التغيير المُؤجّل.. كيف تحاصر الأنظمة السلطوية حركات المقاومة في العالم العربي؟

- ‎فيعربي ودولي

لماذا تُجهض حركات المقاومة والتغيير في العالم العربي؟
وللإجابة على هذا السؤال تناول الأستاذ كمال الجندي المعوقات والعقبات والتحديات التي تواجه حركات التحرر، وتوصل في نهاية الدراسة لمجموعة من النقاط الضرورية لو تمسكت بها حركات المقاومة تمكنت من التغير الحقيقي.
يظل السؤال الأبدي معلقاً في سماء العالم العربي، يتردد مع كل هبة شعبية، وكل صرخة احتجاج، وكل محاولة عثرت قبل أن تبلغ غايتها: لماذا تئد السنون أحلام التحرر، وتتحطم موجات المقاومة على صخرة الواقع المنيع؟
إنها ليست مجرد مفارقة تاريخية عابرة، بل هي إشكالية بنيوية عميقة تعكس مخاضاً عسيراً بين شعوب تواقة للعدالة والكرامة، وبين منظومات صلبة تقاوم التغيير بكل ما تملكه من أدوات البقاء.
وحين نتأمل مسار الحركات الاحتجاجية وحركات المقاومة في العصر الحديث، نكتشف أن الإخفاق لا يفسره عامل أحادي، ولا تلخصه مؤامرة خارجية وحدها، بقدر ما هو نتاج شبكة معقدة من التقاطعات: إقليمية ودولية تعبث بالخرائط، وسلطوية محلية تطورت في أساليب احتواء الغضب وتجريف المجال العام، وأزمات ذاتية تعتري بنى المقاومة نفسها من غياب للرؤية وتآكل للبدائل. من هنا، يصبح تفكيك هذه الأبعاد ضرورة لا رجماً بالغيب، لنفهم لماذا تظل رياح التغيير عاجزة عن اقتلاع جذور الاستبداد والفساد".
البعد الخارجي: الجيوسياسية الإمبراطورية والمصالح المتقاطعة.
لا يمكن قراءة مسار التعثر الذي تلاقيه حركات المقاومة والتغيير بمعزل عن المجال الجيوسياسي الواسع الذي تتحرك فيه، حيث تقاطع المصالح الدولية والإقليمية يشكل جداراً منيعاً أمام أي تحول حقيقي.
إن القوى الكبرى والإقليمية لا تعامل الحركات التحررية بمنظور الأخلاق السياسية أو دعم الحقوق، بل من زاوية الحسابات الصارمة لمناطق النفوذ، وأمن الطاقة، وحماية خطوط التجارة والأسواق.
من هنا، يتم التعامل مع أي حراك شعبي أو وطني بوصفه تهديداً محتملاً للاستقرار الموصوف إقليمياً ودولياً، وهو استقرار ترتبط مصالح تلك القوى ببقائه على حاله حتى وإن كان محكوماً بالقمع والتبعية.
وتتعدد أساليب التدخل الخارجي لتتراوح بين الهندسة الناعمة المتمثلة في توجيه مسارات المجتمع المدني واحتواء النخب عبر شبكات المصالح والتمويل، والتدخل الخشن المباشر أو عبر الوكلاء لكسر إرادة الشعوب وتفريغ أي انتصار محتمل من مضمونه الوطني.
هكذا تتحول الساحات العربية إلى مسرح مفتوح لتقاطع الأجندات، حيث يتم توظيف التناقضات المذهبية والسياسية وتغذية الانقسامات لضمان ألا ترفع المقاومة رأسها، ولتظل الدول محكومة بمعادلة البقاء تحت وصاية الهيمنة الخارجية أو الغرق في أتون الفوضى المدارة.
البعد السلطوي: مناعة الاستبداد، آليات القمع، وتجريف المجال العام..
حين نغادر الفضاء الخارجي لنهبط إلى أرض الواقع المحلي، نصطدم بالركيزة الأشد ضراوة في إجهاض حركات المقاومة، وهي بنية السلطة السياسية القائمة وأساليب بقائها.
