موت ثانٍ بلا جنازة!!.. إزالة مقابر القاهرة تترك أسرًا تبحث عن رفات موتاها وتدفع آلاف الجنيهات

- ‎فيتقارير

منذ انقلاب الثالث من يوليو والأذى يلحق بالمصريين جمعيا أحياء وامواتا؛ حثث المعارضين في السجون والمعتقلات أو مطاردين في المنافي، وباقي الشعب يعيش في ضنك العيش وغلاء المعيشة وارتفاع نسبة التضخم وانهيار العملة وندرة فرص العمل وانسداد الأفق السياسي.

في حين يحتفي نظام الانقلاب بالطرق والمحاور المرورية التي تأتي في طريقها علي مساكن الأحياء ومقابر الأموات دون مراعاة حرمة لهذا او ذاك.

من السيدة نفيسة والإمام الشافعي إلى الدراسة والبساتين.. شكاوى من اختفاء رفات، وتكاليف نقل تصل إلى 30 ألف جنيه، ومدافن بديلة بعيدة وأقل مساحة، وسط غياب إحصاء رسمي شامل لحجم الإزالات

 

أسئلة مؤلمة

لم يكن الدكتور هاني إسماعيل، الطبيب بقصر العيني، يتوقع أن يتحول مدفن عائلته بمنطقة السيدة نفيسة إلى مصدر لمعاناة جديدة، بعدما فوجئ بإدراجه ضمن المقابر المقرر إزالتها، ليجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن مدفن بديل ونقل رفات أفراد أسرته، في رحلة لم تنتهِ عند تغيير المكان، بل فتحت أسئلة مؤلمة عن مصير الموتى وحقوق الأحياء في الحفاظ على كرامة ذويهم.

دفعت الأسرة نحو 17 ألف جنيه مقابل نقل الرفات إلى المدفن الجديد، لكن المفاجأة، بحسب رواية إسماعيل المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، كانت العثور على بعض العظام التي قال إنها تعود إلى رجل وامرأة، دون العثور على بقية الرفات.

وبحسب روايته، أرجع القائمون على عملية النقل عدم العثور على بقية الرفات إلى دفنها على أعماق كبيرة وتأثرها بالمياه الجوفية، بينما بقي مصيرها مجهولًا بالنسبة إلى الأسرة.

ولم تتوقف المعاناة عند ذلك؛ فالمدفن البديل يبعد عشرات الكيلومترات عن المدفن الأصلي، ما يعني أن الأسرة خسرت المكان الذي اعتادت زيارة موتاها فيه، وتحملت في الوقت نفسه تكاليف النقل وأعباء الوصول إلى الموقع الجديد، من دون أن تحصل، وفق روايتها، على إجابات واضحة بشأن مصير جميع الرفات.

واختصر إسماعيل ما جرى في وصف مؤلم، معتبرًا أنه يمثل "موتًا ثانيًا" لوالديه وإخوته وأقاربه وأجداده، لكن هذه المرة من دون صلاة جنازة.

 

شكاوى تتكرر.. آلاف الجنيهات ومصير مجهول للرفات

لم تمر شكوى طبيب قصر العيني مرورًا عابرًا؛ فبعد دقائق من نشرها، توالت تعليقات مواطنين قالوا إن أسرهم واجهت تجارب مشابهة مع إزالة المقابر، وإن بعضهم دفع مبالغ مالية كبيرة لنقل الرفات، بينما ظل آخرون عاجزين عن معرفة مكان دفن ذويهم بعد الإزالة.

وكتب حساب يحمل اسم "تيتو تيتو" أن مدفن عائلته الملاصق لمسجد السيدة نفيسة أُزيل، موضحًا أن المقبرة كانت تقع في حارة الجزارين وتحمل اسم "عائلة رمضان"، وأن الأسرة لا تعرف، بحسب روايته، مصير الرفات أو موقع المدفن البديل.

