عشية مرور 15 عاما على الثورة الحية المختطفة ثورة يناير 2011، منذ أن خرج المصريون إلى الميادين، حاملين حلمًا أكبر من طاقتهم، وأصدق من كل الشعارات التي رُفعت من قبل.
حيث لم تكن ثورة يناير حدثًا عابرًا أو مجرد لحظة غضب، بل كانت الشرخ الأول في جدار الاستبداد الممتد منذ عقود، وكانت التجربة الوحيدة التي شعر فيها الشعب أن البلد ملك له حقًا.
الفنان عمرو واكد @amrwaked يتذكر ويهنأ "كل عام وكل الأحرار بخير وبصحة وعزيمة، ثورة يناير المذلّة لكل المستبدين، كابوس الطغاة، الساحقة لراحة اللصوص، الملحمة في أخذ الحق المشروع، المسيلة لعرق الرهبة أثناء خطابهم اللزج وهم تحت تأثير الترامادول، ثورة يناير لم ولن تموت، وستظل كامنة حتى تجمّع موجتها التالية حيث لا مفر منها".
https://x.com/amrwaked/status/2015361764565660103
وتنقل حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats عن الفنان أحمد عيد قوله: "مش نادم على نزول 25 يناير، ولو حصلت هنزل تاني، لو عايزين تعتبروني طابور خامس أنا طابور خامس".
وكتب الأكاديمي والوزير السابق محمد محسوب @MohammedMAHSOOB، "كانت ثورة يناير عظيمة في شروقها في 2011 وكريمة في غروبها في 2013، وقدمت التضحيات دون أن ترفع يدا بأذى أو تدعو لعنف، الشهداء والمفقودون والمختفون والمعتقلون من أبنائها بكل انتماءاتهم، فمن هب ليحيي بلده لا يؤذي أبناءها، الحقائق لا تبددها التهيؤات.
https://x.com/MohammedMAHSOOB/status/2015367970369737078
حلم الثورة لن يتبدد
حساب (Alsh 5anah ألش خانة) وتحت عنوان (مسنا الحلم من ١٥ سنة) مضيفا "هيفضل اليوم ده يفكرني أن شعب مصر مختلف، زي ما قال طالب بريطاني من طلاب الأزهر مرة: It is the land of Saints and Demons. ".
واستعاد (الش خانة) الذكرى باعتبارها حلمًا مسَّ الشعب المصري وترك أثرًا لا يُمحى، يرى أن هذا اليوم يذكّره دومًا بأن مصر بلد يجمع بين القديسين والشياطين، بين فساد متطرف وصلاح متطرف، وأن ميدان التحرير كان لحظة تجلّى فيها أنقى وأبهى ما في هذا الشعب، في نظره، الثورة لم تكن مجرد حدث سياسي، بل لحظة روحية وإنسانية جمعت أطيافًا من الناس في مشهد نادر من النقاء والإخلاص.
من خلال الصور التي يصفها، يبرز تفاصيل صغيرة لكنها معبّرة: شباب "متكيس" يبيتون أمام الدبابات هربًا من البرد، وآخرون من قرى الصعيد ينامون في جنزير الدبابة نفسها، مشهد حصار مبنى ماسبيرو فجر يوم التنحي، ابتكارات الشعب في الميدان، طفل يقرأ الجريدة التي تصف أحداثًا هو نفسه يشارك في صنعها، وأخيرًا صورة شخصية له تحت الدبابة يوم 13 فبراير قبل عودته إلى البحرين.
هذه المشاهد ترمز إلى أن الشعب لأول مرة كان بطل القصة، وأن الميدان جمع بين البساطة والبطولة في آن واحد.
ما يريد الكاتب قوله هو أن الثورة كانت لحظة فارقة أظهرت جوهر المصريين، وأنها رغم ما تلاها من انكسارات ستظل علامة على أن هذا الشعب قادر على أن يكون مختلفًا، قادرًا على أن يخرج من بين الشياطين ليُظهر قديسيه، وأن الحلم الذي مسّهم قبل خمسة عشر عامًا لم يمت، بل يظل حيًا في الذاكرة والوجدان.
التجربة لم تنته
النقابي والطبيب محمد فتوح عوض وعبر Mohamed Fatouh Awad كتب عن ذكرى ثورة يناير من موقع مختلف، إذ لا يراها حدثًا انتهى أو تجربة فشلت، بل يصف نفسه وكأنه ما زال في الميدان حتى اليوم، رغم آلاف الأميال التي تفصله عن التحرير، ورغم المطارات وضباط الجوازات الذين قد يمنعونه من العودة، إلا أنه يؤكد أنه لم يغادر الميدان قط، وأنه ما زال جالسًا على الرصيف، مسندًا ظهره إلى السور الحديدي، منتظرًا لحظة إعلان رحيل مبارك، بالنسبة له، مبارك لم يرحل بعد، لأنه ما زال يحكم بعقليته وأدواته ونظامه الذي دفع الناس للنزول ضده.
