أقر برلمان "نواب" السيسي تغليظ عقوبة التخلف عن أداء الخدمة العسكرية أو الاستدعاء للتجنيد في فترة الاحتياط وينص على إعفاء فئة جديدة من أداء الخدمة.
ويطال التعديل فئة كبيرة من الشباب الذين قد يتأخرون في إنهاء أوراقهم أو يتخلفون عن الاستدعاء لأسباب مهنية أو اجتماعية. ومع ارتفاع الغرامات إلى هذا الحد، يتحول أي خطأ أو تأخير بسيط إلى أزمة مالية حقيقية، ما يزيد من شعور عام بأن الدولة تعتمد على العقوبات المالية كوسيلة ضغط أكثر من كونها وسيلة تنظيم.
ويتردد لهذا السبب وصف مثل "جباية جديدة" على ألسنة كثيرين، باعتبار أن القانون لا يكتفي بتنظيم الخدمة العسكرية، بل يضيف عبئًا ماليًا جديدًا في وقت يعاني فيه المواطنون أصلًا من ارتفاع تكاليف المعيشة. وبينما ترى الحكومة أن التشديد ضرورة، يرى المواطنون أنه حل سهل على حسابهم.
وتساءل "نائب" العسكر، ضياء الدين داود خلال الجلسة العامة حول تعديل قانون الخدمة العسكرية "ما إذا كان إعفاء بعض المواطنين من التجنيد يعني حرمانهم من مباشرة حقوقهم السياسية، مطالبًا الحكومة بتوضيح الأمر"؟!
وشدد التعديل على عقوبات التهرب من التجنيد أو الاستدعاء، لتصل إلى الحبس وغرامات مالية تتراوح بين 10 آلاف و100 ألف جنيه، بحسب الحالة. كما نص التعديل على إضافة العمليات الإرهابية كمعيار للإعفاء من أداء الخدمة العسكرية، سواء بشكل نهائي أو مؤقت، مساواة بالعمليات الحربية.
ويستهدف قانون السيسي الجديد رفع مستوى العقوبات على المتخلفين عن التجنيد أو عن الاستدعاء بعد انتهاء الخدمة. التعديل يعكس توجهًا رسميًا نحو إحكام الرقابة على التزام الشباب بواجبات الخدمة العسكرية، واعتبار التخلف عنها مخالفة تستوجب ردعًا أكبر مما كان معمولًا به سابقًا.
وجاءت الموافقة بعد أن أقرت لجنة الدفاع والأمن القومي في الأول من فبراير الحالي تعديلات تُغلّظ عقوبات التخلّف عن الخدمة العسكرية. التعديل ينص على أن من يتخلف عن الفحص أو التجنيد حتى يتجاوز سن 30 يُعاقَب بالحبس لمدة لا تقل عن سنتين، وغرامة من 20 ألفًا إلى 100 ألف جنيه أو بإحداهما. كما رُفعت عقوبة التخلف عن الاستدعاء للاحتياط لتصل إلى الحبس وغرامة من 10 إلى 20 ألف جنيه أو بإحداهما، مع آثار إضافية مثل الحرمان من التعيين الحكومي والمنع من السفر حتى تسوية الموقف.
التعديل الجديد يرفع سقف العقوبات بشكل واضح، فإضافة للغرامة هناك إمكانية للحكم بالحبس لمدة قد تصل إلى سنة. هذا التشديد يُعد تحولًا كبيرًا مقارنة بالعقوبات السابقة التي كانت أقل بكثير، ما يجعل التخلف عن التجنيد أو الاستدعاء مسألة ذات تبعات قانونية ثقيلة على المخالفين.
تجاوز الردع
الموافقة النهائية من مجلس النواب على تعديل قانون الخدمة العسكرية جاءت لتفرض غرامات ومع إمكانية الحبس ضمن تشديد يضع التخلف عن التجنيد أو الاستدعاء في خانة المخالفات ذات الكلفة الباهظة، وهو ما يراه كثيرون خطوة تتجاوز الردع إلى تحميل الشباب أعباء مالية لا يستطيع معظمهم تحملها.
ويأتي هذا التعديل في سياق رغبة الدولة في ضبط ملف التجنيد ومنع التلاعب أو التهرب، خاصة في ظل تزايد حالات التأجيل غير المبرر أو التخلف عن الحضور في مواعيد الاستدعاء. ويُفهم من التشديد أن الحكومة تسعى إلى فرض انضباط أكبر، وإغلاق أي ثغرات قانونية قد تُستغل للتهرب من الخدمة أو من الالتزامات اللاحقة لها.
تبعات اجتماعية وقانونية محتملة
من المتوقع أن يثير القانون نقاشًا واسعًا، خصوصًا بين الشباب الذين يواجهون ظروفًا معيشية أو مهنية قد تجعل الالتزام بمواعيد التجنيد أو الاستدعاء تحديًا حقيقيًا. كما أن الغرامات المرتفعة قد تُشكل عبئًا كبيرًا على المخالفين، ما يجعل الالتزام بالقانون ضرورة لا يمكن تجاهلها. وفي المقابل، قد يساهم التشديد في تقليل حالات التخلف، ورفع مستوى الانضباط في منظومة التجنيد.
