حول المواقف المتباينة ومسألة تعاون الإخوان السوريين مع صدام حسين، تطرّق مراسل الجزيرة السابق في إسلام آباد أحمد موفق زيدان، مستشار إعلامي حالي للرئيس السوري أحمد الشرع، بالفعل في أحد البودكاستات إلى العلاقة بين المعارضة السورية والعراق في الثمانينيات، موضحًا أن بغداد كانت إحدى الساحات التي تحركت فيها المعارضة السورية، بما فيها الإخوان. لكنه لم يقدّم الأمر بوصفه تحالفًا عقائديًا، بل بوصفه تقاطع مصالح بين طرفين كانا على خلاف حاد مع نظام حافظ الأسد. وهذا الطرح يتسق مع طبيعة العلاقات الإقليمية في تلك المرحلة، حيث كانت الأنظمة العربية تستخدم المعارضة المسلحة أو السياسية كأوراق ضغط متبادلة.
اللافت أن الجدل حول هذه النقطة لم يكن مجرد نقاش تاريخي، بل تحوّل إلى محاكمة سياسية لزيدان نفسه، إذ رأى البعض أن استحضاره لهذه العلاقة يخدم خطابًا إقليميًا جديدًا يسعى إلى إعادة صياغة صورة الإخوان، بينما رأى آخرون أنه يحاول تبرير مواقفه الحالية عبر إعادة قراءة الماضي بطريقة انتقائية. وفي المقابل، اعتبر فريق ثالث أن النقاش كله يعكس أزمة أعمق تتعلق بعلاقة الحركات الإسلامية بالدولة، وبسؤال السلاح خارج إطار الدولة، وبالتحالفات التي تُبنى على أساس الضرورة لا على أساس المبادئ.
تُظهر النقاشات الدائرة حول تصريحات أحمد موفق زيدان حالةً من التوتر الفكري والسياسي داخل الأوساط العربية، حيث تتقاطع الذاكرة التاريخية مع التحولات الراهنة، وتنعكس على تقييم المواقف والمبادئ. فالمسألة لم تعد مجرد خلاف حول تصريح أو موقف عابر، بل تحوّلت إلى اختبار لمدى ثبات الشخصيات العامة على مواقفها، ومدى اتساق خطابها مع تاريخها السياسي. ويبدو أن جزءًا من الجدل يرتبط بتغيّر موقع زيدان نفسه، وانتقاله من دور إعلامي حرّ إلى موقع رسمي داخل دولة، وهو ما يفرض عليه خطابًا مختلفًا، ويجعل كل كلمة يقولها محل تدقيق ومساءلة.
الباحث أحمد مولانا على فيسبوك وحساب Ahmed Mawlana قال: "شاهدت مؤخرا مقتطفات من حلقة بودكاست للدكتور أحمد موفق زيدان تحدث فيها عن دعم العراق في عهد صدام حسين لإخوان سوريا بالمال والسلاح في مواجهة نظام الأسد، وأوضح أن هذا الدعم استمر إلى أن سقط نظام صدام في 2003.".
وأضاف، "لاحقا لفت انتباهي عنوان مقال للدكتور بعنوان "دمشق الجديدة.. ركيزة الأمن القومي العربي"، وهو موضوع مهم للتناول والكتابة فيه، لكن قرأت فيه الفقرة التالية "فالدولة السورية اليوم تستمد نظرتها لسوريا والمنطقة من نظرة شمولية قائمة على ضرورة سيادة الدولة، بعد أن لمسنا في سوريا وغيرها شرور وآثام عقيدة تسلط المليشيات على حساب سلطان الدولة، فوجود سلاح خارج الشرعية يمزق لبنان، ويضعف سيادتها داخليا وخارجيا، بل تتعدى سلبيات هذا السلاح الدولةَ إلى ما جاورها".
وتابع: "تذكرت دعم صدام لإخوان سوريا، والفصائل العديدة التي قاتلت نظام بشار منذ 2011 إلى 2024 إلى أن سقط، وكيف كانت الجماعات سكر وجميلة آنذاك، وتأملت في تلك الفقرة، فاعتبرت أنها فقرة ترفيهية تشبه برنامج إبراهيم نصر في شهر رمضان قديما، وذلك بهدف إضحاك القراء والتخفيف عنهم في ظل الحروب التي تدور بالمنطقة، وفي ظل تجبر نتنياهو بدعم من ترامب. فيما يرى آخرون أنها مغازلة لترامب وربعه، مع الإعلان عن عملية برية صهيونية في لبنان".
واعتبر ناقدا لكلام موفق زيدان أن "العبرة دوما بالهدف الذي تقاتل لأجله، هل هو إعلاء كلمة الله وإقامة العدل وإزالة الظلم أو دفاع عن أرضك ومالك..إلخ ، أم غير ذلك مثل إعانة الأعداء والإضرار بمصالح المسلمين. فإلباس الأمور لباس الدولة والسيادة لن يستقيم، لأنه في صالح نظام بشار الأسد وفق ذلك المنظور.".