أما منى إبراهيم محمد، فقالت إنها دفعت مقابل نقل رفات موتاها بواسطة "التُربي"، وبحضور أحد أفراد الأسرة، إلى المقابر البديلة. وحذرت من استغلال بعض العاملين في نقل المقابر حاجة الأسر إلى إتمام الإجراءات، عبر مطالبتهم بمبالغ مالية، قبل أن يكتشفوا، وفق شهادتها، تعرضهم للاحتيال.

وفي السياق نفسه، ذكرت صدفة أنيس الجعار أنها دفعت 10 آلاف جنيه لأحد العاملين في نقل المقابر، معربة عن غضبها من حصول بعض الأسر على مدافن بديلة في مناطق بعيدة، بعضها لا يزال تحت الإنشاء.

وتحدث عماد الليثي عن إزالة مقابر عائلته في منطقة الدراسة ضمن مشروع كوبري الحضارات، مشيرًا إلى حصول الأسرة على مدافن بديلة في منطقة جبلية بمدينة 15 مايو، تستغرق الرحلة إليها نحو ساعة.

وبحسب الليثي، فإن المسافة الطويلة تجعل زيارة المقابر أمرًا شاقًا، لا سيما في حالات الوفاة الجديدة، وتثير مخاوف من تحول زيارة الموتى إلى مهمة مرهقة لا تستطيع الأسر القيام بها بالوتيرة التي اعتادت عليها.

وتساءلت إيمان فوزي عن أسباب تحميل أصحاب المقابر تكاليف النقل، رغم أنهم لم يتخذوا قرار الإزالة، مشيرة إلى أن بعض المدافن البديلة بعيدة عن المناطق الأصلية، وقد تكون أصغر مساحة من المقابر التي فقدتها الأسر.

أما دعاء زمزم، فقالت إنها دفعت 20 ألف جنيه مقابل نقل الرفات، فيما ذكرت دينا عاطف أنها دفعت 30 ألف جنيه، قبل أن تواجه، بحسب روايتها، المشكلة نفسها المتعلقة بعدم العثور على الرفات.

وتبقى هذه المبالغ شهادات فردية نشرها أصحابها على مواقع التواصل الاجتماعي، وليست حصيلة مسح شامل لتكاليف نقل المقابر، لكنها تكشف عن أعباء مالية إضافية تتحملها أسر وجدت نفسها أمام أمر واقع لم تختره.

 

920 مترًا تتحول إلى 40 مترًا!!

لا تتعلق شكاوى الأسر بمصير الرفات وتكاليف النقل وحدهما، بل تمتد إلى طبيعة المدافن البديلة ومساحاتها ومدى صلاحيتها للاستخدام.

ومن بين الحالات التي أُثيرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، شكوى خالد جمال إسماعيل، الذي قال إن مدفن عائلته كانت مساحته 920 مترًا مربعًا، قبل أن تحصل الأسرة على مدفن بديل بمنطقة الروبيكي مساحته 40 مترًا مربعًا فقط.

وأضاف أن المدفن البديل لم يكن مجهزًا، في وقت فقدت فيه الأسرة المقبرة الأصلية التي اعتادت دفن أفرادها فيها.

وتطرح هذه الشهادة سؤالًا حول معايير التعويض عن المدافن التي تُزال: هل يجري تقييم البدائل وفق المساحة وحدها، أم تؤخذ في الاعتبار طبيعة المقبرة الأصلية، وعدد أفراد الأسرة المدفونين فيها، وموقعها، ومدى صلاحية المكان الجديد، وتكلفة الوصول إليه؟

كما تثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت التعويضات توفر بديلًا مكافئًا لما فقدته الأسر، أم تقتصر على تخصيص مساحة جديدة من دون معالجة الأعباء المالية والاجتماعية والإنسانية المصاحبة لعملية النقل.

فالمقبرة العائلية ليست مجرد مساحة من الأرض، بل مكان ارتبط بذاكرة الأسرة وتاريخها، وضم رفات أجيال متعاقبة، وأصبح جزءًا من عادات الزيارة وصلة الأحياء بموتاهم.

