بعد 3 سنوات من 7 أكتوبر.. كيف تغيّرت صورة “الكيان الصهيونى” والقضية الفلسطنية في الوعي الأمريكي؟

- ‎فيتقارير

ثلاث سنوات مرّت على طوفان الاقصى فى  السابع من أكتوبر 2023،و التي شكّلت نقطة تحول في استعادة الحق الفلسطيني من  الكيان الصهيونى ، وأطلقت حرباً واسعة على قطاع غزة خلّفت دماراً هائلاً وخسائر بشرية غير مسبوقة، وأعادت تشكيل كثير من المواقف السياسية والشعبية تجاه إسرائيل والفلسطينيين في الولايات المتحدة.

وخلال هذه السنوات، لم يقتصر الصراع على الميدان العسكري، بل امتد إلى معركة واسعة على الرواية والصورة واللغة المستخدمة في توصيف ما جرى؛ فمنذ الأيام الأولى سعت إسرائيل وحلفاؤها في الولايات المتحدة إلى وضع أحداث السابع من أكتوبر داخل إطار "الحرب على الإرهاب"، وربطها بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، بينما حاولت أصوات أمريكية وفلسطينية ويهودية معارضة للسياسات الإسرائيلية نقل النقاش إلى سياق الاحتلال والاستيطان والحصار الممتد على قطاع غزة.

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد ثلاث سنوات لم يعد فقط: كيف نظر الأمريكيون إلى السابع من أكتوبر في أيامه الأولى؟ بل كيف تغيرت هذه النظرة مع امتداد الحرب، واتساع حجم الدمار في غزة، وتصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل، وظهور فجوة واضحة بين الأجيال الأمريكية في تقييم الصراع؟

 

7 أكتوبر.. "الأخ التوأم" للحادي عشر من سبتمبر

لم تكن المقارنة بين أحداث السابع من أكتوبر وهجمات الحادي عشر من سبتمبر مجرد تشبيه عابر في الخطاب السياسي الإسرائيلي.

فقد سعى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، إلى جانب مؤسسات وجماعات مؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، إلى تقديم الهجوم باعتباره جزءاً من صراع أوسع مع ما يوصف بـ "الإرهاب الإسلامي"، واستدعاء الذاكرة الأمريكية لهجمات سبتمبر وما تبعها من "الحرب على الإرهاب".

وقد وفّر هذا التأطير إطاراً سياسياً جاهزاً للتعامل مع أحداث السابع من أكتوبر، عبر وضع حركة حماس ضمن سلسلة الجماعات التي تصنفها الولايات المتحدة إرهابية، وربط الصراع في غزة بصراعات إقليمية أوسع تشمل إيران وحلفاءها.

وفي هذا السياق، كثفت مؤسسات أمريكية مؤيدة لإسرائيل خطاباً يحضّ واشنطن على النظر إلى الحرب من زاوية التجربة الأمريكية بعد سبتمبر، باعتبار أن إسرائيل، وفق هذه الرؤية، تخوض مواجهة مشابهة مع تهديد أمني يستهدف وجودها.

لكن المقارنة لم تمر من دون اعتراضات داخل الولايات المتحدة، حيث رأت جهات حقوقية وأصوات أكاديمية وسياسية أن وضع السابع من أكتوبر داخل الإطار نفسه الذي صيغت به هجمات سبتمبر يتجاهل السياق التاريخي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وطبيعة الاحتلال والاستيطان والحصار، فضلاً عن الاختلاف الكبير بين طبيعة الصراعين.

وفي الوقت نفسه، لم يكن رفض المقارنة بالضرورة يعني تأييد هجمات السابع من أكتوبر؛ إذ تبنت قطاعات من المنظمات الحقوقية واليسارية واليهودية الأمريكية موقفاً مزدوجاً، أدانت فيه قتل المدنيين الإسرائيليين، لكنها ربطت الأحداث بالسياق الأوسع للصراع والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

 

من التعاطف مع إسرائيل إلى تراجع الفجوة

في أعقاب السابع من أكتوبر مباشرة، أظهرت استطلاعات الرأي الأمريكية تفوقاً واضحاً في التعاطف مع إسرائيل، في ظل الصدمة التي أحدثها الهجوم، وخصوصاً ما تعلق بقتل المدنيين واحتجاز الرهائن.