وفي 24 نوفمبر 2025 قال موفق زيدان إن صدام أفرج عن الإخوان وأعدم الشيعة واستغلت بعض الأطراف ما قاله زيدان بان صدام أفرج عن قادة الإخوان الذين أرادوا اغتياله، لأنهم سنّة، بينما أعدم آلاف الشباب الشيعي على الشك والظنة.
https://www.facebook.com/reel/842629085294544
وتكشف سلسلة التغريدات المتبادلة حول مواقف الإعلامي أحمد موفق زيدان عن حالة انقسام واضحة داخل الأوساط العربية المهتمة بالشأن السوري والإقليمي، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع الخلفيات الأيديولوجية، وتنعكس على تقييم مواقف الشخصيات العامة.
وعن ثقافة التحالفات، رأى مراقبون أن المشكلة ليست في البحث عن داعم للقضية، بل في مصداقية الأطراف ووضوح أهداف كل طرف، وهي إشارة إلى أن التحالفات ليست مجرد اصطفاف عاطفي، بل ترتبط بحسابات دقيقة تتعلق بمصالح الدول والجماعات.
ورأى آخرون أن أحمد موفق زيدان، ذو مواقف متقلبة، حيث دعا سابقًا إلى حل جماعة الإخوان المسلمين، ومن وجهة نظرهم أنه يبدّل مبادئه وفق الظروف أو أنه يحاول التكيّف مع التحولات السياسية في المنطقة، خصوصًا بعد توليه منصبًا رسميًا.
إلا أن فريقًا ثالثًا رأي في تصريحه محاولة للتمييز بين دعم جماعات مسلحة في مواجهة نظام “فاشي دموي” وبين دعم جماعة مسلحة أخرى “تختطف دولة وتوالي دولة أجنبية”. وهو تفريق ضمن رؤية أخلاقية وسياسية تعتبر أن شرعية السلاح تختلف باختلاف طبيعة الخصم وطبيعة المشروع السياسي للجماعة المسلحة، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مفهوم “المقاومة” و“الميليشيا” في السياق العربي.
وضمن هذا السياق فرّق هؤلاء المراقبون بين الثوار السوريين وحزب الله، حيث ان الحزب لم يتوقف عن زعزعة سوريا حتى بعد التحرير. هذا الخطاب يعكس موقفًا سائدًا لدى قطاع من السوريين والعرب الذين يرون في حزب الله طرفًا معاديًا للثورة السورية، وبالتالي يعتبرون أي موقف متسامح معه خيانة لدماء الضحايا.
يوسف أبو حسام الدين شكك في الرواية التاريخية حول دعم صدام حسين للإخوان السوريين، معتبرًا أن التواريخ لا تتطابق، وأن الحديث عن دعم صدام للثورة السورية يحتاج إلى تدقيق. هذا يعكس حساسية النقاش حول التاريخ السياسي للمنطقة، وكيف يُستخدم أحيانًا لتبرير مواقف الحاضر.
في قلب هذا الجدل برزت قضية قديمة جديدة: هل تعاون الإخوان المسلمون في سوريا مع نظام صدام حسين؟ هذا السؤال عاد بقوة بعد أن أشار بعض المتابعين إلى أن زيدان تحدث عن هذا التعاون في أحد البودكاستات، بينما شكّك آخرون في صحة الرواية، معتبرين أن التواريخ لا تتطابق، وأن الثورة السورية الكبرى حدثت بعد سقوط صدام بسنوات طويلة. لكن النقاش هنا يتجاوز ثورة 2011، لأن الحديث يدور أساسًا عن أحداث الثمانينيات، وتحديدًا مرحلة الصدام الدموي بين الإخوان السوريين ونظام حافظ الأسد، وهي الفترة التي شهدت بالفعل نشاطًا للمعارضة السورية في العراق.
من الناحية التاريخية، توجد شهادات متعددة، من معارضين سوريين سابقين، ومن وثائق منشورة بعد 2003، تشير إلى أن العراق في عهد صدام قدّم دعمًا سياسيًا وإعلاميًا ولوجستيًا لبعض فصائل المعارضة السورية، بما فيها الإخوان. كان ذلك جزءًا من صراع إقليمي بين بغداد ودمشق، لا علاقة له بثورة 2011. لكن هذا الدعم لم يكن دعمًا عسكريًا مباشرًا بالمعنى التقليدي، بل كان أقرب إلى احتضان سياسي وتوفير مساحة للنشاط المعارض. ولذلك فإن القول بأن “صدام دعّم الإخوان بالسلاح” يحتاج إلى تدقيق، لأن الأدلة المتاحة تشير إلى دعم سياسي وإعلامي، لا إلى تسليح منظم.
في النهاية، تكشف هذه السجالات أن الذاكرة السياسية العربية ليست مجرد أرشيف، بل هي ساحة صراع مستمر، تُستدعى فيها الأحداث القديمة لتفسير الحاضر أو لتبرير المواقف. كما تكشف أن التحولات التي تشهدها المنطقة —من صعود دول جديدة، وتراجع أخرى، وتبدل التحالفات— تجعل كل شخصية عامة مطالبة بتقديم خطاب أكثر اتساقًا، وأكثر قدرة على مواجهة الأسئلة الصعبة التي يطرحها الجمهور اليوم.