تصعيد إقليمي يكشف هشاشة منظومة الطاقة ويعصف بالبورصة والجنيه
تعيش مصر حالة استنفار اقتصادي واسع مع تداعيات الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ من ارتفاع أسعار النفط أو الذهب فقط، بل من قرار إسرائيل وقف ضخ الغاز من حقلي تمار وليفياثان لأجل غير مسمى، وتفعيل بند "القوة القاهرة"، ما فجّر سؤالاً جوهرياً: هل كان ربط أمن الطاقة المصري بمصدر واحد خياراً محسوباً أم مغامرة سياسية باهظة الكلفة؟
التوقف المفاجئ حرم مصر من نحو 1.1 مليار قدم مكعبة يومياً، في وقت يعاني فيه الإنتاج المحلي فجوة واضحة بين 4.1 مليارات قدم مكعبة إنتاجاً ونحو 6.2 مليارات استهلاكاً، ومع اعتماد نحو 80% من محطات الكهرباء على الغاز الطبيعي، بدا المشهد أقرب إلى اختبار قاسٍ لسياسات الطاقة التي توسعت في استيراد الغاز الإسرائيلي خلال السنوات الماضية، تحت شعار "تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة".
لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن المركز الإقليمي بلا اكتفاء ذاتي يظل رهينة قرار سياسي خارج حدوده.
### قفزة الدولار والذهب… والأسواق تترجم القلق
تحرك سعر الدولار إلى 48.8 جنيهاً، بينما تجاوز في سوق الصاغة 50 جنيهاً، في إشارة إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وتوقعات المتعاملين، كما تكبدت البورصة خسائر فادحة، إذ تبخرت أكثر من 100 مليار جنيه من القيمة السوقية خلال دقائق، مع إيقاف التداول على عشرات الأسهم بعد هبوطها بأكثر من الحد المسموح.
الرسالة التي بعثتها الأسواق واضحة: الاقتصاد الذي يعتمد على تدفقات خارجية سواء من السياحة أو الاستثمارات الساخنة أو واردات الطاقة يصبح أكثر هشاشة عند أول صدمة جيوسياسية.
### بدائل مكلفة… مناورة تحت الضغط
الحكومة سارعت إلى إعلان خطط بديلة، شملت رفع إمدادات المازوت لمحطات الكهرباء بنسبة 333%، وتفعيل وحدات الوقود المزدوج بقدرة 2500 ميغاوات، وتشغيل سفن التغييز مثل "هوج" و"إنيرجوس باور" و"إسكيمو" في موانئ السخنة ودمياط والعقبة.
غير أن هذه البدائل، رغم أهميتها التشغيلية، تبقى أعلى تكلفة من الغاز المستورد عبر الأنابيب، ما يعني زيادة فاتورة الاستيراد الدولارية في لحظة شح سيولة، وارتفاع أسعار الشحن والتأمين البحري عالمياً.
بمعنى آخر، ما يتم تقديمه كخطة "جاهزية كاملة للمناورة" هو في الواقع إدارة أزمة، لا معالجة لجذرها.
### هل كان الارتهان مقصوداً؟
خلال السنوات الماضية، جرى الترويج لتوسيع التعاون في شرق المتوسط باعتباره خياراً استراتيجياً يضمن استقرار الإمدادات ويمنح القاهرة ثقلاً إقليمياً. لكن التطورات الراهنة تطرح تساؤلات سياسية واقتصادية: لماذا لم تُعطَ أولوية أكبر لتسريع تنمية الحقول المحلية؟ ولماذا تزايد الاعتماد على الغاز الإسرائيلي بنسبة 8% العام الماضي رغم تراجع الإنتاج المحلي؟
يرى منتقدون أن ربط أمن الطاقة بمصدر يخضع لحسابات عسكرية وسياسية خارجية يعكس خللاً في ترتيب الأولويات، وأن تحويل الغاز إلى أداة شراكة سياسية قد قيّد هامش المناورة المصري في لحظة اشتعال إقليمي.
اقتصاد تحت ضغط مزدوج
المخاطر لا تتوقف عند الكهرباء، ارتفاع أسعار النفط يعني تضخماً مستورداً، وزيادة في تكلفة دعم الوقود أو تمريرها إلى المستهلك، كما أن أي تراجع في إيرادات السياحة أو قناة السويس يضغط مباشرة على الاحتياطي النقدي، ويُضعف قدرة البنك المركزي على خفض الفائدة.
النتيجة المتوقعة:
* ارتفاع فاتورة الواردات
* زيادة الضغوط التضخمية
* استمرار تقلبات سعر الصرف
* بيئة استثمارية أكثر هشاشة
الأزمة الحالية لا تبدو مجرد انعكاس لحرب بعيدة، بل نتيجة تراكم خيارات اقتصادية وسياسية جعلت الاقتصاد المصري أكثر تعرضاً للصدمات الخارجية، وبينما تحاول الحكومة احتواء الموقف عبر إجراءات فنية سريعة، يبقى السؤال الأعمق: هل آن أوان مراجعة استراتيجية الطاقة بالكامل، أم ستُدار الأزمة باعتبارها ظرفاً طارئاً آخر في سلسلة أزمات ممتدة؟