لكن استمرار الحرب وتزايد حجم الخسائر والدمار في قطاع غزة أديا إلى تغير ملموس في المزاج العام الأمريكي. فبحسب أحدث استطلاع لمؤسسة غالوب في فبراير 2026، قال 41% من الأمريكيين إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين في الصراع، مقابل 36% قالوا إن تعاطفهم يميل أكثر إلى الإسرائيليين. وتمثل هذه النتيجة تحولاً لافتاً مقارنة بعام 2023، حين كان التعاطف مع الإسرائيليين يبلغ 54% مقابل 31% للفلسطينيين.

ولا يعني ذلك أن الرأي العام الأمريكي انتقل ببساطة من تأييد إسرائيل إلى تأييد حركة حماس؛ فالبيانات الأحدث تبيّن وجود فجوة واضحة بين النظرة إلى الفلسطينيين والنظرة إلى الحركة.

ففي استطلاع لمركز بيو أُجري في مايو 2026، بلغت نسبة الأمريكيين الذين ينظرون بإيجابية إلى الفلسطينيين 50%، مقابل 52% في 2025، بينما انخفضت النظرة الإيجابية إلى الإسرائيليين إلى 52%، بعد أن كانت 67% عام 2022. وفي المقابل، ظلت النظرة إلى حماس شديدة السلبية، إذ قال 84% من الأمريكيين إن لديهم رأياً سلبياً تجاهها، مقابل 10% فقط رأوا الحركة بصورة إيجابية.

وهنا تكمن إحدى أهم التحولات في المشهد الأمريكي: تزايد التعاطف مع الفلسطينيين لا يعني بالضرورة تحولاً مماثلاً في الموقف من حماس، وإنما يعكس، في جانب منه، انفصالاً متزايداً بين صورة الفلسطينيين كشعب وبين صورة الحركة المسلحة.

 

الفجوة العمرية.. جيل جديد يرى فلسطين بصورة مختلفة

ولعل التحول الأكثر وضوحاً يظهر عند مقارنة الأجيال الأمريكية. فاستطلاع بيو لعام 2026 أظهر أن 58% من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً ينظرون بصورة إيجابية إلى الفلسطينيين، مقابل 32% فقط ينظرون بإيجابية إلى الإسرائيليين.

أما بين الأمريكيين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر، فتنقلب الصورة تقريباً؛ إذ بلغت النظرة الإيجابية إلى الإسرائيليين 68%، مقابل 47% للفلسطينيين.

وتصبح الفجوة أكثر وضوحاً بين الشباب الديمقراطيين؛ إذ قال 72% منهم إن لديهم نظرة إيجابية إلى الفلسطينيين، مقابل 26% فقط تجاه الإسرائيليين.

لكن هذه الفجوة لا تعني أن الأجيال الشابة باتت مؤيدة لحماس. ففي الاستطلاع نفسه، لم تتجاوز النظرة الإيجابية إلى الحركة 13% بين الفئة العمرية 18-29 عاماً، مقابل 84% من الأمريكيين إجمالاً الذين يحملون تجاهها موقفاً سلبياً.

وبذلك يبدو أن التحول الأبرز في الوعي الأمريكي لا يتمثل في انتقال جماعي إلى تأييد الهجوم أو الحركة التي نفذته، بقدر ما يتمثل في تزايد الفصل بين القضية الفلسطينية وبين توصيف الفلسطينيين جميعاً باعتبارهم امتداداً لحماس.

 

إسرائيل تخسر جزءاً من صورتها القديمة

وبالتوازي مع ارتفاع التعاطف مع الفلسطينيين، تراجعت صورة إسرائيل وحكومتها في قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي. وأظهر استطلاع بيو في مايو 2026 أن النظرة الإيجابية إلى الشعب الإسرائيلي تراجعت إلى 52%، مقارنة بـ 67% في 2022، بينما ارتفعت النظرة السلبية من 25% إلى 42% خلال الفترة نفسها. كما تراجعت النظرة الإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية بصورة أكثر حدة.

وتكشف البيانات عن علاقة واضحة بين العمر والموقف من إسرائيل؛ فالنظرة الإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية بلغت 47% بين من تجاوزوا 65 عاماً، مقابل 18% فقط بين الفئة العمرية 18-29 عاماً.