ويقول: إنه "يمارس حياته اليومية، يذهب إلى عمله، يعود إلى بيته، يرعى أسرته ويربي أولاده، لكنه في داخله ما زال يعيش في الميدان، يتعامل مع الناس بأخلاق التحرير التي اكتسبها هناك، ويؤدي عمله بنفس الشغف الذي كان يشعر به وهو يعالج المصابين وقت الثورة، حتى لحظات المقاومة ما زالت حاضرة في وجدانه، كأنه يرمي الطوب من جديد، أحيانًا يتجاوز الحواجز ويصل إلى الجهة الأخرى، وأحيانًا يسقط على رؤوس من معه، ويستعيد جلسات الصحبة مع رفاق الثورة، حتى الذين رحلوا، وهم يتقاسمون البقسماط مع الشاي باللبن ويضحكون على أحداث اليوم السابق".
ورغم مرور كل هذه السنوات، يرى أن هناك من غادر الميدان وانضم إلى البلطجية، وهناك من ظل مزروعًا في أسفلت التحرير، أما هو، فيؤكد أنه ما زال هناك، لم يغادر ولن يغادر، ولن يترك الميدان إلا إذا مات أو رحل مبارك حقًا. بهذه الكلمات، يربط بين الحاضر والماضي، ليقول إن الثورة ليست ذكرى بعيدة، بل حالة مستمرة تعيش داخله، وأن الميدان لم يكن مجرد مكان، بل روح ما زالت تسكنه وتوجه حياته.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=10162545171746770&set=a.10151310765516770
واستحضر (عمر المصري) قصة بني "إسرائيل" بعد خلاصهم من فرعون ليعكس بها حال الشعوب بعد مرور خمسة عشر عامًا على ثورة يناير، وكأننا ما زلنا في التيه، نتنقل من وادٍ إلى وادٍ ومن جبل إلى جبل، نعيش الفقر والضنك بلا استقرار ولا أمان ولا طعام منتظم، يضع على لسان أحدهم سؤالًا ساخرًا: لماذا خرج موسى على فرعون؟ ماذا كان الهدف؟ وهل كان في ذهاب فرعون نفع؟ بل يتمنى لو أن أيام فرعون دامت، متناسيًا أن التيه لم يكن بسبب الخروج، بل بسبب اتباع السامري وعبادة العجل الجديد بعد فرعون.
وذكّر المصري بأن الله أكرمهم ووضع أقدامهم على أول طريق التقدم، لكنهم سرعان ما عادوا لعبادة العجل، ورفضوا نصائح هارون، بل مارسوا عليه البلطجة وكادوا يقتلونه، كما يذكر تلكؤهم الدائم لموسى وهارون، وإثارتهم للشبهات والمشاكل حتى اضطر موسى أن يقول: "رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين". هؤلاء نسوا سنوات الظلم الطويلة تحت فرعون، ونسوا سلبيتهم وتخاذلهم، بينما موسى وأخوه كانا يقفان وحدهما في وجه بطشه، وهم يرددون: "أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا".
وأضاف أنهم "اليوم، بدلًا من أن يلوموا أنفسهم ويتوبوا ويتطهروا من أثر السامري والعجل الذي أشرب في قلوبهم، تراهم يحنون إلى أيام فرعون، وكأنهم لم يتعلموا شيئًا من التجربة، هكذا يصف عمر المصري حال الشعوب التي ما زالت في تيه لا ينتهي، أسيرة قلة الوعي وقصر النظر، عاجزة عن إدراك أن الخروج من الاستبداد كان بداية الطريق، وأن العودة إلى الحنين لفرعون ليست إلا استمرارًا للتيه. بهذه الاستعارة القرآنية، يربط بين الماضي والحاضر ليؤكد أن التيه ليس قدرًا، بل نتيجة لاتباع العجل الجديد ونسيان جوهر الحرية.".
