تراجع الجنيه أمام الدولار مدفوعا بالتوترات الجيوسياسية بالمنطقة

- ‎فيأخبار

تحت وطأة قوة الدولار الأمريكي المتزايدة، يواجه الجنيه المصري ضغوطًا هائلة، مع استمرار هبوطه على مدار ثماني سنوات.

فقد شهدت بداية الأسبوع الماضي، عقب عطلة عيد الفصح، ارتفاعًا ملحوظًا في سعر الدولار مقابل الجنيه في السوق الرسمية، بمقدار جنيه واحد.

ويأتي هذا الارتفاع الجديد ليُضاف إلى سلسلة من الزيادات المتتالية التي شهدها سعر الصرف خلال الأسابيع الماضية.

لا يهدأ صراع الجنيه المصري مع الدولار الأمريكي، فمع كل أزمة إقليمية جديدة، تزداد الضغوط على العملة المصرية، مما يُنذر بتفاقم الوضع الاقتصادي الصعب.

فقد جاء الارتفاع الأخير في سعر الدولار ليُضفي المزيد من القلق على الوضع المالي، خاصةً مع تصاعد التوترات بين إيران وإسرائيل في المنطقة.

وتُثير هذه التوترات مخاوف من اندلاع حرب شاملة في الشرق الأوسط، مما قد يُؤدي إلى اضطرابات اقتصادية واسعة النطاق.

وتقع مصر في قلب هذه المنطقة المضطربة، مما يجعلها عرضةً لتأثيرات هذه الأزمات بشكل مباشر.

 

بداية السقوط

يُحذر خبراء الاقتصاد من استمرار تراجع الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي والعملات الرئيسية الأخرى خلال الفترة القادمة، دون وجود أي مؤشرات لحدوث استقرار أو انتعاش.

ويُعزى هذا التراجع إلى حالة عدم اليقين التي تُسيطر على الوضع الجيو-سياسي في المنطقة، وتحديدًا التوترات المتصاعدة بين إيران وإسرائيل.

فقد أدت هذه التوترات إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل ملحوظ، مما أدى إلى زيادة فاتورة الواردات المصرية، التي تعتمد بشكل كبير على استيراد المحروقات والسلع الأساسية.

وتُؤكد حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، أنّ ارتفاع الدولار والعملات الرئيسية مقابل الجنيه خلال الأيام الماضية يرتبط بشكل مباشر بتصاعد التوترات الإقليمية، مضيفة أن هذه التوترات تُؤدي إلى هروب رؤوس الأموال من مصر، مما يُقلّل من الطلب على الجنيه ويُزيد من الضغوط عليه.

وأشارت رمسيس إلى عدم وجود أي رؤية واضحة للمستويات التي قد يتوقف عندها الجنيه في هبوطه، مما يُثير قلق المستثمرين ويُؤدي إلى تفاقم حالة عدم اليقين،، مطالبة حكومة السيسي باتخاذ خطوات عاجلة لوقف تراجع الجنيه، مثل تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الصادرات، وجذب الاستثمارات الأجنبية.

 

عواقب وخيمة

وُحذّرت رمسيس من أنّ استمرار تراجع الجنيه قد يُؤدي إلى عواقب وخيمة على الاقتصاد المصري، مثل ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، وزيادة البطالة، مناشدة جميع الأطراف المعنية بالعمل على خفض التصعيد في المنطقة وتحقيق السلام والاستقرار، فهما أساسا لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في مصر والمنطقة بأكملها.

ورغم إعلان حكومة السيسي عن توقيع اتفاقيات مالية ضخمة بقيمة 90 مليار دولار، إلا أن تأثير هذه الاتفاقيات على الجنيه المصري ما زال محدودًا حتى الآن.

وتشمل هذه الاتفاقيات، بيع أرض رأس الحكمة على البحر المتوسط شمال البلاد بقيمة 35 مليار دولار، والحصول على قروض جديدة من صندوق النقد والبنك الدوليين والاتحاد الأوروبي، بمبالغ إجمالية تزيد عن 55 مليار دولار.

وتُشير خبيرة أسواق المال والاستثمار إلى أن معظم هذه الأموال ما زالت قيد الإعداد، ولم تصل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

وحتى الآن، لم تتلق مصر سوى الدفعة الأولى من بيع أرض رأس الحكمة للجانب الإماراتي.

وأكدت الخبيرة أن هذه التدفقات المالية الضخمة يمكن أن تُساهم في تحسين وضع الجنيه المصري على المدى الطويل، ولكنها لن تُؤدي إلى حلول سريعة للأزمة، مضيفة أن هناك العديد من العوامل الأخرى التي تُؤثر على سعر الجنيه،مثل التوترات الجيو-سياسية في المنطقة، وحالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي.

