موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تواتر شهادات نسائية مدعّمة بصور وفيديوهات أدت إلى القبض على عدد من المتهمين، ما جعل الجمهور أكثر حساسية تجاه أي ظهور فني يرتبط بأسماء مثيرة للجدل في هذا الملف.
وأصدرت أسرة مسلسل فخر الدلتا بيانًا أعلنت فيه إزالة اسم أحد مؤلفي العمل (ح.ع) من التتر مؤقتًا بعد انتشار شهادات تتهمه بالتحرش وهاشتاج #مؤلف_فخر_المسلسلات_معتدي، مؤكدة أنها تتعامل مع الاتهامات بجدية إلى حين انتهاء التحقيقات.
وقد جاء البيان بعد موجة غضب واسعة، إذ خرجت نساء يروين تجاربهن معه، مشيرات إلى أنه اختفى لفترة عن الوسط الفني ثم عاد ليُحتفى به في كواليس العمل، ما دفعهن إلى الحديث علنًا. ورغم أن الاتهامات لم يُفصل فيها قانونيًا بعد، فإن قرار حذف اسمه أثار نقاشًا حول الخلط بين الاتهام والإدانة، وحول مدى قانونية حذف اسم مؤلف من عمل شارك فيه.
بعض النقاد المحسوبين على السلطة اعتبروا أن حذف اسم المؤلف من التتر قرار غير دقيق قانونيًا، لأن حقوق الملكية الفكرية لا تُمسّ إلا في حال ثبوت سرقة العمل أو انتحال ملكيته، بينما الاتهامات الأخلاقية—إن كانت خطيرة—لا تبرر حذف اسمه من عمل أنجزه بالفعل. ويقارنون المستوى الأخلاقي لمصر بما يحدث في هوليوود، بزعم أنه رغم كثرة قضايا التحرش فيها، لم تُحذف أسماء متهمين من أعمالهم، مستشهدين بحالات مثل كيفن سبيسي وهارفي واينستين، حيث جرى فصلهما من أعمال مستقبلية دون المساس بأسمائهما في الأعمال السابقة.
وفي موازاة ذلك، عاد اسم الفنان والمخرج تميم يونس إلى الواجهة بعد غياب دام نحو ست سنوات، مع ظهوره في برنامج "الكاميرا الخفية" خلال رمضان. وقد أثارت عودته موجة جديدة من الجدل، إذ يرى منتقدوه أن ظهوره يتجاهل الاتهامات المتداولة ضده في السنوات الماضية، ومنها اتهام طليقته له بالاغتصاب الزوجي، إضافة إلى جدل قديم حول أغنيته "سالمونيلا" التي اتُّهمت بالترويج لخطاب مسيء للنساء. وتطالب أصوات عديدة بإيقاف البرنامج أو اعتذار الفنانات اللواتي ظهرن فيه، خصوصًا من قدّمن أنفسهن كناشطات في قضايا مناهضة العنف ضد المرأة، مثل أمينة خليل، التي أثار ظهورها في البرنامج استغرابًا واسعًا.
في المقابل، يستند المدافعون عن استمرار البرنامج إلى أن تميم يونس لم تصدر بحقه أحكام قضائية، ولم تُحرَّك ضده دعاوى رسمية، وأن الاتهامات المتداولة لا تكفي وحدها لمنعه من العمل. ويشير هؤلاء إلى أن غيابه الطويل عن الساحة كان بحد ذاته نتيجة للجدل الذي أحاط به، وأن عودته لا تعني بالضرورة تجاهل ما أثير حوله، بل قد تكون محاولة لاستئناف نشاطه الفني بعد فترة من الانقطاع.
المعتدون على القاصرات
وتقول تقى خالد Toaa Khaled إن مواقع التواصل شهدت خلال الساعات الأخيرة حالة واسعة من الجدل بعد انتشار هاشتاج #مؤلف_فخرالمسلسلات_معتدي، والذي يرتبط بمؤلف مسلسل فخر الدلتا (ح.ع). وتشير إلى أن جهة الإنتاج قامت بالفعل بحذف اسمه من التتر إلى حين انتهاء التحقيقات، معتبرة أن هذا الإجراء هو الحد الأدنى المتوقع في مثل هذه القضايا. وتنتقد الكاتبة الأصوات التي تحاول تبرير الموقف أو التقليل من خطورته، خصوصًا من يربطون بين “الحق الأدبي” للمؤلف وبين الاتهامات الموجهة إليه، مؤكدة أن الحديث عن حقوق أدبية لا معنى له في ظل اتهامات بالتحرش – وفق ما تذكره – طالت حتى الآن نحو عشرين قاصرًا.
