطن، وتتقاطع مع أمن "إسرائيل" واستقرار المنطقة والتعاون العسكري والأمني بين الدولتين.
المساعدات والملف الصهيوني
ويظهر ارتباط هذا الملف ب"إسرائيل" بصورة أوضح عند النظر إلى تاريخ المساعدات الأمريكية لمصر، فالمساعدات العسكرية جاءت في إطار إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية بعد معاهدة السلام 79، وأصبحت المؤسسة العسكرية المصرية على مدى عقود أحد أطراف منظومة أمنية إقليمية تتعامل معها واشنطن من منظور استراتيجي.
ومن ثم فإن استمرار المساعدات لا يمكن فصله عن شبكة العلاقات الأمريكية في الشرق الأوسط، حتى عندما تبرر واشنطن استمرارها باعتبارات مثل مكافحة الإرهاب أو أمن الحدود أو الوساطة في الأزمات.
قناة السويس في الحسابات الأمريكية
ويمتد هذا التشابك من الملف العسكري إلى قناة السويس، فقد قال دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة: "يجب السماح للسفن الأمريكية، العسكرية والتجارية بالعبور مجاناً، عبر قناة السويس، لم تكن هذه القناة موجودة بدون أمريكا، لقد طلبت من وزير الخارجية ماركو روبيو الاعتناء بهذا الأمر.".
وتاريخيا يرتبط الموقف الأمريكي بالعدوان الثلاثي عام 1956 وبالدور الأمريكي في الضغط لإنهاء العدوان، قبل أن يربط ذلك بتطور العلاقة المصرية ـ الأمريكية لاحقاً.
ولا تقف العلاقة عند الأمن والسياسة الخارجية، إذ يظهر الاقتصاد أيضاً في المنشورات التي تناولت الاتصالات المصرية ـ الأمريكية، فقد تحدث حساب محمد حبيب الباحث الاقتصادي @Habib_CFA عن طلب مصري للحصول على دعم اقتصادي عاجل، وربط ذلك باتصال بدر عبد العاطي بوزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو.
وذهب المنشور إلى أن الاقتصاد المصري يعاني من ضغوط مرتبطة بتوفير العملة الأجنبية، وتأثر قناة السويس والسياحة والاستثمارات بالأزمات الإقليمية، ثم طرح مجموعة من السيناريوهات الاقتصادية المتعلقة بسعر الصرف والتضخم والسيولة والاستثمارات.
وتبقى هذه التقديرات الاقتصادية الواردة في المنشور تحليلاً من صاحب الحساب، بينما يحتاج كل رقم أو توقع محدد إلى الرجوع إلى بيانات البنك المركزي المصري ووزارة المالية والمؤسسات المالية الدولية للتحقق منه بصورة مستقلة.
وهذه النقطة مهمة لأنها توضح أن العلاقة بين القاهرة وواشنطن ليست علاقة مساعدات عسكرية فقط؛ فمصر تؤدي أيضاً دوراً دبلوماسياً في ملفات تعتبرها واشنطن ذات أهمية مباشرة، وهو ما يفسر استمرار التواصل السياسي رفيع المستوى بين البلدين.
وفي أغسطس 2025 نقل عن دونالد ترامب قوله: "إن دولاً عربية ستساعد في تمويل المساعدات الإنسانية الموجهة إلى غزة وإن "إسرائيل" ستساعد في توزيعها، كما نقل عن ماركو روبيو حديثاً عن ضرورة أن يعيش الفلسطينيون في مكان آخر بصورة مؤقتة، مع مطالبة مصر والأردن ودول الخليج بالمساعدة في إيجاد حل للفلسطينيين".
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، لأن أي ترتيبات تتعلق بمستقبل غزة أو بإعادة الإعمار أو بتحركات السكان الفلسطينيين ترتبط مباشرة بموقف القاهرة، التي ترفض بصورة معلنة التهجير القسري للفلسطينيين من قطاع غزة.
وبالتالي فإن الدور المصري الذي تحدث عنه روبيو في عملية السلام لا ينفصل عن الملفات الأكثر حساسية بالنسبة إلى القاهرة، وعلى رأسها مستقبل غزة والحدود مع القطاع ومنع انتقال سكانه بصورة قسرية إلى الأراضي المصرية.