لم تعد الأنظمة السلطوية في العصر الحديث تعتمد فقط على العنف الخشن والأجهزة الأمنية التقليدية، بل طورت منظومات متكاملة تُعرف في الأدبيات السياسية "بالتحديث السلطوي"، حيث تتزاوج أدوات الإكراه مع الهندسة الاقتصادية والمالية. تُحكم السيطرة على مقدرات الدولة واقتصاد الريع لضمان توجيه الموارد نحو شبكات الولاء والزبائنية، مما يترك الغالبية السحيقة من المواطنين تحت وطأة الصراع اليومي من أجل البقاء، عاجزين عن التفرغ للمقاومة أو الانخراط الطويل في العمل العام.
وإلى جانب ذلك، تعمل هذه المنظومات بلا توقف على تجريف المجال العام، وإفراغ المؤسسات التشريعية والرقابية من أي مضمون حقيقي، وتحويل الدولة برمتها إلى جهاز بيروقراطي-أمني يمتص كل طاقات المجتمع، ويجعل أي محاولة للاعتراض أو المقاومة تشبه الحرث في البحر.
وحين تشتد الأزمات وتلوح في الأفق بوادر عصيان أو احتجاج، تظهر عقيدة البقاء السلطوية بكل وحشيتها، رافعة تكلفة الاحتجاج إلى حدود باهظة من القمع والاعتقال والتنكيل، بما يفوق قدرة النخب والكتل الحرجة على التحمل، لتعود الأمور قسراً إلى مربعات الخضوع واليأس.
البعد الذاتي: أزمات البنية الداخلية وفخاخ الفشل في حركات المقاومة والنضال
لا تقتصر أسباب تعثر حركات المقاومة والنضال ضد الاستعمار والاستبداد والفساد في العالم العربي على الضغوط الخارجية أو بطش السلطات وحدها، بل تمتد لتضرب جذورها في العمق البنيوي والذاتي لتلك الحركات ذاتها.
فكثيراً ما تتحول الذات النضالية إلى عقبة أمام مشروعها، حين تتأصل فيها أمراض تنظيمية وفكرية تفرغ طاقاتها الثورية من مضمونها، ويمكن تفصيل هذه العوامل الذاتية وأسباب الإخفاق من واقع التجارب العربية المختلفة في فلسطين ومصر وتونس وغيرها عبر النقاط الآتية:
أزمة الرؤية وغياب المشروع السياسي البديل
أبرز أسباب تعثر حركات المقاومة هو الاكتفاء برد الفعل والارتطام بلحظة الرفض الصاخب دون بناء مشروع سياسي واقتصادي متكامل "لليوم التالي".
ففي التجربة الفلسطينية مثلاً، طغت لغة الكفاح المسلح أو الاحتجاج الجماهيري في محطات عديدة على حساب بناء استراتيجية وطنية شاملة تجمع بين النضال الميداني ومشروع الدولة والتحرر المؤسسي، مما جعل الفصائل تتخبط أحياناً بين إدارة الصراع وبين شروط السلطة وسلطة الاحتلال.
وفي الحركات الاحتجاجية ضد الاستبداد في مصر وتونس، نجحت الشعارات الكبرى "إسقاط النظام، عيش، حرية، كرامة انسانية، محاربة الفساد" في حشد الملايين، لكنها اصطدمت بفراغ مرعب في البدائل الإدارية والتشريعية والاقتصادية، مما أتاح للأنظمة القديمة أو قوى بديلة إعادة إنتاج نفسها بسهولة لعدم وجود برامج جاهزة لإدارة الدولة بحرفية وكفاءة.
التنظيم العضوي الهش والوقوع في فخ الشخصنة
تعاني العديد من حركات النضال من غياب الهياكل المؤسسية الراسخة التي تحمي القرار الجماعي، لصالح تمركز القرار في أيدي أشخاص أو قيادات تاريخية تلغي التجدد.
هذا العطب التنظيمي جعل حركات المقاومة عرضة للانهيار السريع بمجرد اغتيال قادتها أو اعتقالهم أو شرذمتهم "كما حدث مراراً في حركات التحرر والمقاومة في فلسطين."