وتتوقف الكاتبة عند من يرددون أن الوقائع “قديمة” أو تعود إلى عشر سنوات، معتبرة أن هذا الطرح يعكس جهلًا بطبيعة الصدمات النفسية التي يتعرض لها الضحايا، وأن الاعتداءات الجنسية لا تخضع لجدول زمني يحدد متى يجب على الضحية أن تتكلم. وترى أن الخلط بين جريمة تحرش وبين نقاش حول “حق أدبي” هو في حد ذاته دفاع عن المعتدي وإهانة للضحايا، على حد وصفها.
وتستشهد بما حدث مع راديو “إنرجي” الذي أعلن سابقًا إلغاء حلقة مع الفنان تميم يونس بعد موجة انتقادات مرتبطة باتهامات تحرش واعتداء، من بينها اتهام طليقته له بالاغتصاب الزوجي في فيديو انتشر على نطاق واسع. وتوضح أن الجدل حوله لم يكن مجرد شائعة، بل ارتبط بفيديوهات واتهامات علنية، رغم أنه سبق أن تحدث بنفسه عن تعرضه لتحرش في سن الثانية والعشرين. وتطرح الكاتبة تساؤلات حول عودته إلى الشاشة في رمضان عبر برنامج “الكاميرا الخفية” على قناة ON ومنصة WatchIt، متسائلة كيف يمكن لشخص محاط بهذا القدر من الجدل الأخلاقي أن يعود إلى برنامج ترفيهي وكأن شيئًا لم يكن.
وتنتقل الكاتبة إلى نقطة تراها الأكثر استفزازًا، وهي ظهور الفنانة أمينة خليل – التي أعلنتها الأمم المتحدة سفيرة لها – كضيفة في برنامج يقدمه شخص عليه اتهامات بالتحرش والاعتداء. وتعتبر أن هذا الظهور يمثل تطبيعًا مع السلوك المسيء، ويرسل رسالة سلبية للفتيات اللواتي كنّ ينظرن إليها كقدوة في قضايا تمكين المرأة ومناهضة العنف. وتؤكد أن الأمر لا يتعلق بخطأ عابر، بل بسلوك يعكس تجاهلًا للأذى وتكبيرًا لصورة المعتدي على حساب الضحية.
وترى الكاتبة أن ما يحدث ليس “هزارًا” ولا “شو إعلاميًا”، بل هو صورة واضحة لكيفية تعامل الوسط الفني مع قضايا الأذى والاعتداء، حيث يتم تجاهل الضحايا بينما يُعاد تقديم المتهمين في مواقع بارزة. وتقول إن السؤال الذي يجب أن يطرحه الجمهور هو ما إذا كانت هناك مسئولية اجتماعية حقيقية عندما يظهر شخص عليه اتهامات تحرش في برنامج ترفيهي رسمي، بينما يتم التشكيك في دوافع الضحايا في كل مرة يتحدثون فيها.
وتختم الكاتبة بأن السؤال المتكرر “لماذا الآن؟” يعكس عدم فهم لطبيعة الإفصاح عن الصدمات، مؤكدة أن “الآن” هي اللحظة التي استطاع فيها الضحايا الكلام، وأن من لا يستوعب ذلك يصبح – من وجهة نظرها – جزءًا من المشكلة وليس الحل.
وعبر عمرو محمد Amr Mohamed وهو محام يعمل في مبادرة (حقي) عن عدم تعجبه من عودة تميم يونس قائلا:"الواحد مش مستغرب إن شخص مدان بسلسلة من وقائع التعدي الجنسي على بنات قصر والتحرش الجنسي، بعد كام سنة سفر يرجع ويعمل مسلسل الناس تفتخر بيه؛ إذا كان فيه متحرش اتصور صوت وصورة طلع في برنامج يحكي عن الواقعة بتاعته وبكل ثقة في نفسه.".