وهذا التحول يضعف تدريجياً إحدى ركائز الخطاب التقليدي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، والتي قامت لعقود على وجود إجماع شعبي واسع حول صورة إسرائيل بوصفها الحليف الديمقراطي الطبيعي لواشنطن في الشرق الأوسط.

 

لكن "شرعية المقاومة" ما زالت موضع خلاف

ورغم تغير النظرة إلى إسرائيل والفلسطينيين، فإن ذلك لم يؤدِ إلى إجماع أمريكي جديد حول توصيف أحداث السابع من أكتوبر نفسها.

فقد ظلت مسألة قتل المدنيين واحتجاز الرهائن نقطة مركزية في الخطاب الأمريكي، بينما بقيت حماس مصنفة منظمة إرهابية من جانب الحكومة الأمريكية.

وفي يوليو 2026، أظهر استطلاع Harvard CAPS/Harris أن 73% من الناخبين الأمريكيين الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم يؤيدون إسرائيل على حساب حماس، في مؤشر على استمرار الفجوة بين تراجع صورة إسرائيل من جهة، وبين الموقف من الحركة المسلحة من جهة أخرى.

ومن ثم، فإن القول إن الرأي العام الأمريكي انتقل ببساطة من "إسرائيل" إلى "المقاومة" سيكون تبسيطاً لا تعكسه البيانات. التحول الأوضح هو اتساع مساحة التعاطف مع الفلسطينيين وانتقاد الحكومة الإسرائيلية، بينما لا تزال المواقف من حماس أكثر سلبية بكثير.

 

الجامعات الأمريكية.. المعركة الأكثر صخباً

كان الحراك الطلابي أحد أبرز ميادين الصراع على الرواية بعد السابع من أكتوبر. ففي الأشهر الأولى، ظهرت داخل الجامعات الأمريكية أصوات رفعت شعارات تربط الأحداث بسياق الاحتلال، وأخرى اعتبرت الهجوم شكلاً من أشكال المقاومة المسلحة، بينما اختارت قطاعات أخرى إدانة قتل المدنيين الإسرائيليين والتركيز في الوقت نفسه على السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

لكن الجامعات تحولت سريعاً إلى ساحة مواجهة بين جماعات مؤيدة لإسرائيل وحركات مؤيدة للفلسطينيين، وسط اتهامات متبادلة بمعاداة السامية وتمجيد الإرهاب وقمع حرية التعبير.

وتعرض طلاب وأساتذة وناشطون لعقوبات أو تحقيقات أو ضغوط مهنية بسبب تصريحاتهم ومواقفهم من الحرب، في وقت أصبحت فيه عبارات مثل "من النهر إلى البحر" محل نزاع سياسي وقانوني وأكاديمي واسع.

وكانت القضية أكثر حساسية بالنسبة للمنظمات الفلسطينية والمسلمة، التي وجدت نفسها مطالبة بالموازنة بين التعبير عن الموقف من الاحتلال والحرب، وبين القيود القانونية الأمريكية المتعلقة بدعم المنظمات المصنفة إرهابية.

 

رشيدة طليب وعمر.. حدود الخطاب التقدمي

وانعكست هذه المعضلة كذلك على النواب والسياسيين التقدميين داخل الكونجرس. فقد تبنى عدد من النواب، بينهم رشيدة طليب وإلهان عمر وكوري بوش، مواقف تنتقد السياسات الإسرائيلية وتدعو إلى وقف الحرب، مع اختلاف واضح بينهم في طريقة التعامل مع أحداث السابع من أكتوبر وحركة حماس.

وأصبحت تصريحات طليب تحديداً محوراً لصراع سياسي واسع، خصوصاً بعد استخدامها عبارة "من النهر إلى البحر"، التي اعتبرها منتقدوها شعاراً يستهدف وجود إسرائيل، بينما رفضت هي هذا التفسير ودافعت عن استخدامها في سياق المطالبة بالحقوق الفلسطينية.

وهكذا تحولت اللغة ذاتها إلى جزء من المعركة؛ فما تقوله شخصية سياسية عن "المقاومة" أو "الإرهاب" أو "الاحتلال" لم يعد مجرد توصيف، بل أصبح محدداً لموقعها داخل الاستقطاب الأمريكي المتصاعد.