وفي الحالة التونسية والمصرية، ظهر جلياً كيف كانت التنسيقيات والائتلافات الاحتجاجية تعاني من السيولة المفرطة وغياب الانضباط المؤسسي، مما جعلها عاجزة عن التفاوض بلسان واحد أو حماية مكتسبات الشارع، وتحولت إلى دكاكين سياسية متصارعة على الزعامة الضيقة.
القطيعة مع القواعد الشعبية وتحول النخب إلى أطر معزولة
من أخطر العوامل الذاتية انفصال نخب حركات المقاومة أحياناً عن نبض الشارع وهمومه المعيشية المباشرة "الخبز، العدالة الاجتماعية، الخدمات اليومية". ففي أوقات كثيرة، ترتفع لغة الخطاب النظري أو الأيديولوجي للنخب المناضلة لتتحول إلى جزر معزولة عن الأغلبية الصامتة التي أنهكها الفقر واللهاث خلف قوت يومها.
هذا الانفصال يسهل على الدعاية السلطوية عزل حركات المقاومة وتصويرها بوصفها نخب مترفة أو أصحاب أجندات خاصة لا تهمها مصلحة المواطن البسيط، مما يفقد تلك الحركات حاضنتها الشعبية الصلبة التي هي درعها الوحيد في مواجهة القمع.
التناحرات البينية واقتتال الأجندات
بدلاً من توجيه البوصلة نحو رأس الاستبداد أو الاحتلال، غالباً ما تسقط حركات المقاومة والنضال في فخ الصراعات البينية على النفوذ والتمويل أو الأيديولوجيا.
ولنا في المشهد الفلسطيني عبر عقود من الانقسام الجغرافي والسياسي بين الفصائل خير مثال، حيث استنزفت المعارك الجانبية وصراع السلطة طاقة المشروع الوطني وأضعفت الموقف التفاوضي والميداني.
وكذلك في محطات الربيع العربي، انشغلت تيارات المعارضة بتصفية الحسابات الفكرية والسياسية البينية فيما بينها "علمانيين وإسلاميين ويساريين"، مما أعطى الأنظمة السلطوية فرصة ذهبية لضربهم واحداً تلو الآخر سياسة "فرّق تسود".
غياب الثقافة الديمقراطية والشفافية الداخلية
المفارقة المؤلمة أن حركات تطالب بالحرية ومحاربة الاستبداد غالباً ما تعاني داخل بيوتها التنظيمية من استبداد داخلي وغياب تام للشفافية وتداول القيادة.
ترفض قيادات المقاومة، أحياناً، تسليم الراية للأجيال الشابة الجديدة التي صاغت ميادين النضال بدمائها، متمسكة بشرعية تاريخية شاخت ولم تعد قادرة على فهم متطلبات العصر الرقمي والمتغيرات العالمية الحديثة.
هذا القمع الداخلي والتعفن الإداري يقتل الحماس في نفوس الشباب ويدفعهم إما للإحباط والعزلة، أو للهجرة السياسية والفكرية، فتفرغ الحركات من طاقاتها الحية وتتحول إلى هياكل كرتونية بالية عاجزة عن الفعل المؤثر.
البعد الثقافي والإعلامي: تغييب الوعي وصناعة الحاضنة المضادة للمقاومة
لا يكتمل المشهد المركب لإجهاض حركات المقاومة والتغيير في العالم العربي إذا أغفلنا العامل الأكثر عمقاً وخطورة في الصراع: الوعي الاجتماعي.
فكثيراً ما تقف الجماهير أو قطاعات واسعة منها– في خندق مضاد لحركات النضال، لا عن خيار حر ومستنير، بل نتيجة عمليات هندسة ممنهجة للوعي تقودها السلطة السياسية عبر منظومات متكاملة من الإعلام الموجه، والمناهج التعليمية المهجنة، والخطاب الديني أو الثقافي الرسمي.
هذا البعد يمثل حجر الأساس في تثبيت أركان الاستبداد وتفريغ أي مقاومة من حاضنتها الشعبية، وتحويل المواطن من ضحية للفساد إلى حارس أمين لمنظومة قمعة.
1
صناعة الوهم الإعلامي وتزييف الأولوية المعيشية
تعتمد الأنظمة السلطوية على إمبراطوريات إعلامية ضخمة لا تقتصر وظيفتها على التضليل الإخباري فحسب، بل تمتد لهندسة "الإدراك الجمعي".
