أعاد قرار محافظ القاهرة إبراهيم صابر، رقم 191 لسنة 2026، بشأن الاستيلاء المؤقت على مدرسة المنيرة الابتدائية الرسمية للغات، فتح ملف نزع الملكية في مصر، وهو ملف يتوسع عامًا بعد عام ليشمل مدارس وقصورًا وأراضي أوقاف ومباني تاريخية.
و نصّ القرار على الاستيلاء المؤقت على المدرسة الواقعة في قلب القاهرة، على تخوم جاردن سيتي وشارع قصر العيني، لحين استكمال إجراءات نزع الملكية وتعويض الملاك. ورغم أن المحافظة أكدت أن الخطوة “قانونية” وتهدف إلى “ضمان انتظام الدراسة”، فإن غياب أي تفسير واضح للمنفعة العامة أثار موجة من التساؤلات والقلق.
قصر فخم يتحول إلى مدرسة
ومدرسة المنيرة ليست مبنى عاديًا، بل قصر فخم من قصور الباشوات، جرى تجديده العام الماضي ليظهر في أفضل حالاته. ورغم ذلك، صدر قرار الاستيلاء فورًا دون انتظار انتهاء العام الدراسي أو اكتمال الإجراءات القانونية التي تستغرق عادة ثلاث سنوات. هذا التعجل دفع كثيرين إلى التساؤل عن “المنفعة العامة” التي تستدعي إخلاء الطلاب فورًا، في وقت لم تُعلن فيه المحافظة عن أي مشروع بديل أو خطة واضحة لاستخدام المبنى.
وفي ظل غياب تفسير رسمي، انتشرت روايات على منصات التواصل تتحدث عن اهتمام مستثمرين خليجيين بالمبنى، خاصة أنه يقع في واحدة من أغلى مناطق القاهرة. ورغم أن هذه الروايات لا يمكن الجزم بصحتها، فإنها تعكس أزمة ثقة متراكمة، خصوصًا أن بيان المحافظة اكتفى بعبارة “للمنفعة العامة” دون تحديد طبيعتها. هذا الغموض دفع مواطنين ونوابًا سابقين إلى المطالبة بإيضاح رسمي حول أسباب القرار، مؤكدين أن الشفافية وحدها كفيلة بتهدئة المخاوف.
وفي بيان لاحق، قالت محافظة القاهرة إن المدرسة ملكية خاصة تُدار من خلال وزارة التربية والتعليم، وإن الاستيلاء المؤقت جاء لضمان انتظام الدراسة وعدم تعطيل اليوم الدراسي. وأكدت أن القرار قانوني وأن الملاك سيُعوَّضون وفقًا للإجراءات المعمول بها. كما دعت وسائل الإعلام إلى تحري الدقة وعدم الانسياق وراء “الشائعات”. لكن البيان لم يقدّم تفسيرًا واضحًا لطبيعة “المنفعة العامة”، ولا سبب الاستعجال في الإخلاء.
سلسلة ممتدة: نزع ملكية مدارس من 2017 حتى 2026
قرار مدرسة المنيرة ليس حالة منفردة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من قرارات نزع الملكية التي طالت مدارس في محافظات مختلفة. خلال السنوات الماضية، صدرت قرارات بنزع ملكية مدارس في الشرقية، الدقهلية، دمياط، سوهاج، المنوفية، والقاهرة. من بين هذه القرارات:
مدرسة صلاح الدين الابتدائية المشتركة في ميت غمر (قرار 1662 لسنة 2025).
مدرسة الصديق الابتدائية في ميت غمر (قرار 1548 لسنة 2025).
مدرسة العباسية الابتدائية في الشرقية (2025).
مدرسة الحزاوي الابتدائية في دمياط (2025).
مدرسة ناصر الابتدائية المشتركة في سوهاج (2022).
مدرسة الحرية في فاقوس بالشرقية (2022).
مدرسة سلامون في المنوفية (2022).
مدرسة التيمورية الابتدائية في الساحل بالقاهرة (2022).
مدرسة إدكو الإعدادية ومدرسة عمر بن الخطاب الابتدائية (2021).
مدرسة السنانية الابتدائية المشتركة بدمياط (قرار رئاسي 2018).
مدرسة أبو عرصة الابتدائية المشتركة بالدقهلية (قرار رئاسي 2017).
