مصر في قبضة «الصفقة الشيطانية».. “البنك الدولى ” : السيسي حوّل الديون إلى سلاح ضد الشعب ؟

- ‎فيتقارير

في توقيت بالغ الدلالة، يزيح التقرير الأحدث للبنك الدولي حول الديون الدولية لعام 2025 الستار عن واحدة من أخطر الأزمات التي يواجهها الاقتصاد المصري في تاريخه الحديث، كاشفًا بالأرقام والوقائع أن ما يجري ليس مجرد تعثر مالي عابر، بل مسار كامل من السياسات الخاطئة التي دفعت البلاد إلى حافة الانهيار، وورّطت أكثر من 108 ملايين مواطن في كلفة باهظة لخيارات نظام عبد الفتاح السيسي.

 

التقرير لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يضعها في إطار أخلاقي وسياسي صريح، محذرًا من أن «إدارة الديون بصورة سيئة تعرقل التنمية الاقتصادية، وتدفع الدول إلى صفقة شيطانية»، تقوم على الاقتراض المكلف من حائزي السندات الأجانب، وخنق القطاع الخاص المحلي عبر امتصاص سيولة وأصول البنوك الوطنية. وهو توصيف يكاد ينطبق حرفيًا على التجربة المصرية خلال العقد الأخير.

 

اقتصاد على حافة الهاوية

يصنّف البنك الدولي مصر كاقتصاد ناشئ كبير يواجه ضغوط سيولة حادة، نتيجة الارتفاع غير المسبوق في حجم الدين الخارجي وتكلفة خدمته. هذه الضغوط، بحسب التقرير، تجعل الدولة أسيرة لتدفقات تمويل خارجي مستمرة، مشروطة بإصلاحات هيكلية قاسية، تُفرض غالبًا على حساب العدالة الاجتماعية والإنفاق العام على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.

 

ويمرّ الاقتصاد المصري بمرحلة تُعد من الأصعب في تاريخه الحديث، في ظل بنية اقتصادية هشّة واختلالات هيكلية متراكمة، تفاقمت مع إصرار نظام السيسي على التوسع المحموم في الاقتراض الخارجي من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ودول الاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا، ودول الخليج. النتيجة المباشرة كانت تضخم أعباء خدمة الدين إلى مستويات تلتهم الموازنة العامة، وتدفع بالمواطنين نحو مزيد من الفقر والتقشف القسري.

 

تبعات إنسانية لا تُحتمل

 

يحذّر تقرير الديون الدولية (IDR)، الصادر من مقر البنك الدولي في واشنطن، من أن أزمة الديون في الدول النامية ومنخفضة الدخل تحمل «تبعات إنسانية فادحة»، مشيرًا إلى أن نصف سكان أكثر من 22 دولة مدينة اليوم عاجزون عن تحمّل كلفة الحد الأدنى من الغذاء الصحي.

 

وفي الحالة المصرية، لا تبدو هذه التحذيرات نظرية أو بعيدة، بل تنعكس يوميًا في ارتفاع الأسعار، وتآكل الدخول، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر. فبينما تواصل الحكومة الاحتفاء بـ«المشروعات العملاقة»، يدفع المواطن البسيط ثمن فوائد الديون من لقمة عيشه.

 

من الدائنين الرسميين إلى وحوش المال الساخن

 

يكشف التقرير تحوّلًا بالغ الخطورة في نوعية الدائنين، حيث تراجعت حصة دول نادي باريس إلى 7% فقط، مقابل صعود كاسح للدائنين الخواص، وعلى رأسهم مستثمرو السندات، الذين باتوا يشكلون نحو 60% من الدائنين وضخوا قرابة 80 مليار دولار خلال عام 2024.

 

هذا النمط من التمويل، المعروف بـ«المال الساخن»، يمثل قنبلة موقوتة للاقتصادات الهشة، لأنه سريع الدخول وسريع الخروج، ولا يرتبط بتنمية حقيقية أو استثمار طويل الأجل. وقد اختبرت مصر هذا الخطر بوضوح في الربع الأول من عام 2022، عندما خرجت نحو 22 مليار دولار دفعة واحدة، ما تسبب في انهيار الجنيه من 15 جنيهًا إلى قرابة 50 جنيهًا مقابل الدولار، في واحدة من أعنف الصدمات النقدية بتاريخ البلاد.