يتم ترويج سرديات ثابتة تصور حركات المقاومة والاحتجاج على أنها "مؤامرات خارجية" تهدد استقرار الدولة ووحدتها الوطنية، وأن أي مطالبة بالحرية والعدالة ما هي إلا فوضى ستؤدي إلى مصير مشابه لدول الجوار التي غرقت في حروب أهلية.
وفي خضم صراع اليومي على رغيف الخبز، تُغرق الآلة الإعلامية المواطن في شعارات الاستقرار الأمني والوطني، ليصبح الخوف من الفوضى أقوى بكثير من الأمل في التغيير، وتتقاطع مصلحة البسيط المعيشية مع بقاء النظام القائم باعتباره الضامن الوحيد لعدم الانهيار.
2
تجريف التعليم وتدجين الذاكرة الوطنية
في المدارس والجامعات، تلعب المناهج التعليمية دوراً محورياً في إعادة إنتاج الطاعة وتجفيف منابع التفكير النقدي.
حين تتحول المؤسسات التعليمية إلى أدوات لتخريج موظفين طائعين لا مواطنين واعين بحقوقهم، يفقد المجتمع المناعة الفكرية ضد الاستبداد.
التاريخ يُعاد كتابته ليخدم شرعية الحاكم الفرد، ومفاهيم المواطنة الحقة تذوب لصالح ثقافة التبعية والخنوع، هذا التغييب المنهجي للوعي التاريخي والسياسي أنتج أجيالاً تعاني من "الأمية السياسية"، مما يجعلها عرضة سهلة لأي حملات تخوين ممنهجة تقودها السلطة ضد أي حركة مقاومة أو تغيير.
3
ظاهرة "المستفيد الصغير" والتحالف مع الفساد
لا يتوقف الأمر عند حدود التضليل المعنوي، بل تنجح الأنظمة السلطوية عبر اقتصاد الريع في خلق شبكات واسعة من المستفيدين الصغار أو" ما يُعرف أحياناً "بالبرجوازية الطفيلية" أو المستفيدين من غياب سيادة القانون". هؤلاء يربطون مصيرهم المعيشي والوظيفي باستمرار النظام القائم، ويصبحون هم خط الدفاع الأول ضد حركات التغيير خوفاً على امتيازاتهم الضيقة.
هذا الواقع ينشئ استقطاباً طبقياً واجتماعياً حاداً، تجد فيه حركات المقاومة نفسها معزولة في مواجهة تحالف معقد يضم السلطة، وشبكات المستفيدين، وجماهير مضللة تخشى التغيير أكثر مما تخشى الاستبداد.
نحو استراتيجية بديلة: كيف تستعيد حركات المقاومة فاعليتها التاريخية؟
إن تشخيص أسباب التعثر والإخفاق لم يكن يوماً ضرباً من ضروب العدمية أو الجلوس على مقاعد المتفرجين، بل هو الخطوة الأولى نحو إعادة بناء المشروع النضالي على أسس صلبة.
فإذا كانت قوى الاستبداد والفساد والاستعمار قد طورت أدواتها في الإجهاض والهيمنة، فإن حركات المقاومة والتغيير في مصر والعالم العربي مطالبة اليوم –أكثر من أي وقت مضى– بإحداث قطيعة جذرية مع أساليبها القديمة التي أثبتت عجزها، ولتجاوز أزمتها الهيكلية والذاتية والتوعوية، يتحتم عليها السير في مسارات عملية واضحة.
بناء المشروع السياسي والاجتماعي البديل "معركة اليوم التالي"
لا يمكن الاكتفاء بلحظة الرفض الصاخب أو شعارات إسقاط النظم والسياسات؛ بل يجب الانتقال إلى مرحلة "البديل الجاهز"، يتطلب هذا من نخب المقاومة صياغة برامج سياسية واقتصادية تفصيلية وقابلة للتطبيق، تقدم حلولاً حقيقية لأزمات المواطن اليومية "الفقر، التعليم، الصحة، البطالة". إن نجاح أي حركة مقاومة مرتبط بقدرتها على إقناع الأغلبية الصامتة بأن التغيير لن يحمل الفوضى، بل سيوفر حياة كريمة وعدالة اجتماعية ملموسة.