 

خطوات عاجلة لمعالجة الأزمة 

وطالبت الخبيرة حكومة السيسي باتخاذ خطوات إصلاحية عاجلة لمعالجة الأزمة الاقتصادية، مثل خفض الإنفاق العام، وتعزيز الإنتاج المحلي، وجذب الاستثمارات الأجنبية.

وأضافت الخبيرة أنّه لا يمكن الاعتماد على التدفقات المالية الخارجية فقط لحل مشاكل الاقتصاد المصري، بل يجب العمل على تحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال الإصلاحات الداخلية.

وشددت على أن مضي مصر في طريق الإصلاحات الهيكلية هو السبيل الوحيد لضمان استقرار الجنيه المصري على المدى الطويل وجذب الاستثمارات وتحقيق النمو الاقتصادي.

وأشارت خبيرة أسواق المال والاستثمار إلى أن المتحصلات بالدولار من هذه الاتفاقيات متأخرة وتحتاج إلى مزيد من الوقت لدخولها في أرصدة البنك المركزي والمؤسسات المصرية، وفي الوقت نفسه، تواجه الحكومة المصرية زيادة كبيرة في حاجتها إلى الدولار لدفع مستحقات الدائنين والإفراج عن السلع الموجودة في الموانئ.

وتشمل هذه السلع، الأدوية، ومُستلزمات الإنتاج، ويُؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط على طلب الدولار، في وقت تعهدت به الحكومة الالتزام بمرونة سعر الصرف، ويُجبر هذا الالتزام البنوك على رفع سعر العملة الأمريكية، وفقًا لضغوط الطلب مع قلة العرض.

وأكدت الخبيرة أن تأخر تدفقات الدولار يُفاقم أزمة الجنيه المصري ويُؤدي إلى استمرار تراجعه، مطالبة حكومة السيسي باتخاذ خطوات عاجلة لمعالجة هذه الأزمة، مثل، التفاوض مع الدائنين لتأجيل سداد الديون، وزيادة الصادرات المصرية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وترشيد الإنفاق العام.

 

تحقيق الاستقرار الاقتصادي

وأضافت الخبيرة أنّه لا يمكن حل مشاكل الاقتصاد المصري من خلال الاعتماد على التدفقات المالية الخارجية فقط، بل يجب العمل على تحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال الإصلاحات الداخلية، مؤكدة أنّ مضي مصر في طريق الإصلاحات الهيكلية هو السبيل الوحيد لضمان استقرار الجنيه المصري على المدى الطويل وجذب الاستثمارات وتحقيق النمو الاقتصادي.

وشهدت أسواق الصرف أمس الاثنين عودة الدولار الأمريكي للارتفاع، مُنهيًا بذلك رحلة هبوطه التي استمرت 4 أسابيع أمام الجنيه المصري، وبلغ سعر الدولار في البنك المركزي المصري، 47.52 جنيها للشراء، و47.65 جنيها للبيع.

بينما ارتفع في البنوك التجارية بمقدار يقارب الجنيه، ليصل إلى 48.5 جنيه للشراء في المتوسط، ووصل سعر الدولار في السوق الموازية إلى مستويات أعلى، لامس خلالها 50 جنيها.

وواصل الدولار الأمريكي هيمنته على أسواق العملات، وسحق باقي العملات الأجنبية، بما في ذلك الجنيه المصري الذي شهد هبوطًا جديدًا في أسعاره.

ويُعزى هذا الهبوط إلى عدة عوامل عالمية ومحلية، أبرزها، القوة العسكرية الهائلة للولايات المتحدة، تحسن الأداء الاقتصادي في الولايات المتحدة، ارتفاع أسعار الفائدة على الدولار في الولايات المتحدة، سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الرامية إلى تشديد السياسة النقدية.

ومحليًا، استئناف النشاط في الأسواق بعد إجازة طويلة بفترة الأعياد، ارتفاع عدد المسافرين للخارج، الاستعداد لرحلات الحجاج الشهر المقبل، وزيادة الطلب على الدولار من قبل المستوردين، وتراجع تدفقات العملة الأجنبية، وعدم استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية في المنطقة.

وحذرت حنان رمسيس، خبيرة المال والاستثمار، من أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، يدفع شركات الشحن الرئيسية في العالم، إلى استمرار مقاطعة مرور سفنها في البحر الأحمر، الأمر الذي يزيد من خسائر قناة السويس من عوائد المرور بالعملة الصعبة.

وشددت على ضرورة بحث الحكومة عن مسارات بديلة، للحصول على العملة الصعبة، عبر ضغط المصروفات بالدولار، وتنمية المشروعات الزراعية والإنتاجية، لخفض اعتماد الأسواق على الاستيراد من الخارج، محذرة من استمرار الحرب مع تزايد حاجة الحكومة للاستيراد، بما يبقي الضغط قوياً على طلب الدولار.