 

خنق الداخل لحماية الخارج

 

يحذّر البنك الدولي من اتجاه أخطر تلجأ إليه دول عديدة، بينها مصر، يتمثل في زيادة الاعتماد على الديون المحلية لسد فجوات التمويل. هذا المسار، وإن بدا أقل خطورة ظاهريًا، إلا أنه يهدد النظام المالي الداخلي، ويعرّض ودائع المواطنين لمخاطر جسيمة حال تعثر السداد، فضلًا عن خنق القطاع الخاص بحرمانه من الائتمان.

 

ويرى التقرير أن تراكم الديون بهذه الطريقة يؤدي إلى تفاقم ضغوط ميزان المدفوعات، ويكبّد البنوك المحلية خسائر في أصولها، ويحوّل الأزمة من مشكلة مالية إلى تهديد اجتماعي شامل.

 

أرقام صادمة: مصر في صدارة الخطر

 

يصنّف البنك الدولي مصر ضمن أعلى خمس دول عالميًا من حيث نسبة مدفوعات خدمة الدين إلى الصادرات، واضعًا إياها في فئة «الأكثر مديونية». وتشير الأرقام إلى أن نسبة الدين الخارجي إلى الصادرات بلغت 233%، بينما وصلت نسبة خدمة الدين إلى الصادرات إلى 49%، وهي مستويات تتجاوز بكثير الحدود الآمنة.

 

كما يكشف التقرير أن الديون قصيرة الأجل بلغت نحو 30.99 مليار دولار، في مؤشر خطير على هشاشة الهيكل التمويلي، واعتماد الدولة المفرط على أدوات سريعة الانفجار.

 

ومنذ عام 2010 حتى 2024، قفز إجمالي الدين الخارجي من 36.8 مليار دولار إلى نحو 156 مليار دولار، فيما ارتفع الدين الخارجي قصير الأجل من 3.1 مليارات إلى قرابة 31 مليار دولار، في مسار تصاعدي يعكس فشلًا ذريعًا في إدارة الموارد والالتزامات.

 

اعتراف رسمي… بلا محاسبة

 

في اعتراف متأخر، أقرّ البنك المركزي المصري في تقريره الأخير باستمرار سياسات الاقتراض الخارجي، وبارتفاع نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي من 38.8% إلى 44.2%، معلنًا أن إجمالي الديون الخارجية بلغ 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو/حزيران 2025.

 

كما ارتفعت مدفوعات خدمة الدين بنسبة 17.6% خلال عام واحد فقط، لتصل إلى 38.7 مليار دولار، وهو رقم يختزل حجم الاستنزاف الذي تتعرض له موارد الدولة.

 

جريمة اقتصادية مكتملة الأركان

 

ما تكشفه أرقام البنك الدولي لا يمكن فصله عن السياق السياسي. فسياسات السيسي لم تحوّل الديون إلى أداة تنمية، بل إلى وسيلة لإدارة العجز وتأجيل الانفجار، على حساب السيادة الاقتصادية وحقوق المواطنين.

 

وكما يرى الكاتب والمحلل السياسي إلهامي المليجي، فإن مصر تعيش «على حافة الاستدامة»، داخل دائرة مغلقة من الاقتراض وإعادة التمويل، تجعل القرار الاقتصادي مرتهنًا لـ«الرضا الدولي»، لا لأولويات المجتمع.

 

الخلاصة أن أزمة الديون في مصر لم تعد مسألة تقنية أو محاسبية، بل جريمة اقتصادية بحق الشعب، تُدار بلا شفافية ولا محاسبة، وتهدد بتحويل التحذيرات الدولية إلى واقع اجتماعي وسياسي مفتوح على كل الاحتمالات. وبينما يحذّر البنك الدولي من «الانزلاق نحو كارثة أكبر غدًا»، يصرّ نظام السيسي على المضي قدمًا في الصفقة الشيطانية نفسها، تاركًا المصريين وحدهم في مواجهة الثمن.