تتكرر في السنوات الأخيرة وقائع العنف العائلي المرتبطة بالخلافات على الميراث، وهي خلافات تتحول من نزاع مالي إلى اعتداءات تهدد الروابط الأسرية، وتكشف الأحداث المتتابعة بين عامي 2024 و2025 حجم الظاهرة وخطورتها.
ويطرح بعض الباحثين في علم الاجتماع السياسي فكرة أن الجماعات الاجتماعية المنظمة – سواء كانت دينية أو مدنية – تلعب دورًا في ضبط السلوك الاجتماعي وأنه عند غيابها، يحدث ما يسمى "تفكك شبكات الضبط الاجتماعي" وأن هذا التفكك يؤدي إلى زيادة النزاعات داخل الأسرة، خصوصًا في المجتمعات الريفية.
وهذه الرؤية لا تخص الإخوان وحدهم، بل تنطبق على أي جماعة أو مؤسسة كانت تلعب دورًا اجتماعيًا ثم تراجع تأثيرها.
وفي المجتمع المصري فإن جماعة الإخوان المسلمون كانت تؤدي قبل 2013 أدوارًا اجتماعية واسعة، منها؛ شبكات الوساطة الاجتماعية داخل الأحياء والقرى، ولجان الصلح العرفي بين العائلات، وجمعيات الرعاية الخيرية التي كانت تتدخل في النزاعات الأسرية، ووجود كوادر دعوية كانت تلعب دورًا في تهدئة الخلافات داخل العائلات، ونشاط واسع في النقابات المهنية والجمعيات الأهلية.
رصد صور العنف
ورصد مراقبون وقائع بارزة في فبراير الجاري وقبل يومين بالكشف عما حدث في مركز دمنهور بمحافظة البحيرة حادثة مؤسفة بعد انتشار فيديو يوثق اعتداء أحد الأشخاص على شقيقته، ودفعها داخل ترعة إثر خلافات حادة حول الميراث.
وأطراف الواقعة أشقاء، والخلافات العائلية القديمة حول تقسيم التركة كانت سبب التصعيد.
وفي 31 يناير، ظهرت واقعة أخرى في قرية نفيا بالغربية، حيث اعتدى ابن على والدته، بسبب خلافات على الميراث، وبعد تداول الفيديو، ألقت الشرطة القبض على المتهم، وأصدرت محكمة طنطا حكمًا بحبسه سنتين مع وضعه تحت المراقبة لمدة مماثلة، في رسالة واضحة بأن الاعتداء على الوالدين جريمة لا تُبرر بأي نزاع مالي.
وفي 23 ديسمبر 2025، أثارت واقعة جديدة غضبًا واسعًا بعد الاعتداء على فتاة من محافظة الشرقية أثناء مطالبتها بحقها الشرعي في ميراث والدتها.
وتعرضت الفتاة للضرب والسحل من قِبل أخوالها، في مشهد يعكس استمرار حرمان النساء من حقوقهن الشرعية رغم وجود قوانين تجرّم الامتناع عن تسليم الميراث.
وفي 15 ديسمبر 2025، تم القبض على ثلاثة أشقاء بعد اتهامهم بخطف شقيقتهم والاعتداء عليها وتصويرها تحت التهديد لإجبارها على التنازل عن ميراثها، إضافة إلى محاولة إدخالها مصحة نفسية لاستخراج تقرير يفيد بعدم أهليتها، هذه الواقعة كشفت مستوى الانتهاكات التي قد تتعرض لها النساء عند مطالبة بحقوقهن.
وفي 14 نوفمبر 2025، شهدت دمياط واقعة اعتداء على شاب من ذوي الهمم خلال مشاجرة عائلية حول الميراث، وتم ضبط المتهم بعد انتشار الفيديو.
وشهد عام 2025 سلسلة من الحوادث المروعة، منها واقعتان في 14 و17 مارس بمحافظتي الشرقية والدقهلية، حيث أقدم أشقاء على هدم منازل فوق رؤوس إخوتهم بسبب خلافات على الميراث، في تصعيد خطير يعكس انهيار الحوار داخل بعض الأسر.
وتختتم هذه السلسلة بحادث إطلاق نار في القليوبية، حيث تعرض أب وابنه لاعتداء مسلح بسبب نزاع عائلي، ما أثار صدمة واسعة.
تؤكد هذه الوقائع أن العنف المرتبط بالميراث أصبح قضية اجتماعية تتطلب تدخلًا تشريعيًا وثقافيًا عاجلًا، لضمان الحقوق ومنع انهيار الروابط الأسرية.
وبعد الاعتداء الوحشي على المحامية رشا فرحات وزوجها في نبروه أثناء تنفيذ حكم قضائي في فبراير الجاري ضمن نزاع عائلي، أصدر (مركز العدالة الدولي لدراسات حقوق الإنسان والتنمية الفكرية) بيانًا حقوقيًا في 19 فبراير أدان فيه بشدة الاعتداء وأن الواقعة تمثل «جريمة مكتملة الأركان» تتجاوز حدود النزاع العائلي لتصل إلى «استهداف مباشر لهيبة الدولة ومنظومة العدالة».