 

مشروعات الطرق والمحاور.. لماذا تُزال المقابر؟

تربط الجهات الرسمية عمليات إزالة المقابر في مناطق السيدة نفيسة والإمام الشافعي والسيدة عائشة بمشروعات تطوير الطرق والمحاور المرورية، التي استدعت نقل مدافن تقع في مسارات المشروعات إلى مواقع بديلة.

وفي يونيو 2023، وجّه المنقلب السفيه  السيسي بتشكيل لجنة برئاسة رئيس مجلس الوزراء، تضم الجهات المعنية والأثريين المختصين والمكاتب الاستشارية الهندسية، لتقييم موقف نقل المقابر في منطقتي السيدة نفيسة والإمام الشافعي، وتحديد كيفية التعامل مع الحالات التي اقتضت مخططات التطوير نقلها، ودراسة البدائل المتاحة.

كما وجّه بإنشاء "مقبرة الخالدين" في موقع مناسب، لتضم رفات عدد من عظماء مصر ورموزها، على أن تتضمن متحفًا للأعمال الفنية والقطع الأثرية الموجودة في المقابر الحالية، وأن تتم عمليات النقل بواسطة متخصصين وخبراء.

وفي أبريل 2024، أصدرت محافظة القاهرة القرار رقم 2557 لسنة 2024، الذي نص على وقف الدفن في المقابر والمدافن الواقعة في نطاق محور صلاح سالم البديل، ونقل الرفات إلى مدافن التعويضات بمدينة العاشر من رمضان تمهيدًا للإزالة.

وحدد القرار أدوار الجهات المعنية، بحيث تتولى إدارة الجبانات، بالتنسيق مع حي الخليفة، أعمال إزالة المقابر، بينما تتولى مديرية الشئون الصحية تسهيل استخراج تصاريح نقل الرفات.

لكن تحديد المسئوليات في القرارات الرسمية لا يُنهي بالضرورة المشكلات التي تواجه الأسر على أرض الواقع. فقد نقلت تقارير صحفية شكاوى من أصحاب مدافن بشأن صعوبة التنسيق مع الجهات المختصة لاستخراج التصاريح ونقل الرفات إلى المقابر البديلة.

وهنا تتجاوز القضية سؤال الحاجة إلى تطوير الطرق والمحاور، لتطرح سؤالًا آخر عن كيفية تنفيذ المشروعات العامة، ومدى توفير ضمانات تحمي حقوق أصحاب المدافن وتحفظ كرامة الموتى، وتضمن ألا تتحول تكاليف قرارات التطوير إلى عبء إضافي على الأسر المتضررة.

 

عندما تكون المقبرة جزءًا من التاريخ

لم تقتصر الإزالات على المقابر العائلية، بل امتدت إلى مدافن تضم شخصيات عامة أو تتميز بطابع معماري وتاريخي.

وفي أبريل 2024، نقل أحد المواقع الإخبارية عن الدكتورة جليلة القاضي، مديرة الأبحاث المتفرغة بمركز البحوث من أجل التنمية الفرنسي وأستاذة التخطيط العمراني المتفرغة في جامعات فرنسا، قولها إن حفيدة رئيس الوزراء الأسبق محمد محمود باشا أبلغتها بقرار إزالة مدفن جدها في مقابر الإمام الشافعي.

ووفقًا لما نُقل عن القاضي، يتميز المدفن بطراز معماري يجمع بين المملوكي المستحدث وفن "الأرت نوفو"، ويضم رفات 30 فردًا من الأسرة.

كما نقل التقرير عن مصدر قوله إن المقابر ذات الطابع المعماري المتميز، أو التي تضم شخصيات بارزة وتاريخية ورمزية، لن تُهدم.

وتكشف هذه الحالة عن بُعد آخر للأزمة؛ فالمقابر التاريخية لا تمثل أماكن للدفن فحسب، بل قد تحمل قيمة معمارية وفنية وتوثيقية، وتوثق جانبًا من تاريخ القاهرة وتحولاتها الاجتماعية والعمرانية.

ومن ثم، فإن التعامل معها يحتاج إلى تقييم متخصص يوازن بين احتياجات التطوير العمراني ومتطلبات الحفاظ على التراث، بدلًا من اختزال المسألة في نقل الرفات أو توفير مدفن بديل.

