بعد ثماني سنوات على تأسيس نظام المنقلب السيسى، صندوق مصر السيادي، يتجدد السؤال: أين العائد؟ هل تحوّل الصندوق إلى ذراع استثمارية فعالة تدعم التنمية المستدامة، أم أصبح أداة لإدارة الضغوط المالية عبر بيع الأصول؟
في ظل تضارب الروايات وندرة البيانات التفصيلية، تبقى الشفافية والمساءلة البرلمانية والمجتمعية هي الفيصل الحقيقي للحكم على تجربة تُدار باسم "تعظيم ثروات الدولة"، بينما يطالب مواطنون بمعرفة مصيرها.
وفي هذا السياق ، طالب عضو مجلس النواب أحمد فرغلي الحكومة بكشف حساب شامل حول أداء صندوق مصر السيادي عن ثماني سنوات من عمل الصندوق، متسائلاً عن جدوى كيان أُنشئ – بحسب الرواية الرسمية – لتعظيم أصول الدولة، بينما لا تزال نتائجه الفعلية محل غموض واسع.
8 سنوات بلا عائد واضح
فرغلي، النائب عن بورسعيد، تقدم بطلب إحاطة موجّه إلى مجلس الوزراء ووزيري الاستثمار والتخطيط، تساءل فيه عن الحصيلة الاقتصادية للصندوق منذ تأسيسه عام 2018 برأسمال مُعلن بدأ بـ120 مليار جنيه ثم رُفع إلى 200 مليار. وأشار إلى أن الصندوق ضم عشرات الأصول والشركات والمباني الحكومية، دون أن ينعكس ذلك – بحسب قوله – في صورة عائد اقتصادي ملموس أو قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
اللافت أن البيان الذي نشره النائب عبر صفحته الرسمية على "فيسبوك" اختفى بعد دقائق من نشره، ما أثار تساؤلات إضافية حول حساسية الملف وحدود النقاش المسموح به بشأنه.
أصول استراتيجية تحت إدارة غير شفافة
منذ تأسيسه، نُقلت إلى الصندوق أصول بارزة مثل **مجمع التحرير**، ومبانٍ وزارية تاريخية بوسط القاهرة، إضافة إلى حصص في شركات كبرى، بينها **مصر القابضة للتأمين**، وشركات طاقة وأسمدة ومرافق.
وبينما تقول الحكومة إن الهدف هو إعادة توظيف الأصول غير المستغلة وجذب استثمارات أجنبية، يرى منتقدون أن ما يجري هو "تسييل" ممنهج للأصول العامة خارج الأطر الرقابية التقليدية، عبر هيكل قانوني يمنح الصندوق استقلالية واسعة ويحدّ من الطعن على قراراته.
بين نموذج الفوائض ونموذج الديون
خبراء اقتصاديون يشيرون إلى مفارقة جوهرية: فالصناديق السيادية في العادة تُنشأ من فوائض مالية ضخمة ناتجة عن صادرات موارد طبيعية أو احتياطيات نقدية، كما هو الحال في **Government Pension Fund Global** في النرويج أو **صندوق الاستثمارات العامة** في السعودية.
أما في الحالة المصرية، فيرى منتقدون أن الصندوق تأسس في ظل عجز مزمن بالموازنة وارتفاع غير مسبوق في الدين الخارجي، ما يطرح سؤالاً حول طبيعة التمويل والهدف الفعلي: هل هو استثمار للفوائض أم إدارة أزمة سيولة عبر بيع الأصول؟
برنامج الطروحات… استثمار أم تخارج؟
في إطار "وثيقة سياسة ملكية الدولة"، نُقلت عشرات الشركات إلى الصندوق تمهيداً لطرحها أو بيع حصص منها لمستثمرين، ضمن برنامج طروحات تقول الحكومة إنه يستهدف جذب 30 مليار دولار.
غير أن معارضين يرون أن الطروحات تركزت على أصول رابحة واستراتيجية، مثل البنوك وشركات الأسمدة والطاقة، دون وضوح بشأن كيفية توظيف العوائد في مشاريع إنتاجية مستدامة أو خفض فعلي لعبء الدين العام.
حوكمة بلا رقابة؟
تدور أبرز الانتقادات حول بنية الحوكمة. فالقانون المنظم للصندوق يمنحه وضعاً خاصاً يحدّ من خضوعه للرقابة البرلمانية التقليدية، ما يعتبره معارضون التفافاً على آليات المساءلة. ويؤكد هؤلاء أن غياب الإفصاح التفصيلي عن تقييمات الأصول وآليات التسعير وشروط الشراكات يفاقم الشكوك بشأن عدالة الصفقات وشفافيتها.
بين الأمن الاقتصادي والسيادة
لا تتوقف المخاوف عند الجانب المالي، بل تمتد – وفق منتقدين – إلى البعد السيادي، في ظل دخول صناديق ومستثمرين إقليميين كشركاء في أصول حيوية. ويطرح هؤلاء تساؤلات حول مدى حماية المصالح الاستراتيجية للدولة، في غياب نقاش مجتمعي واسع أو تقارير دورية مفصلة عن أداء الصندوق.
