تضييع للأبناء .. مراقبون: مواد الحضانة و(الوصاية) تكشف عمق أزمة قانون السيسي

- ‎فيتقارير

 

تصدّر مشروع قانون الأسرة الجديد في مصر واجهة النقاش العام، ليس فقط بسبب تعديلاته المتعلقة بالزواج والطلاق، بل أيضا بسبب المواد المرتبطة بالحضانة والوصاية، التي أعادت فتح ملف اجتماعي شديد الحساسية. فبينما ترى الحكومة أن المشروع يمثل تحديثًا ضروريًا للمنظومة القانونية، جاءت ردود الفعل من باحثين شرعيين وقانونيين وخبراء اجتماعيين لتكشف عن فجوة واسعة بين ما يطرحه السيسي أو يفرض عليه من دوائر بعينها اعتادت اللعب في قانون الأحوال الشخصية في الغرف المغلقة وما يعيشه الناس من واقع.

واشار مراقبون إلى أن المشلكة حول مشروع قانون الحضانة ليست في النصوص التي شملها وحدها، بل في غياب رؤية شاملة توازن بين حقوق الطفل وحقوق الأبوين. فبين من يرى أن القانون منحاز للأمهات، ومن يرى أنه يظلمهن عند الزواج، ومن يعتبره تمييزيًا في مسائل الدين، يبدو أن المشروع يعيد إنتاج الأزمة بدل حلها.

وفي ظل استمرار النزاعات الأسرية، وتعدد الرؤى المتناقضة، يبقى الطفل هو الطرف الأكثر تضررًا، بينما يظل القانون بحاجة إلى مراجعة عميقة تضع مصلحة الصغير فوق كل اعتبار.

 

تثبيت القواعد القديمة وتجدد الجدل
 

وأعاد مشروع القانون الجديد للأحوال الشخصية طرح قضية سن الحضانة وترتيبها، وهي من أكثر القضايا التي أثارت خلافًا واسعًا بين النساء والرجال والقانونيين. فقد حسمت المادة 118 سن الحضانة عند 15 عامًا ميلاديًا للذكور والإناث، وهي السن الذي ينتهي معه حق الحضانة وأجرها، بعد سنوات من الجدل حول مقترحات لتخفيض السن إلى 7 سنوات للذكر و9 للأنثى.

كما منحت المادة 119 الطفل بعد انتهاء سن الحضانة حق اختيار الإقامة مع من يريد حتى بلوغ الولد سن الرشد وبلوغ البنت سن الزواج، وهو ما اعتبره البعض خطوة إيجابية لضمان حرية الطفل، بينما رأى آخرون أنه يفتح بابًا لصراعات جديدة داخل الأسرة.

ووضع مشروع القانون استثناءات في حال إصابة الطفل بمرض جسدي أو عقلي يمنعه من رعاية نفسه، حيث تستمر الحضانة للنساء بعد بلوغ أقصى سن للحضانة مراعاةً لمصلحة الطفل.

أما ترتيب الحضانة فجاء وفق المادة 115 للأم أولًا ثم الأب ثم المحارم من النساء، مع منح المحكمة سلطة تجاوز هذا الترتيب إذا اقتضت مصلحة الطفل ذلك.

مادة تزيد الانقسام

ونقلت منصة "صحيح مصر" عن خبراء رأيهم في أن طرح قضية سقوط الحضانة عند الزواج، من خلال مشروع القانون الذي يسقط الحضانة عن الأب أو الأم إذا تزوجا من غير محرم للصغير، لكنه يستثني الأم في حالتين: إذا كان الطفل لم يبلغ السابعة، أو إذا كان يعاني من إعاقة تجعل حضانته مستعصية على غيرها.

وهذا الاستثناء أثار اعتراضات واسعة من بعض الآباء الذي يرون القانون “يسمح بترك الأطفال لرجال غرباء” مثل زوج الأم، بينما لا يمنح الأب الحق نفسه إذا تزوج، معتبرين النص “غير عادل” لأنه يفترض أن الأمهات أقل حاجة للزواج من الآباء، وهو ما يراه تصورًا غير واقعي.