 

حين يعود الفقد مرة أخرى!!

في مايو 2026، نشر المخرج المسرحي حسام الدين صلاح تفاصيل إعادة دفن نجله "جاسر"، بعد مرور ست سنوات على وفاته، إثر إبلاغ الأسرة بوجود أعمال هدم في مقابر السيدة نفيسة.

وبحسب روايته، أُبلغت الأسرة بقرار الهدم قبل يومين فقط، فتوجه إلى المقابر في الموعد المحدد لنقل رفات نجله.

وقال صلاح إنه اضطر إلى ترك سيارته والسير على الأقدام بسبب إغلاق الطرق المؤدية إلى المقابر، وإنه انتظر أكثر من ثلاث ساعات قبل بدء الإجراءات.

وأضاف أنه أوقف عملية الهدم لحماية رفات نجله، قبل أن يعيد دفنه في مكان آخر، حيث أُقيمت صلاة الجنازة عليه مرة أخرى، وفق روايته.

وتكشف هذه الشهادة عن الجانب الإنساني الذي قد تغيب تفاصيله خلف خرائط الطرق ومخططات التطوير؛ إذ تجد الأسرة نفسها مضطرة إلى استعادة لحظة الفقد، والتعامل مجددًا مع رفات فقيدها، في وقت لا تزال فيه آثار الوفاة حاضرة في ذاكرتها.

كما تثير الواقعة تساؤلات عن المدة التي تُمنح للأسر قبل الإزالة، وطريقة إخطارها، ومدى توافر الترتيبات اللازمة لنقل الرفات في ظروف تحفظ كرامة الموتى وتراعي الحالة النفسية لذويهم.

 

إخطار بعد سنوات من الوفاة

وفي ديسمبر 2025، أُثيرت قضية مقبرة الفنان سمير الإسكندراني في منطقة السيدة نفيسة، بعدما تلقت أسرته إخطارًا بنقل رفاته قبل إزالة المقبرة.

ووفقًا لما نشره أحد المواقع الإخبارية، وصل الإخطار إلى الأسرة بعد نحو خمس سنوات من وفاة الفنان، الذي رحل عام 2020 ودُفن في منطقة السيدة نفيسة.

وتسلط الواقعة الضوء على أن قرارات نقل المدافن قد تمتد إلى مقابر شخصيات عامة، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا عامًا لا يقتصر على المشاهير: كيف تُخطر الأسر، وما المهلة المتاحة لها، ومن يتولى مسئولية النقل، وكيف يُضمن الحفاظ على الرفات والمقابر ذات القيمة التاريخية؟

فالحق في معاملة الموتى بكرامة لا ينبغي أن يتوقف على شهرة أصحاب المقابر أو مكانتهم الاجتماعية، وإنما يجب أن يكون ضمانة متساوية لجميع الأسر.

 

بين حماية التراث اليهودي وإزالة مدافن المصريين

وفي منطقة البساتين، شهدت المقبرة اليهودية التاريخية أعمال ترميم وتوثيق، باعتبارها واحدة من أقدم المقابر اليهودية التاريخية في القاهرة، وتضم أجزاءً ومقابر وقبابًا ذات قيمة تاريخية.

وشملت الأعمال المعلنة تنظيف الموقع وصيانة أجزاء منه وترميمها وتوثيقها، في إطار جهود الحفاظ على عناصر من التراث التاريخي والمعماري.

وفي المقابل، تحدثت أسر مصرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن إزالة مدافن لذويها في مناطق مختلفة من القاهرة، بينها البساتين، ضمن أعمال التطوير ونقل المقابر.

ولا تكفي هذه الشهادات وحدها للحكم على طبيعة كل مشروع أو أهدافه، لكنها تبرز أهمية وضوح المعايير التي تحدد المقابر التي تُحفظ أو تُرمم وتلك التي تُزال، مع إتاحة المعلومات المتعلقة بالمواقع المستهدفة، وطبيعة الأعمال المقررة، وحقوق الأسر المتضررة.

