دخلت عملية «فجر اليمن» يومها الرابع في 8 أكتوبر 2026، مع اتساع نطاق العمليات العسكرية ضد الحوثيين وتعدد الجبهات التي تشهد مواجهات وغارات جوية، في وقت تطرح فيه الحكومة اليمنية العملية باعتبارها مساراً لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب وبسط سلطة الحكومة على كامل الأراضي اليمنية، وصولاً إلى استعادة صنعاء.
وتزامن التصعيد مع انتقال العمليات من جبهات الساحل الغربي وريف تعز إلى مناطق في مأرب والجوف والبيضاء وإب وصنعاء وريمة والحديدة وصعدة، بالتوازي مع استمرار الهجمات الحوثية بالصواريخ والمسيّرات على أهداف داخل اليمن والسعودية.
ست محافظات تحت الغارات واستهداف تعزيزات متجهة إلى تعز
بحسب حصيلة العمليات المعلنة الخميس 8 أكتوبر، اتسع نطاق الغارات الجوية ليشمل ست محافظات يمنية على الأقل، هي البيضاء وإب وصنعاء وريمة والحديدة وصعدة، إضافة إلى استهداف تعزيزات حوثية متجهة إلى جبهات تعز.
وفي محافظة البيضاء تركزت الضربات على مواقع ومخازن أسلحة في مكيراس وذي ناعم والزاهر ومدينة البيضاء، وشملت مناطق جبال الكور وعقبة ثرة وجبل جميل وجرجرة والنسرين والعظيمية، إلى جانب مواقع تماس بين يافع والزاهر ومواقع مطلة على جبهة الحد.
وفي إب، تحدثت التقارير عن سبع غارات في يريم، بينها غارة استهدفت معسكراً تابعاً للحوثيين، إلى جانب ضربات طالت شبكات اتصالات في السياني وجبل الخضراء. كما أفادت وسائل إعلام موالية للحوثيين باستهداف شبكة اتصالات في جبل بَرَد بمديرية كسمة في ريمة.
أما صنعاء، فتحدثت التقارير عن غارتين على شبكة اتصالات في بني مطر، إلى جانب أنباء عن استهداف معسكر في المنطقة، وفي الحديدة رُصدت غارة على مطار الحديدة، مع أنباء عن استهداف ثكنات عسكرية في محيطه، بينما أفاد الإعلام الموالي للحوثيين بتعرض مديرية الظاهر الحدودية في صعدة لغارة جوية.
وفي جبهة تعز، أعلن المحور العسكري استهداف أطقم حوثية على الطريق الرابط بين الحقل والقحاف في مديرية جبل حبشي غربي تعز، وقال إن الضربة أسفرت، وفق إفادته، عن تحييد وإصابة 23 عنصراً.
وشملت الأهداف المعلنة مخازن أسلحة ومواقع عسكرية ومعسكرات وشبكات اتصالات ونقاطاً وأطقم وتعزيزات عسكرية.
أرقام متباينة للعمليات والخسائر
أعلنت القوات المسلحة اليمنية، بالتزامن مع الغارات، تنفيذ 1729 عملية استهداف دقيقة ضمن «فجر اليمن»، وقالت إن هذه العمليات أسفرت عن تحييد 1370 عنصراً وتدمير أو إعطاب 300 عربة وآلية ومعدة وعتاد عسكري.
وفي حصيلة أخرى وردت ضمن البيانات العسكرية الحكومية، جرى الحديث عن 2103 عمليات استهداف ضد مواقع الحوثيين، قالت السلطات إنها أسفرت عن تحييد 1860 عنصراً، إلى جانب تقديرات بخسائر حوثية تقارب عشرة آلاف قتيل وجريح خلال أسبوعين.
وهذه الأرقام صادرة عن الجانب الحكومي، ولم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة، كما أن اختلاف أرقام العمليات والخسائر يعكس تعدد البيانات العسكرية الصادرة خلال فترة التصعيد.
كهبوب والوازعية.. معركة الساحل والمرتفعات
تكتسب التطورات في الساحل الغربي أهمية خاصة مع إعلان القوات الحكومية إحكام السيطرة على جبهة كهبوب الجبلية المطلة على باب المندب، والتقدم في مديرية الوازعية، إلى جانب تثبيت مواقع في ذوباب، بينما استمرت المواجهات في جبل حبشي والأقروض وجبل هان ومحيط تعز.