صورة من الميدان
ونشر الأكاديمي عبد الرحمن الجندي Abdelrahman ElGendy صورة من الميدان وهو في سن المراهقة أيام الثورة، وهو يشارك في تنظيف الشوارع وطلاء الأرصفة، ويصف شعورًا متناقضًا يلازمه كلما تذكر تلك اللحظات: مزيج من السخرية والشفقة على السذاجة، مع إحساس بالمرارة، لكنه يوضح أنه يحاول مقاومة هذا الشعور، لأن تلك التصرفات لم تكن مجرد عاطفة عابرة، بل كانت تعبيرًا عن إحساس عميق بالامتلاك والانتماء، بأن المكان يخص الناس وهم يخصونه، وهو ما يفتقده المصريون اليوم.
يضع الجندي هذه اللحظة في سياق تاريخي أوسع، فيرى أن ثورة 25 يناير كسرت العقد الاجتماعي الذي تأسس منذ انقلاب 1952 وصعود الضباط الأحرار، حين نشأت طبقة حاكمة جديدة وصفها أنور عبد الملك بـ"برجوازية الدولة" أو "المجتمع المُعسكر"، هذا المشروع العسكري استغرق عقودًا حتى قضى على أي برجوازية مدنية أو صناعية أو إقطاعية، ليصبح المجتمع منقسمًا إلى أسياد ومسودين، نسور ومدنيين، حيث يظل المدني مهما علا تحت جناح النسر.
من هنا، يعتبر الجندي أن 25 يناير ستظل شبحًا يطارد السلطة العسكرية، لأنها كانت أول شرخ في "طبيعة الأشياء"، اللحظة التي سُحب فيها المقدس من عليائه وواجه الأرض على يد المدنيين الذين طالما اعتُبروا أدنى، لذلك لا يصف الثورة بأنها أعادت البلد للشعب، بل بأنها كانت المرة الوحيدة التي جرب فيها المصريون أن تكون بلدهم ملكًا لهم، والمرة الوحيدة التي جرب فيها النسر أن يكون الطرف المكسور. أما ما حدث في 3 يوليو، فيراه تصحيحًا لمسار التاريخ المصري الحديث، حيث يعود النسر ليسود والمدني ليسحق.
ويختم بأن تنظيف الشوارع وطلاء الأرصفة كان فعلًا رمزيًا يعكس هذا الشرخ، وأن هوس السلطة بمحو تلك اللحظة هو أكبر دليل على قوتها وتأثيرها الممتد، الشرخ حدث بالفعل، وهذا يعني أنه قابل للتكرار، ولهذا يصر على إحياء الذكرى كل عام، للتذكير بأن إمكانية التغيير لم تُمحَ من التاريخ.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=10238408251917425&set=a.1819762206122
وعلى غراره ومن جانب أغاني الثورة استعاد Sherif MohyEldeen شريف محيي الدين ذكرى ثورة يناير عبر حكاية صديق كان يعشق محمد منير ويحضر كل حفلاته، لكنه شعر بخيبة أمل لأن منير لم يكن على قدر اللحظة الثورية التي حلم بها. الأغنية التي طرحها منير في بدايات الثورة، رغم تسجيلها قبلها، بدت وكأنها تعبر عن العلاقة المعقدة بين المصريين وبلدهم؛ علاقة حب مؤلم، مليئة بالتناقضات، حيث يظل العاشق مخلصًا رغم الجراح والخذلان.
وأضاف أنه بعد مرور هذه السنوات، فإن يناير كانت تجربة إنسانية كاملة، فيها الحلو والمر، مثلما يميز بين جمال أغاني منير القديمة مثل "الكون كله بيدور" و"شبابيك"، وبين بعض الأغاني الأقل قيمة. الثورة أثبتت قدرة ملايين المصريين على العمل الجماعي والتجرد والتضحية من أجل قيم العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. الميدان الذي صار رمزًا للرومانسية والنوستالجيا، شهد أطيافًا متباينة؛ من الثوار الحالمين إلى الإسلاميين المتشددين، إلى الفاشيين، وحتى بقايا النظام القديم، لكنه أيضًا احتضن ملايين المواطنين العاديين الذين صنعوا الكتلة الحرجة.
ويصف محيي الدين المشهد في الميدان بأنه كان معجزة في التنظيم والتحضر، حيث شكل الناس لجانًا شعبية لحماية الشوارع والممتلكات، في وقت انسحبت فيه الشرطة، بينما في دول أخرى مثل الولايات المتحدة خلال أحداث سبتمبر انتشرت الفوضى والنهب.
ورغم وجود بعض الحوادث السلبية كالسرقة أو التحرش بعد التنحي، فإن الغالب كان صورة التعايش؛ مسيحيون يحمون المسلمين أثناء الصلاة، وفتيات يمارسن حريتهن في اللباس دون خوف.