وأضاف "طبعاً منتظر الهجوم على الضحايا اللي اتكلمت بكل شجاعة وسط المجتمع، واتهامهم إنهم ممولين لتشويه المؤلف، وإنها حملة ممنهجة ضده علشان نجاح المسلسل بتاعه"
وحول التحرش في الأيام الأولى من سباق رمضان، كان لبرنامج "رامز ليفل الوحش"، إذ يستمر رامز جلال في مقالبه المعتادة دائماً ومقدماته النارية الساخرة حيناً، ففي حين قبِلت ممثلة تدعى "أسماء جلال" بالمقلب، ولم تعلن غضبها بعد الحلقة من الأذى البدني الذي تعرّضت له، فإن الجمهور تداول محتوى المقدمة ونص التعليق الذي قاله رامز جلال في وصفه لها واعتبروه تحرشاً وإهانة مقصودة، وركزوا على وجه التحديد على الأجزاء التي اتهمها في مقدمة البرنامج بأنها لا تمتلك مواهب تمثيلية، إنما موهبتها تتعلق باشياء أخرى، وعلى رغم أن الحلقة تضمنت سباباً من قبل الممثلة الشابة للفنان المعروف بمقالبه وبالمبالغة في إزعاج الضيف لفظاً وفعلاً.
المثير للدهشة أن شخصًا مثل مصطفى Mostafa Maher Ali استعرض ما يحدث في برنامجي رامز جلال وتميم يونس ويرى أن عودة المتحرشين شيء طبيعي وعادي وأضاف "برنامج رامز جلال مش برنامج مقالب أصلاً، ده برنامج كله فيتشات جن…سية، وكل الممثلين فاهمين ده كويس ..لأن من سنين وسكريبت البرنامج بقى عبارة عن جمل بأسلوب السرسجية والمتحرشين- اللي بيتكرر زي ما هو بقاله كذا سنة على لسان رامز، وكلنا فاهمين كده سواء ممثلين أو جمهور ".
وأضاف أن "برنامج رامز استمر كل السنين اللي فاتت لسبب وحيد، غياب البديل .. أنا حتى مش قادر أفهم إيه حكاية انك تطلع بلوجر ولا تيك توكر جنب الممثلة علشان يتهزق فقط!.. يعني أسماء جلال طول الحلقة بتهزق في اللي معاها في المقلب .. سخرية وتكبر بسبب جسمه .. فالضيف نفسه أصلاً متنمر، والكل قابل التهزيق بسبب الفلوس ".
ويستبيح مصطفى عكس هذه الرؤية مع من استخف برنامج وقال "وبالنسبة لموضوع تميم يونس وأصله متحرش .. معلش يعني يا جماعة رامز اكبر متحرش في مصر كلها، والكل بيشغله علي الفطار، فمش هيبقى تحرش وتقل دم كمان".
وسخرت من مثل هذا الرأي شروق زين Shrouq Zain وقالت: "قيم الأسرة المصرية اللي حفيظتها دائما مثارة من أي حد في طبقة متوسطة أو أقل بيحاول يتسلق اجتماعيا… معندهاش مشكلة مع متحرش مغتصب زي تميم يونس يظهر على الشاشات وقت الفطار .. معندهاش مشكله أن البرامج تستضيف المتحرشين والمعتدين ووريني وقفة الثقة كده .. آه منك يا قيم الأسرة المصرية انتي آه".
وتحوّل الجدل سريعًا إلى الدراما، إذ بدا أن ما يجري على الشاشة امتداد لما يحدث في الشارع، سواء في القصص الاجتماعية التي تتناول العنف ضد المرأة، أو في حملات التفتيش في خلفيات صنّاع الأعمال. ومنذ اليوم الأول للعرض، تصدرت النقاشات دعوات لعدم التسامح مع أي شكل من أشكال التقليل من شأن النساء، حتى لو جاء في سياق كوميدي أو ترفيهي، بينما رأى آخرون أن بعض ردود الأفعال بدت مبالغًا فيها، ما أعاد طرح فكرة الحاجة إلى "كود أخلاقي" واضح للتعامل مع هذه القضايا بدلًا من القرارات الارتجالية.
يشهد موسم رمضان في مصر هذا العام حالة غير مسبوقة من التداخل بين قضايا التحرش في الواقع وما يظهر على الشاشة، إذ جاءت الأيام الأولى من الشهر محمّلة ببيانات رسمية وقرارات استباقية تتعلق باتهامات طاولت مشاركين في صناعة الأعمال الدرامية.
وتكشف هذه التطورات عن حالة ارتباك واضحة في الوسط الفني بين الرغبة في الاستجابة لضغط الجمهور، وبين الالتزام بالقواعد القانونية التي تفصل بين الاتهام والإدانة. كما تعكس حاجة متزايدة إلى وضع معايير مهنية واضحة للتعامل مع قضايا التحرش داخل الصناعة، بحيث لا تتحول القرارات إلى ردود فعل عاطفية، ولا يُسمح في الوقت نفسه بتجاهل شهادات الضحايا أو التقليل من شأنها.