وتشير المعطيات الميدانية الواردة إلى أن العملية لم تعد مقتصرة على التقدم بمحاذاة الساحل، بل امتدت إلى المرتفعات والممرات التي ترتبط بحركة القوات وخطوط الإمداد.
وفي هذا السياق، تمثل كهبوب نقطة ذات أهمية بالنسبة إلى المحور الممتد بين لحج وذوباب وباب المندب، بينما ترتبط الوازعية بريف تعز وخطوط الحركة المؤدية إلى الساحل، الأمر الذي يجعل السيطرة على هذه المناطق مرتبطة بإمكانية استمرار العمليات باتجاه المخا.
كما أن فتح جبهات في مأرب والجوف يوسع نطاق الضغط على الحوثيين ويحد من قدرتهم على تركيز قواتهم في محور واحد.
https://x.com/Q8Strategic/status/2108278832528511088
الهدف إنهاء الانقلاب وبسط سلطة الدولة
وفي الجانب السياسي، قالت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين أفراح الزوبة: "إن الحكومة دخلت مرحلة استعادة الدولة بعد استنفاد فرص التهدئة، مؤكدة أن أي عملية سياسية مقبلة يجب أن تؤدي إلى إنهاء الانقلاب وعودة المؤسسات وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة".
وقالت الزوبة: "إن هدف المرحلة الراهنة هو بسط سلطة الدولة على كامل التراب الوطني وصون وحدة اليمن وسيادته واستقلال قراره وسلامة أراضيه".
وأضافت أن الحكومة لم تتخل عن السلام، وإنما تخلت عن «وهم سلام يُبقي السلاح خارج الدولة»، معتبرة أن حق اليمنيين في دولتهم لا يمكن أن يبقى معلقاً على إرادة جماعة مسلحة.
وأكدت أن «فجر اليمن» ليس اسماً لعملية عسكرية فقط، بل عنواناً لمسار تقول الحكومة "إنه يستهدف إنهاء الحرب عبر استعادة مؤسسات الدولة، مشيرة إلى التفاف القوى السياسية والمجتمعية حول مشروع الدولة وإسناد مؤسساتها وقواتها المسلحة".
تدمير 82 هدفاً عسكرياً
وفي السياق نفسه، أعلن المتحدث باسم قوات التحالف لدعم الشرعية في اليمن اللواء الركن تركي المالكي تنفيذ هجوم واسع استهدف 82 هدفاً عسكرياً تابعاً للحوثيين في محافظات صعدة والحديدة والجوف ومأرب.
وقال: "إن الأهداف شملت مصادر تهديد للصواريخ الباليستية، بينها 11 مخزناً للصواريخ في مناطق جبلية بصعدة، إضافة إلى مراكز للقيادة والسيطرة ومنظومات اتصالات ومخازن صواريخ وأسلحة ومقرات للمجموعات الحوثية".
وجاء الإعلان بعد هجمات حوثية استهدفت، بحسب التحالف، مطاري الملك خالد في الرياض وأبها، في وقت تزداد فيه المخاوف من انتقال التصعيد إلى نطاق يتجاوز الجبهات اليمنية.
مواقف إقليمية ودولية متباينة
على المستوى الإقليمي، تظهر مواقف معلنة داعمة للسعودية في مواجهة الهجمات الحوثية، مع إدانة استهداف المطارات والمنشآت المدنية، وأعلنت الإمارات تضامنها مع الرياض، كما صدرت مواقف من الكويت والبحرين والأردن ومصر وسوريا تدين استهداف المنشآت المدنية السعودية.
أما عُمان فأدانت استهداف مطاري أبها والملك خالد، مع تركيز موقفها على رفض استهداف المنشآت المدنية، من دون ما يثبت مشاركتها العسكرية في العملية.
وفي المقابل، ركزت الأمم المتحدة على حماية المدنيين واحتواء التصعيد، وأدانت الهجمات العابرة للحدود، مع التذكير بالقواعد المتعلقة بحماية المدنيين والمنشآت المدنية.