تصنيف جماعة الإخوان المسلمين
وفي موازاة الملف الفلسطيني، يظهر جانب آخر من السياسة الأمريكية تجاه الحركات الإسلامية من خلال ما أورده ياسر الزعاترة بشأن تصنيف فروع من جماعة الإخوان المسلمين.
وقد أشار الزعاترة إلى بيان منسوب إلى ماركو روبيو بشأن تصنيفات تتعلق بفروع الجماعة، واعتبر أن هذه السياسة تمثل، في رأيه، جزءاً من مشروع أمريكي ـ "إسرائيلي" أوسع يستهدف التيارات الإسلامية والقضية الفلسطينية.
https://x.com/USEmbassyCairo/status/2011112915374641627
الإجراءات التي أشار إليها الزعاترة وبين مشروع صهيوني أوسع معروفة، وبحسب ما قال: "..هذا تصنيف صهيوني تتبنّاه أمريكا (ترامب)، ومن قرّره هو "الكيان"، وهو مقدّمة ضرورية يراها الصهاينة لحشر الظاهرة الإسلامية برّمتها في معسكر الإرهاب، لا سيما أنها كانت رأس الحربة في إفشال مشروع تصفية القضية الفلسطينية وصهْينة المنطقة بعد "أوسلو"، وبعد احتلال العراق.".
وأضاف "ما يريده الصهاينة هو ضرب القوى الحيّة في الأمّة، لتمهيد الطريق أمام مشروعهم الجديد للتوسّع والهيْمنة، لكنهم سيفشلون، ليس فقط لأن تطوّرات المشهد الدولي لن تكون كما يريدون، بل أيضا وقبل ذلك وبعده لأن لهذه الأمّة تراثها العريق في مقاومة الغُزاة من كل لون.".
وتابع: "الإسلام في ضمير الأمّة ليس تنظيما ولا جماعة ولا جماعات (التصنيف المذكور نيشان شرف لها)، بل هو نبض يسري في عروقها، ويحمله أحرار من أجيال يسلّم بعضها الراية لبعض، ولن تُسكته، بإذن الله، كل مساعي الأعداء السريّة والمُعلنة." .
دائرة الملفات
ومن دوائر الملفات المرتبطة بمصر ترسيخ الثورة المضادة ورموزها السياسية والاقتصادية ومن ذلك امتداد المشهد إلى ليبيا، حيث لقاء الملياردير القبطي نجيب ساويرس بقائد الجيش الليبي في شرق ليبيا خليفة حفتر في بنغازي، وربط ذلك زمنياً بلقاء صدام حفتر مع مارك روبيو وهي لقاءات دورية صعدت ب"صدام" إلى لقاءات مع الكيان ورئيس حكومته آخرها ما كان بعاصمة الثورة المضادة أبوظبي في 29 سبتمبر الماضي.
الصورة الآثرة التي تناقلتها دوائر إعلام أمريكية محلية ووصلت إلينا كانت حول الهوية الدينية لماركو روبيو، ففي مارس 2025، عندما نشرت أن وزير الخارجية الأمريكي رسم صليباً على جبهته بمناسبة أربعاء الرماد، وهو طقس مسيحي مرتبط ببداية الصوم الكبير لدى الكاثوليك وكان أول ظهور له كوزير خارجية.
https://x.com/AJA_Egypt/status/1897650250123456789
عند جمع هذه الوقائع معاً، يظهر أن العلاقة الأمريكية ـ المصرية تتحرك عبر عدة دوائر مترابطة، تبدأ من المساعدات العسكرية السنوية البالغة نحو 1.3 مليار دولار، وتمتد إلى التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب وأمن الحدود، ثم إلى الدور المصري في الوساطة بشأن غزة، وإلى قناة السويس والملفات الاقتصادية، وصولاً إلى ليبيا والعلاقات المصرية ـ الإسرائيلية.
وفي قلب هذه الدائرة يظهر ماركو روبيو باعتباره وزير الخارجية الأمريكي الذي استخدم في أحدث تطور صلاحية إعفاء 320 مليون دولار من المساعدات العسكرية المصرية من شروط حقوق الإنسان، في وقت تؤكد فيه واشنطن أهمية الدور المصري في الملفات الأمنية والدبلوماسية الإقليمية.