 

ماذا تقول الأرقام؟ … غياب حصر شامل للإزالات

حتى الآن، لا تتوافر إحصائية حكومية موحدة تجمع إجمالي عدد المقابر التي أُزيلت في القاهرة ضمن مشروعات تطوير الطرق والمحاور، أو عدد الرفات التي نُقلت منذ بدء هذه العمليات.

لكن أرقامًا متفرقة وردت في تقارير سابقة تكشف جانبًا من حجم الإزالات التي طالت المقابر التراثية.

ففي أغسطس 2023، أُشير إلى حصر 24 مقبرة مدرجة ضمن سجل التراث المعماري المتميز داخل نطاق الإزالة بمنطقتي الإمام الشافعي والسيدة نفيسة، مع تقديرات بأن إجمالي المقابر التراثية الواقعة في نطاق الإزالة يصل إلى نحو 90 مقبرة.

وفي تقرير آخر، أُشير إلى إزالة 17 مدفنًا مسجلًا بقائمة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري في منطقتي السيدة نفيسة والإمام الشافعي خلال أبريل 2023.

وتتعلق هذه الأرقام بالمقابر التراثية أو المسجلة، ولا تمثل إجمالي عدد المقابر التي أزيلت في القاهرة، كما لا يمكن جمعها أو مقارنتها مباشرة من دون التحقق من الفترات الزمنية والنطاقات الجغرافية التي تغطيها كل إحصائية.

ويجعل غياب الحصر الشامل من الصعب تكوين صورة مكتملة عن عدد الأسر المتضررة، وحجم الرفات المنقولة، وعدد المقابر البديلة التي جرى تسليمها، ومدى جاهزيتها، والتكاليف التي تحملتها الأسر، والشكاوى المتعلقة بفقدان الرفات أو صعوبة الوصول إلى المدافن الجديدة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى نشر بيانات رسمية واضحة بشأن المقابر التي أزيلت، والمواقع التي شملتها القرارات، ومعايير التعويض، وإجراءات نقل الرفات وتوثيقها، وآليات التعامل مع الشكاوى.

 

 كرامة الموتى والتطوير العمراني 

تكشف شهادات الأسر عن معاناة تتجاوز خسارة المقابر القديمة؛ فهناك من يتحدث عن آلاف الجنيهات التي دفعها لنقل الرفات، ومن يشكو من بُعد المدفن البديل، ومن يقول إنه لم يعثر على جميع رفات أفراد أسرته، ومن يواجه مشكلة اختلاف مساحة المقبرة الجديدة عن القديمة أو عدم جاهزيتها.

وتظل هذه الوقائع، كما وردت في الشهادات المنشورة، بحاجة إلى التحقق المستقل، وإلى ردود واضحة من الجهات المسئولة عن الإزالة ونقل الرفات والتعويضات. لكنها تطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها بشأن الضمانات التي يجب أن تصاحب مشروعات التطوير العمراني.

فالتطوير لا يُقاس فقط بسرعة تنفيذ الطرق والمحاور أو بحجم المساحات التي تُتاح للمشروعات الجديدة، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على حماية الحقوق، والحفاظ على التراث، وتقليل الأعباء الواقعة على المواطنين، وضمان تنفيذ القرارات العامة بطريقة شفافة ومنصفة.

أما بالنسبة إلى الأسر التي تبحث عن رفات موتاها، فلا يتعلق الأمر بخلاف على مساحة أرض أو تكلفة نقل فحسب؛ إنه سؤال عن مصير أحبائها، وحقها في معرفة مكان دفنهم، والقدرة على زيارتهم، والحفاظ على الذاكرة العائلية التي ارتبطت بمقابرهم لعقود وربما قرون.

فحين تفقد الأسرة مدفنها، ثم تدفع آلاف الجنيهات لنقل رفات موتاها، ولا تجد بعض هذه الرفات، أو تحصل على مدفن بعيد وغير مجهز، يصبح السؤال أكبر من مشروع طريق أو محور مروري: من يتحمل كلفة التطوير، ومن يضمن ألا تتحول الضرورة العمرانية إلى معاناة إنسانية جديدة؟