واعتبر المركز أن استهداف محامية أثناء أداء عملها بأنه «محاولة ترهيب واضحة» لكل من يلجأ للقانون، مؤكدًا أن المحامي جزء أصيل من منظومة العدالة وليس طرفًا في الخصومة، واعتبر البيان أن الاعتداء على محامٍ أثناء تنفيذ حكم قضائي يمثل ظرفًا مشددًا يستوجب أقصى العقوبات لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.
وأشار البيان إلى أن تفاقم نزاعات الميراث وقضايا التمكين في الفترة الأخيرة يدق ناقوس الخطر، محذرًا من أن تأخر الحسم القضائي يؤدي إلى تحول الخصومات الأسرية إلى صراعات دموية، كما اعتبر أن غياب الردع المبكر في جرائم منع الحيازة يغذي ثقافة «أخذ الحق بالذراع»، ما يهدد الأمن المجتمعي ويحوّل النزاعات المدنية إلى جرائم جنائية.
أعرب المركز عن استهجانه لما وصفه بـ«المسلك غير الأخلاقي» لبعض المحسوبين على مهنة المحاماة الذين أبدوا تأييدًا للاعتداء عبر منصات التواصل الاجتماعي.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=1244171984565766&set=a.285509693765338
لماذا توحش المصريون
ونشر الكاتب محمد طلبة رضوان يتساءل فيه عن (لماذا توحش المصريون) ورصد فيه ظاهرة اجتماعية واسعة لا يمكن فهمها دون الاعتراف بها أولًا، التحليل الذي يقدّمه يعتمد على قراءة سياسية–اجتماعية للعنف، وعلى ربطه ببنية الدولة والاقتصاد والخطاب العام.
ويرى الكاتب أن المشكلة ليست في حادثة واحدة، بل في إنكار وجود العنف أصلًا. الإنكار يجعل الظاهرة تتفاقم، لأن المجتمع يتعامل معها كاستثناء بينما هي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية: في الشارع، في المواصلات، في العمل، وفي الخطاب العام، هذا العنف البنيوي – كما يسميه – فكّك الروابط التقليدية التي كانت تمنح الناس إحساسًا بالأمان والانتماء، وتركهم في حالة انعدام أمل وانعدام ضمير.
ويستخدم الكاتب حادثة “باسوس” مثالًا صارخًا: أب وطفله عائدان من صلاة التراويح، فيُهاجمهما أقارب الزوجة بالأسلحة النارية والبيضاء، ويُصاب الطفل إصابة خطيرة قد تؤدي إلى بتر قدمه.
واعتبر أن المشهد صادم ليس فقط لأنه عنيف، بل لأنه يأتي من داخل العائلة نفسها، وفي رمضان، وأمام البيت، ومن دون أي اعتبار لحرمة الدم أو الطفل أو الشهر أو القانون.
ورأى الكاتب أن هذا النوع من العنف لم يعد استثناءً، بل أصبح لغة التعامل الأساسية في كثير من النزاعات.
لماذا وصل المصريون إلى هذا الحد من التوحّش؟
يقدّم الكاتب تفسيرًا متعدد الأبعاد:
ضغط اقتصادي واجتماعي خانق تجاوز حدود الأزمة إلى “التوحّش”.
قمع سياسي ممتد جعل العنف جزءًا من بنية السلطة، ومن ثم جزءًا من بنية المجتمع.
تفكّك القيم التقليدية، وعلى رأسها الدين، الذي تحوّل إلى مظاهر شكلية بلا مضمون أخلاقي.
خطاب إعلامي تحريضي يتجاوز الكذب والنفاق إلى التطبيع مع العنف.
إرهاق نفسي جماعي نتيجة سلسلة طويلة من الصدمات: ثورة، انقلاب، إرهاب، قمع، فقر، غلاء…
تحوّل العنف من نتيجة إلى وسيلة: الناس تمارسه دفاعًا عن النفس، أو كطريقة لحل النزاعات، أو كتنفيس عن الإحباط.
هذه العوامل مجتمعة أنتجت ما يسميه الكاتب “وباء وطنيًا” من التوحّش.
وأشار إلى أن الدولة لا تتدخل إلا عندما تتحول الجريمة إلى “ترند”. أما جذور العنف – الفقر، القمع، غياب العدالة، الخطاب التحريضي – فهي من صنع الدولة نفسها.
وبالتالي، فهي ليست فقط غائبة عن الحل، بل جزء من المشكلة.
واتبر أن الدولة – بحسب المقال – خلقت البيئة التي تجعل العنف بديلًا عن القانون، والقوة بديلًا عن الحوار، والتوحّش شرطًا للبقاء.
وقال: إن "التوحّش ليس طبعًا، بل نتيجة بنية سياسية–اقتصادية–اجتماعية صنعتها الدولة ورسّختها الظروف، وما لم يُعترف بهذه الحقيقة، سيستمر العنف في التمدد، وسيتحوّل من ظاهرة إلى قاعدة".
تغييب الإخوان
ومن جهة ثانية، نشر ناشطون ومراقبون تقارير دورية تشير إلى أن غياب الإخوان عن المجال العام أدى إلى فراغ في آليات الوساطة الاجتماعية داخل القرى، وتراجع دور الجمعيات الخيرية التي كانت تتدخل في حل النزاعات وضعف شبكات “الصلح العرفي” التي كانت تعتمد على رموز اجتماعية مرتبطة بالجماعة وزيادة اعتماد الناس على القوة (البدنية والمالية والسياسية) بدل الوساطة في حل الخلافات.