على الجانب الآخر، ترى مطلقات، أن حرمان الأم من الحضانة عند السابعة فقط بسبب الزواج “عقاب غير مبرر”، مؤكدة أن الأم هي القائمة بالرعاية سواء تزوجت أم لا، وأن القانون يعاقب النساء اللاتي يقررن بدء حياة جديدة.

إشكالية دستورية واضحة

واوضحت أن المادة 117 من مشروع القانون لها انتقادات قانونية واسعة، إذ تشترط ألا تختلف الحاضنة في الدين عن الطفل بعد بلوغه سبع سنوات. ووصفت محامية وباحثة قانونية هذا النص بأنه “تمييز ديني غير دستوري”، مؤكدة أن الأمومة والرعاية لا ترتبطان بالدين، وأن النص يفتح الباب لنزاعات جديدة داخل الأسرة. ورغم إشادتها بترتيب الأب في المرتبة الثانية باعتباره خطوة إيجابية، إلا أنها اعتبرت أن تحديد سن الحضانة عند سبع سنوات فقط في حال زواج الأم “يحرم الطفل من حقه الطبيعي في رعاية أمه حتى سن 15 عامًا”، ويعاقب الأمهات دون مبرر.

القانون لا يكفي وحده

من منظور نفسي، ترى الأخصائية ريهام أن الجدل الحاد حول قضايا الحضانة ينعكس سلبًا على الأطفال، سواء على المدى القريب أو البعيد. وتشدد على ضرورة أن تكون المصلحة الفضلى للطفل هي الأساس في أي قرار، وأن يتم تأهيل الأبوين نفسيًا عند الطلاق لضمان عدم استخدام الطفل كأداة للصراع. وتؤكد ريهام أن الأمهات غالبًا هن الأكثر قدرة على تقديم الرعاية، لكن ذلك لا يمنع وجود استثناءات، ما يستدعي قانونًا مرنًا يسمح باختيار الطرف الأصلح دون تحيز مسبق.

 

https://x.com/SaheehMasr/status/2051729790554579106
 

ضحك على الذقون

يرى الباحث في مقاصد الشريعة سيف النصر علي عيسى أن مشروع قانون الأسرة الجديد الذي قدمته الحكومة لا يعالج المشكلات القائمة، بل يزيدها تعقيدًا. ويعتبر أن رفع سن الحضانة إلى 15 عامًا للذكر والأنثى، مع بقاء الولاية للحاضنة حتى زواج البنت، يعني – بحسب تعبيره – “إلغاء دور الأب تمامًا” في التربية والتأديب، وهو ما يؤدي إلى نشأة جيل “تربيته أحادية الجانب” لا يعرف الانتماء أو الانضباط. ويؤكد أن هذا الترتيب يخالف الشريعة والعقل والتجارب الاجتماعية.

ويشير عيسى إلى أن إلزام الأب بتوفير مسكن للمحضون أو دفع إيجار مرتفع للحاضنة يمثل ظلمًا شديدًا، خاصة في ظل دخول محدودة، معتبرًا أن القانون “يعدم الرجل بصورة أخرى” ويجعله عاجزًا عن الزواج أو الاستقرار. كما ينتقد النص الذي يعفي السلطات من تنفيذ حكم الاستزارة جبريًا، ويرى أنه يعيد إنتاج أزمة “قانون الرؤية الفاسد”، ويجبر الأب على اللجوء للقضاء في كل مرة.