 

أصوات أكثر جرأة.. لكن الثمن مرتفع

وفي المقابل، ظهرت منذ الأيام الأولى أصوات أكاديمية وإعلامية أمريكية ذهبت أبعد من الخطاب التقدمي التقليدي، ودافعت بصورة مباشرة عن حق الفلسطينيين في المقاومة المسلحة.

وكان من أبرز هذه الأصوات أستاذ جامعة كولومبيا جوزيف مسعد، الذي أثارت كتاباته حول السابع من أكتوبر حملة واسعة ضده، كما برز أستاذ جامعة كورنيل راسل ريكفورد بعد تصريحات أثارت جدلاً بشأن الهجوم.

كما ظل المفكر والأستاذ اليهودي نورمان فينكلشتاين من أكثر الأصوات الأمريكية صراحة في الدفاع عن حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال، منتقداً بشدة الرواية الإسرائيلية للحرب.

وأثارت مواقف هذه الشخصيات حملات قوية من جماعات مؤيدة لإسرائيل، التي اتهمت بعضهم بتبرير العنف أو تمجيد الإرهاب، بينما رأى المدافعون عنهم أن حملات الإقصاء تُمثل تضييقاً على حرية التعبير والنقاش الأكاديمي.

وبذلك أصبحت الجامعات الأمريكية واحدة من أهم ساحات الصراع على تعريف السابع من أكتوبر نفسه: هل يُنظر إليه باعتباره هجوماً إرهابياً منفصلاً عن سياقه، أم باعتباره حدثاً عسكرياً داخل صراع أطول مرتبط بالاحتلال؟ وبين هذين الطرفين توجد مساحة واسعة من المواقف التي تدين قتل المدنيين، لكنها ترفض اختزال القضية الفلسطينية في حركة حماس وحدها.

 

ثلاث سنوات غيّرت السؤال الأمريكي

بعد ثلاث سنوات، تبدو الإجابة عن سؤال: "ماذا تغير في الولايات المتحدة؟" أكثر تعقيداً من مجرد القول إن الرأي العام الأمريكي أصبح مؤيداً للفلسطينيين.

فالبيانات تشير إلى تحول واضح في التعاطف العام، وتحديداً بين الشباب، وإلى تراجع صورة إسرائيل وحكومتها مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. وفي الوقت نفسه، ما زالت حماس تحظى بصورة سلبية للغاية بين الأمريكيين، وما زال جزء كبير من الجمهور يؤيد إسرائيل عليها في الاستطلاعات المباشرة.

لكن التحول الأهم ربما يكمن في انهيار بعض المسلمات القديمة: لم يعد التعاطف الأمريكي مع إسرائيل بالحجم نفسه الذي كان عليه قبل السابع من أكتوبر، ولم تعد صورة الفلسطيني في قطاعات واسعة من الجيل الأصغر محصورة في إطار "الإرهاب" أو حماس.

ويظهر ذلك بوضوح في بيانات بيو؛ فالشباب الأمريكي بات أكثر إيجابية تجاه الفلسطينيين من الإسرائيليين بفارق كبير، بينما أصبحت النظرة إلى الحكومة الإسرائيلية أكثر سلبية بصورة خاصة بين هذه الفئة.

ومع ذلك، فإن هذا التحول لم يصل بعد إلى حد إنتاج إجماع أمريكي جديد حول شرعية هجمات السابع من أكتوبر أو حول حماس، بل أنتج مساحة أكبر للنقاش حول الاحتلال والحصار والاستيطان وحقوق الفلسطينيين.

ومن هنا، فإن السنوات الثلاث لم تحسم معركة الرواية في الولايات المتحدة، لكنها غيّرت ميدانها: فبعد أن كان السؤال الأمريكي في الأيام الأولى يدور بدرجة كبيرة حول "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، أصبح السؤال لدى قطاعات متزايدة من الأمريكيين أيضاً حول حدود هذا الحق، وكلفة الحرب على المدنيين الفلسطينيين، ومستقبل العلاقة الأمريكية بإسرائيل، وموقع القضية الفلسطينية في الخطاب السياسي الأمريكي.

وهذه التحولات، خصوصاً بين الأجيال الشابة، تشير إلى أن معركة الرواية حول السابع من أكتوبر لم تنتهِ بعد؛ بل انتقلت من لحظة الصدمة الأولى إلى صراع أطول على تفسير ما حدث، وتحديد جذور الصراع، ورسم صورة المستقبل.