رغم أن الحكومة تبرر التعديل بأنه ضرورة لضبط منظومة التجنيد، فإن قطاعات واسعة من المواطنين ترى أن الغرامات المرتفعة تمثل شكلًا جديدًا من الجباية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. فبدل الاكتفاء بعقوبات إدارية أو تنظيمية، أصبح القانون يفرض غرامات قد تعادل أو تتجاوز دخل عام كامل لشاب في بداية حياته.
المهام العسكرية
يُشار إلى أن التجنيد الإلزامي لم يعد مرتبطًا فقط بالمهام العسكرية التقليدية، بل أصبح في حالات كثيرة مرتبطًا بالعمل داخل مصانع الجيش وشركاته أو في منافذ بيع السلع واللحوم التابعة للمؤسسة العسكرية.
وخلال السنوات الأخيرة، من حكم الانقلاب ظهرت شكاوى متكررة من مجندين سابقين وحاليين حول طبيعة المهام التي يُكلفون بها أثناء فترة التجنيد. فبدلًا من التدريب العسكري أو الخدمة في الوحدات القتالية والإدارية، يُنقل بعضهم إلى مصانع تابعة لجهاز الخدمة الوطنية، أو إلى شركات إنتاج غذائي، أو إلى منافذ بيع اللحوم والسلع التموينية. هذا التحول يعكس توسع النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، لكنه يثير تساؤلات حول مدى توافق هذه المهام مع جوهر الخدمة العسكرية.
ويصف كثيرون هذه الظاهرة بأنها استخدام للمجندين كقوة عمل رخيصة داخل مشروعات اقتصادية، سواء في خطوط الإنتاج أو في منافذ البيع المنتشرة في المحافظات. ويؤكد بعض المجندين السابقين أن ساعات العمل طويلة، وأن المهام لا علاقة لها بالتدريب أو الانضباط العسكري، بل تشبه العمل المدني تمامًا، مع اختلاف واحد: أنهم مجبرون على أدائه بحكم التجنيد.
ويخلق هذا الوضع شعورًا بالاستياء لدى الشباب، خاصة أولئك الذين يدخلون التجنيد على أمل اكتساب مهارات عسكرية أو الحصول على فرصة عادلة للخدمة. كما يثير نقاشًا عامًا حول دور الجيش في الاقتصاد، وحول ما إذا كان من المناسب أن يتحول المجندون إلى عمال في مشروعات تجارية بدلًا من أداء مهام عسكرية أو خدمية داخل الوحدات.
يتزامن هذا الحديث مع تشديد العقوبات على المتخلفين عن التجنيد، ما يجعل الشباب يشعرون بأنهم مهددون بعقوبات قاسية في حال التأخير، وفي الوقت نفسه غير متأكدين من طبيعة الخدمة التي سيؤدونها. هذا التناقض بين العقوبة المشددة وطبيعة المهام غير العسكرية هو ما يدفع البعض لوصف الأمر بأنه استغلال للخدمة الإلزامية في أعمال اقتصادية.
ضعف رواتب المجندين
ويشكو كثير من المجندين من ضعف الرواتب التي يحصلون عليها خلال فترة الخدمة، وهي رواتب لا تكفي لتغطية احتياجاتهم الأساسية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. ويضاف إلى ذلك أن بعض المجندين يضطرون إلى شراء جزء من الملابس أو المستلزمات التي يحتاجونها أثناء الخدمة، وهو ما يزيد من العبء المالي على أسرهم، خصوصًا إذا كانوا من خلفيات اجتماعية محدودة الدخل فضلا عن عدم وجود بدلات للتنقل للوصول إلى الوحدات والكتائب التي باتت المصانع وبنزينات البترول أو مكاتب تحصيل كارتات الطرق والكباري.
وإلى جانب ضعف الرواتب، يشعر بعض الشباب بأن المهام التي يُكلفون بها لا ترتبط دائمًا بالعمل العسكري، بل تمتد إلى العمل في مصانع تابعة للجيش أو في منافذ بيع السلع واللحوم. هذا الواقع يجعل الخدمة بالنسبة للبعض عبئًا اقتصاديًا وزمنيًا، بدل أن تكون فترة تدريب أو إعداد مهني أو عسكري، وهو ما يفاقم الإحساس بعدم الجدوى.
ونتيجة لهذه الظروف، يتجه عدد متزايد من الشباب إلى الهجرة قبل سن التجنيد، بحثًا عن فرص عمل مستقرة ودخل أفضل، أو هربًا من التزامات الخدمة التي قد تعطل مسارهم المهني. ويعود بعضهم بعد سن 31 عامًا لتسوية موقفهم القانوني، باعتبار أن هذا الخيار أقل كلفة من البقاء داخل البلاد في ظل غياب فرص اقتصادية كافية.
هذا الوضع يخلق فجوة بين الشباب والدولة، إذ يشعر كثيرون أن الخدمة العسكرية أصبحت عبئًا اقتصاديًا أكثر منها واجبًا وطنيًا. كما أن اعتماد بعض القطاعات الاقتصادية على المجندين يثير نقاشًا حول دور الخدمة الإلزامية، وما إذا كانت تحتاج إلى إعادة تنظيم يضمن العدالة ويحفظ كرامة الشباب ويمنحهم مقابلًا عادلًا لجهدهم.