ويصف ترتيب الحضانة الذي يضع الأب بعد الأم بأنه “خداع”، لأن الأب – وفق رأيه – لا دور له فعليًا طوال 15 عامًا سوى الدفع المالي، ما يجعل الأبناء غير بارّين به. كما ينتقد السماح للحاضنة بوقف الاستزارة لفترات متكررة، معتبرًا أن ذلك “ضحك على الدقون”. ويخلص إلى أن القانون يحمل “مواد نسوية انفجارية” تضر بالرجل والطفل والمجتمع، ويشبّهه بقانون الخلع الذي وصفه بـ“قانون سندس”، بينما يسمي القانون الجديد بـ“قانون سونيا”. ويحمّل حزب الأغلبية مسئولية تمريره، مختتمًا بقوله: “ولك الله يا مصر”.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=26670019422647933&set=a.1886421101434442

 

رؤية اجتماعية

تقدم المحامية رحاب التحيوي قراءة مختلفة، إذ تركز على أن المشكلة ليست فقط في مواد القانون، بل في “طريقة تفكير الحكومة” في الملف الأسري. وتقول إن معالجة قضايا الأسرة من داخل “غرف مغلقة” دون الاستماع إلى نبض الشارع يجعل أي جهد تشريعي “هباءً منثورًا”. وتعتبر أن أول الملفات التي يجب التعامل معها بجدية هو “تخفيض سن الحضانة ووضع ضوابط عادلة”، مع ضرورة النظر إلى الأسرة كوحدة كاملة تشمل الطفل والأم والأب، وتحقيق توازن حقيقي بين الأطراف.

وتنتقد رحاب التحيوي بشدة فكرة “الاستزارة الإلكترونية”، معتبرة أنها غير عملية وغير قابلة للتطبيق، وتتساءل عن كيفية إثبات امتناع الأم عن فتح الكاميرا، أو التعامل مع ضعف الإنترنت، أو ظروف العمل، أو عدم قدرة بعض الأسر على توفير أجهزة مناسبة. وتشير إلى أن الدولة نفسها تعاني من ضعف البنية التحتية في امتحانات الثانوية العامة، فكيف ستنجح في تطبيق نظام إلكتروني للاستزارة؟

 

وترى أن أي محاولة للالتفاف على إقرار “الاستضافة” كحق أصيل للأب لن تحقق أي تقدم. لكنها في الوقت نفسه تؤيد بعض النقاط، مثل وجود “عقد منظم” للمسائل الخلافية بين الزوجين يُحرر مع عقد الزواج ويكون ذا صيغة تنفيذية، بشرط ألا يخالف الشريعة أو القانون. وتؤكد أن هذا الاقتراح جزء من رؤيتها التي طرحتها سابقًا، وأن تنظيم الخلافات قبل الزواج خطوة ضرورية لتقليل النزاعات لاحقًا.

الرابط: 
https://www.facebook.com/photo?fbid=934884222871139&set=a.119833927709510

ويطرح الدكتور أحمد أبو الدهب موقفًا أكثر شمولًا، إذ يطالب بإنشاء “المجلس القومي للأسرة المصرية” كجهة مستقلة تتولى وضع سياسات عادلة ومتوازنة. ويرفض القانون الحالي للأحوال الشخصية بالكامل، وليس مجرد تعديله، لأنه – وفق رأيه – “يغيّر أحكامًا منصوصًا عليها في القرآن”، وهي أحكام لا يجوز فيها الاجتهاد. ويعتبر أن القانون يمنح المرأة حقوقًا غير منصوص عليها شرعًا، مثل القوامة والولاية والنفقات الموسعة، إضافة إلى الشقة وقائمة المنقولات، والطلاق والخلع بالإجبار.

 

ويستشهد أبو الدهب ‏‎Dr Ahmed Aboeldahab‎‏  بقصة خلع امرأة في عهد النبي ﷺ، حيث أعادت للزوج الحديقة التي كانت مهرًا، معتبرًا أن الخلع في الشريعة لا يتم إلا برضا الزوج، وأن القانون الحالي يخالف ذلك. ويوجه رسالة إلى المحامين والقضاة والشيوخ الذين يرون أن القانون غير شرعي، داعيًا إياهم إلى توعية النساء بأن اتباع قانون يخالف الشريعة “لا يعفي من المسئولية أمام الله”، وأن من تتبع القانون المخالف “تشتري متعتها في الانتقام وتبيع آخرتها”.

https://www.facebook.com/photo/?fbid=1483497729804067&set=a.580708823416300