بين استفزاز الهوية ومخاوف”الدولة داخل الدولة” .. مقاطعة “ممفيس”تشعل غضب المصريين لهذه الأسباب ؟!

- ‎فيتقارير

أثار مقترح إطلاق اسم "ممفيس" على العاصمة الإدارية الجديدة، وتحويلها إلى "مقاطعة" ذات طبيعة خاصة، عاصفة من الجدل والغضب في الأوساط السياسية والشعبية، وسط اتهامات للنظام الانقلابى  بزعامة السيسى ،بالتلاعب بالهوية الوطنية، والسير في مسار يعمّق الانقسام بين "دولة السلطة" و"دولة الشعب".

 

المقترح جاء ضمن مشروع قانون الإدارة المحلية المقدم من النائب الانقلابى محمد عطية الفيومي، ويتضمن مواد تمنح العاصمة الجديدة وضعًا استثنائيًا، بحيث تصبح "مقاطعة" يعيّن رئيس الجمهورية رئيسها، ويتمتع بصلاحيات المحافظ والوزراء، ويعاونه مجلس أمناء، في هيكل إداري يخضع بالكامل للتعيين الرئاسي، بعيدًا عن أي انتخاب شعبي حقيقي.

 

من "منف" إلى "ممفيس".. لماذا الاسم اليوناني؟

 

يرى منتقدون أن اختيار اسم "ممفيس" ليس تفصيلًا عابرًا، بل يحمل دلالات رمزية وسياسية. فالاسم هو الصيغة اليونانية لمدينة "منف" المصرية القديمة، التي كانت عاصمة البلاد في عصر الدولة القديمة، فيما تعرّض الاسم للتحريف بعد دخول الإسكندر الأكبر مصر عام 332 قبل الميلاد.

 

وبينما كان يمكن استخدام الاسم المصري الخالص "منف"، جرى تبني التسمية الإغريقية "ممفيس"، ما اعتبره معارضون تعبيرًا عن نزعة لاقتلاع الهوية العربية الإسلامية لصالح سردية فرعونية مُسيّسة، تُستدعى بشكل انتقائي، في الوقت الذي يُهمَّش فيه التاريخ الإسلامي للبلاد.

 

 

المفارقة أن النظام الذي يرفض – بحسب منتقديه – العودة إلى ما قبل 1400 عام، لا يجد حرجًا في التفاخر بالعودة إلى ما قبل سبعة آلاف عام، في خطاب يرى فيه البعض محاولة لإعادة تشكيل هوية الدولة بما يخدم مشروعًا سياسيًا مغلقًا على السلطة والنخبة.

 

هل يغازل النظام الماسونية؟

 

أحد أكثر محاور الجدل إثارة كان الربط بين اسم "ممفيس" وتاريخ المحافل الماسونية، إذ يحمل الاسم حضورًا واضحًا في طقوس "ممفيس-مصر" التي تأسست في القرن التاسع عشر بفرنسا، وانتقلت لاحقًا إلى دوائر ماسونية أوروبية.

 

ورغم أن هذا الربط لا يستند إلى دليل رسمي، فإن اختيار الاسم، في ظل أجواء احتقان وشكوك سياسية، فتح الباب أمام تأويلات تتحدث عن "رسائل رمزية" و"مغازلة للدوائر الغربية"، خاصة مع تصاعد الحديث في السنوات الأخيرة عن حفلات وفعاليات مثيرة للجدل قرب أهرامات الجيزة.

 

 

كما أعاد البعض تداول مقاطع من حوار بين إيلون ماسك وجوردان بيترسون، ورد فيه ذكر "ممفيس" في سياق ساخر، ليتم توظيفه في النقاش الدائر حول الاسم، بما يعكس حالة انعدام الثقة المتنامية بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع.

 

الأخطر من الاسم.. "المقاطعة"

 

إذا كان الاسم قد فجّر الغضب، فإن ما اعتبره معارضون أخطر هو تحويل العاصمة إلى "مقاطعة" ذات وضع خاص، تُدار بتعيين مباشر من رئيس الجمهورية، وتتمتع بصلاحيات واسعة تتجاوز الإطار التقليدي للمحافظات.

 

منتقدون يرون في ذلك تأسيسًا لكيان إداري أشبه بـ"دويلة داخل الدولة"، له اسم مستقل وصلاحيات خاصة، ومجال جغرافي يضم الرئاسة والحكومة والبرلمان والسفارات، بينما تبقى القاهرة – بنص الدستور – عاصمة البلاد رسميًا.

 

ويحذر سياسيون من أن استحداث نظام "المقاطعات" لا يتسق مع طبيعة الدولة المصرية المركزية الموحدة عبر التاريخ، معتبرين أن اللامركزية المطلوبة لا تعني إنشاء كيانات شبه مستقلة، بل توزيعًا عادلًا للصلاحيات داخل إطار الدولة الواحدة.

 

دولة للنخبة وأخرى للشعب؟

 

في خلفية الجدل، يبرز سؤال أعمق: هل يجري تأسيس عاصمة للنخبة الحاكمة فقط؟

 

العاصمة الإدارية، التي تُقدّر تكلفة مرحلتها الأولى بنحو 800 مليار جنيه، تُقدَّم باعتبارها "جمهورية جديدة"، بينما تعاني المحافظات القديمة من أزمات معيشية خانقة، وارتفاع أسعار، وتراجع في الخدمات.

 

ويرى معارضون أن المشروع يعمّق الفصل بين "مصر الوادي الضيق" المثقلة بالفقر والديون، وبين "مصر الواجهة اللامعة" المخصصة للسلطة ورجال الأعمال وكبار المسؤولين. وفي هذا السياق، يصبح الاسم الجديد، والكيان الإداري الخاص، جزءًا من إعادة هندسة سياسية واجتماعية طويلة المدى، لا مجرد تعديل شكلي.

 

استفزاز في توقيت أزمة

 

الانتقادات طالت أيضًا توقيت طرح المقترح، في ظل أزمات اقتصادية وضغوط معيشية غير مسبوقة. واعتبر كثيرون أن الانشغال بتسمية العاصمة، ومنحها وضعًا خاصًا، يعكس انفصالًا عن أولويات المواطنين الحقيقية، من غلاء وبطالة وتضخم وديون متراكمة.

 

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول "ممفيس" مجرد خلاف على اسم، بل تعبيرًا عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة وهوية السلطة وحدود الشرعية الشعبية. فحين يشعر قطاع واسع من المواطنين أن العاصمة الجديدة لا تمثلهم، وأنها تُدار فوقهم لا باسمهم، يتحول الاسم إلى رمز… ورمز الاحتقان أخطر من أي لافتة.