هذه القائمة الطويلة مثال يكشف أن نزع الملكية لم يعد استثناءً، بل أصبح سياسة متكررة تمتد عبر الحكومات والمحافظات.
قصور تاريخية خرجت من يد أصحابها
وبحسب @QegSee61229 فإن الأمر لا يقتصر على المدارس، فهناك قصور تاريخية تم نزع ملكيتها وتحويلها إلى مدارس، ثم لاحقًا إلى مقار أمنية أو مبانٍ حكومية. من بين الأمثلة البارزة قصر الحوياتي باشا في باب اللوق، الذي تحوّل إلى مدرسة للبنات عام 1944، ثم استولت عليه الشرطة خلال أحداث محمد محمود عام 2012، قبل أن يتعرض لحريق ونهب في 2013. هذا المثال يعكس كيف يمكن أن تتحول المباني التاريخية إلى “ممتلكات سائبة” بعد نزع ملكيتها، بلا حماية ولا صيانة.
https://x.com/aboulilah/status/1670756583972667392
رغم أن القانون يسمح بنزع الملكية للمنفعة العامة، فإن غياب الشفافية في تحديد ماهية هذه المنفعة يفتح الباب أمام الشكوك. لماذا تُنزع ملكية مدرسة تعمل بكفاءة وتم تجديدها حديثًا؟ ولماذا يُستعجل إخلاؤها قبل انتهاء العام الدراسي؟ وما المشروع الذي يستدعي إخلاء مبنى بهذه القيمة التاريخية والموقع الاستراتيجي؟
تكرار قرارات نزع الملكية، خاصة في غياب تفسير واضح، يثير مخاوف مشروعة لدى المواطنين. فالمباني التي تُنزع ملكيتها لا تعود دائمًا إلى خدمة المجتمع، وبعضها يتحول إلى مشاريع خاصة أو يظل مهجورًا لسنوات. وفي ظل هذه الوقائع، يصبح من الضروري أن تقدّم الجهات الرسمية تفسيرًا شفافًا لكل قرار، وأن تضمن أن “المنفعة العامة” ليست مجرد عبارة فضفاضة، بل مشروع حقيقي يخدم الناس ويحافظ على حقوقهم.
كشف تقرير بحثي حديث عن تصاعد ملحوظ في وتيرة قرارات نزع الملكية للمنفعة العامة خلال عام 2025، مع اتساع نطاق المساحات المنزوعة وتزايد أعداد المتضررين.
وبحسب التقرير الصادر عن مؤسسة “ديوان العمران”، فقد جرى نزع ملكية ما يقرب من 2.5 مليون متر مربع خلال العام الماضي، وهو ما ترتب عليه تضرر مباشر لنحو 2500 مواطن في عدد من المحافظات، مع تفاوت جغرافي واضح في حجم التأثير ودرجة الامتداد.
ويُعرف “ديوان العمران” باعتباره مؤسسة بحثية تتابع مسارات التنمية والتحضر من منظور اجتماعي واقتصادي وبيئي، مع التركيز على قضايا السكن والعدالة العمرانية وحقوق السكان في المشاركة بتخطيط مدنهم وتجنب الإخلاء القسري.
أظهر التوزيع الجغرافي للقرارات أن محافظة الإسكندرية تصدرت قائمة المناطق الأكثر تأثرًا، بمساحة منزوعة تجاوزت 577 ألف متر مربع. وجاءت القاهرة في المرتبة الثانية بنحو 356 ألف متر مربع، تلتها محافظات الدقهلية والقليوبية والجيزة بمساحات تراوحت بين 200 و300 ألف متر مربع لكل منها.
على مستوى القطاعات المستفيدة من نزع الملكية، استحوذت مشروعات الطرق والكباري على النصيب الأكبر بنسبة تجاوزت 51% من إجمالي المساحات، عبر 14 قرارًا صدرت في ثماني محافظات بهدف توسعة الطرق وربط المحاور القومية.
وجاء قطاع النقل والمواصلات في المرتبة الثانية بنسبة تقارب 8.3%، تلاه قطاع الصرف الصحي بنحو 7.5%. وتوزعت بقية المساحات على الأبنية التعليمية بنسبة تقارب 4.4%، ثم المستشفيات والجراجات العامة بنسب محدودة.