وتبدو المواقف الغربية متفاوتة؛ إذ أدانت فرنسا الهجمات الحوثية على السعودية، بينما أصدرت الولايات المتحدة تنبيهات أمنية لمواطنيها في السعودية بشأن احتمالات تصاعد هجمات الصواريخ والمسيّرات.
أما روسيا والصين فتتبنيان خطاباً أكثر تحفظاً، يدعو إلى ضبط النفس وعدم تهديد الملاحة التجارية، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي يضم مختلف الأطراف اليمنية.
تركي الفيصل: من الصبر إلى بشائر تحرير اليمن!
وفي السعودية، كتب الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية والرئيس السابق للاستخبارات العامة، مقالاً في صحيفة «الشرق الأوسط» بعنوان «قولٌ موعودٌ وفعلٌ منشودٌ»، تناول فيه العملية والموقف السعودي الداعم للحكومة اليمنية.
وقال الفيصل: "إن المملكة دعمت الحكومة اليمنية لبسط سلطتها على كامل البلاد، مشيراً إلى أن القيادة السعودية حاولت خلال السنوات الماضية الوصول إلى حل سلمي ينهي الأزمة".
واعتبر أن استمرار هجمات الحوثيين دفع إلى الانتقال من مسار الانتظار والمفاوضات إلى دعم العمليات العسكرية، قائلاً: "إن بشائر تحرير اليمن انطلقت، وإن الرئيس رشاد العليمي أعلن أن تحرير صنعاء هو المطلب".
كما شدد على أن المملكة لا تطمع في الأراضي اليمنية، وأن دعمها لليمن لا يقتصر على الميدان العسكري، مشيراً إلى إجراءات تتعلق بأوضاع اليمنيين المقيمين في السعودية.
حرب طويلة وكلفة إنسانية ثقيلة
تأتي العملية الجديدة بعد أكثر من عقد على الحرب اليمنية، التي خلفت أزمة إنسانية واقتصادية واسعة.
وبحسب الأرقام الواردة عن الأمم المتحدة، سيحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية وحماية خلال عام 2026، بينما يعاني أكثر من 18 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
كما يواجه أكثر من مليوني طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد، فيما لا تعمل بصورة كاملة نسبة تقارب 50% من المرافق الصحية.
اقتصادياً، تشير بيانات البنك الدولي إلى أن عقداً من الصراع أدى إلى انكماش نصيب الفرد من الناتج المحلي الحقيقي بنحو 58%، ودفع أكثر من ثلاثة أرباع السكان إلى براثن الفقر.
وتضع هذه الأرقام العملية العسكرية الجديدة أمام كلفة إنسانية واقتصادية ضخمة، بالتوازي مع هدفها المعلن باستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسام المسلح.
هل تتغير معادلة الحرب؟
مع دخول «فجر اليمن» يومها الرابع، تبدو العمليات متجهة إلى توسيع الضغط على الحوثيين عبر الجمع بين جبهات الساحل والمرتفعات وريف تعز ومأرب والجوف، مع استمرار الضربات الجوية والهجمات الصاروخية والمسيّرة.
ويبقى تثبيت المواقع التي أعلنت القوات الحكومية السيطرة عليها، خصوصاً في كهبوب والوازعية وذوباب، عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة، بالتوازي مع قدرة القوات الحكومية على الحفاظ على خطوط الإمداد وتنسيق العمليات بين الجبهات.
وفي المقابل، لا تزال لدى الحوثيين القدرة على شن هجمات مضادة واستخدام الصواريخ والمسيّرات ونقل الضغط إلى مناطق أخرى، بما فيها الأراضي السعودية.
وبذلك، يدخل التصعيد يومه الرابع في ظل معادلة لم تُحسم بعد: الحكومة تطرح «فجر اليمن» باعتبارها عملية لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب والوصول إلى صنعاء، بينما يحاول الحوثيون الحفاظ على مواقعهم وفتح جبهات مضادة ورفع كلفة العمليات.
وتبقى نتيجة المرحلة مرتبطة بما إذا كان التقدم الميداني سيتحول إلى سيطرة مستقرة ومتصلة على الجبهات، أم أن الحرب ستعود إلى نمط الاستنزاف وتبادل الهجمات الذي طبع سنوات الصراع اليمني.