التأسيس لهياكل مؤسسية ديمقراطية وشفافة
تتحرر حركات المقاومة من عطبها الداخلي حين تغادر عقلية "التنظيمات السرية الهشة" أو "الشخصنة القيادية الفردية" إلى رحاب العمل المؤسسي المنظم والشفاف.
إن تداول القيادة، واحترام آليات الانتخاب الداخلي، وفسح المجال واسعاً أمام الأجيال الشابة الجديدة لتقلد زمام المبادرة، هو الضمانة الوحيدة لاستمرار حيوية هذه الحركات وعدم تحولها إلى هياكل متحجرة لا تدرك لغة العصر.
الاشتباك اليومي مع هموم القاعدة الشعبية "تدمير جزر العزلة"
يجب كسر القطيعة بين النخب المناضلة وكتل الشارع الواسعة عبر النزول إلى قضايا الناس المعيشية والمطلبية المباشرة، وربط نضال التحرر السياسي بالنضال الاجتماعي والاقتصادي.
حين تلمس الجماهير أن حركة المقاومة تقف إلى جوارها في معاركها اليومية ضد الغلاء والظلم الإداري وتدهور الخدمات، تسقط حينئذٍ كل جدران التخوين والسرديات السلطوية المضادة، وتتولد الحاضنة الشعبية الصلبة والعضوية التي لا يمكن اقتلاعها.
إعادة بناء الوعي ومواجهة التضليل المنهجي
تدرك حركات المقاومة المستنيرة أن معركة الوعي تسبق معركة الميدان
ومن هنا، تصبح الحاجة ملحة لخلق منصات ومؤسسات ثقافية وإعلامية بديلة، قادرة على تفكيك خطاب التخوين، وكشف آليات التضليل السلطوي، وإعادة الاعتبار للذاكرة التاريخية الوطنية، إن خطاباً خطابياً بسيطاً، صادقاً، وقريباً من لغة العقل والواقع، هو الكفيل باختراق جدران الخوف وصناعة وعي جمعي مضاد يرى في التغيير ضرورة وجودية لا رفاهية فكرية.
توحيد الصفوف وتجاوز التناحرات البينية
إن نزيف الانقسامات الأيديولوجية والصراعات الفصائلية أو الحزبية الضيقة هو الهدية المجانية الكبرى المقدمة للأنظمة السلطوية وللقوى الخارجية.
إن بناء جبهة وطنية عريضة تجمع مختلف التيارات على ثوابت الحد الأدنى –التحرر، سيادة القانون، العدالة الاجتماعية– هو طوق النجاة الوحيد.
إن تجميع الطاقات وتوجيه البوصلة نحو الخصم الحقيقي يكفل للمقاومة قوة دفع جماهيرية لا تقهر، ويحولها من حركات معزولة ومحاصرة إلى تيار وطني جامع قادر على صناعة المستقبل.
بين حتمية التاريخ ومخاض الولادة العسيرة
حين تكتمل حلقات التشخيص وتتضح ملامح المشهد بأبعاده الخارجية والسلطوية والذاتية والتوعوية، يتبدى جلياً أن أزمة حركات المقاومة والتغيير في العالم العربي ليست قدراً محتوماً، وليست لعنة جغرافية أبدية، بل هي مخاض عسير لحركة التاريخ وهي تبحث عن أدواتها وصيغها الملائمة.
إن الرهان على بقاء الأمر الواقع واستمرار هيمنة آليات القمع والتضليل هو رهان خاسر على المدى الطويل، لأن الطاقات الكامنة في وجدان الشعوب وتوقها الدائم للحرية والكرامة أقدر دائماً على اختراق السدود مهما بلغت صلابتها.
غير أن العبرة التاريخية الأهم تكمن في أن الأماني وحدها لا تصنع التغيير، وأن بطولات الشارع ولحظات الغضب الصاخب تظل عاجزة عن بناء المستقبل ما لم تستند إلى وعي عميق، وتنظيم مؤسسي راسخ، ومشاريع وطنية بديلة تمس حياة الناس اليومية وتعيد وصل ما انقطع بين النخب وقواعدها الشعبية.