الرياض والقاهرة تعودان لقهر الستينيات.. مراقبون: حجب الحسابات استبداد رقمي لن يحجب الزخم الجماعي

- ‎فيتقارير

في خطوة عابرة للحدود، تضافرت جهود الأجهزة الأمنية والقانونية في كل من القاهرة والرياض لفرض موجة غير مسبوقة من الحظر الجغرافي وحجب الحسابات الرقمية للمعارضين والمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي الكبرى مثل "إكس" و"ميتا". وهذا التنسيق الرقمي القمعي يراه مراقبون بمثابة نكوص واضح، حيث تحاول العاصمتان استدعاء أدوات السيطرة الشمولية وتطويعها لخدمة أهدافها السياسية؛ مما يكشف بوضوح عن نموذج جديد من القمع العابر للحدود، تستخدم فيه الأنظمة السلطوية نفوذها السياسي والاقتصادي للوصول إلى شركات التكنولوجيا العالمية نفسها، وتحويل الفضاء الرقمي من مساحة حرية وانفتاح إلى ساحة مراقبة وإسكات للمعارضين أينما كانوا.

 

استراتيجية عزل الشارع وضرب الكتلة الحرجة

وباستطلاع آراء خبراء ومراقبين للشأن السياسي، أوضحوا أن قرارات حجب وحظر بعض الحسابات الرقمية والمؤثرة داخل مصر تتبع استراتيجية أمنية مدروسة تهدف بالأساس إلى فرض السيطرة وعزل الشارع لمنع تشكل أي زخم جماعي. وتستهدف هذه السياسة قطع قنوات الاتصال والتوجيه اللحظي بين صناع المحتوى والجمهور، خوفاً من تحول حالة الاحتقان الفردي السائدة بسبب الظروف الاقتصادية والحياتية الطاحنة إلى موجة غضب جماعية منظمة، مما يجعل الحظر محاولة لفرض حصار معرفي كامل يدفع الناس نحو استهلاك رواية رسمية واحدة لا شريك لها.

وفي المقابل، تؤكد الشواهد أن خطط التأميم الرقمي تواجه تحديات حقيقية أمام الوعي التكنولوجي للأجيال الحالية، حيث لم يعد الحظر الجغرافي عائقاً كافياً لمنع تدفق الأفكار العابرة للحدود؛ إذ يلجأ المستخدمون بشكل واسع ومستمر إلى وسائل تقنية بديلة مثل تطبيقات الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، وتغيير خوادم الـ DNS، والاعتماد على بروكسيات التليجرام لكسر الحصار المعرفي، مما يحول المواطن من مستهلك مستسلم يتلقى الرواية الحكومية، إلى شريك فاعل وعنيد في الوصول إلى المعلومات المحجوبة.

علاوة على ذلك، أدت آليات الحجب المتتالية إلى خلق ميكانيزمات دفاعية رقمية سريعة تتجاوز الإجراءات البيروقراطية الرتيبة، من خلال الاعتماد على منصات بديلة وحسابات احتياطية وشبكات إعادة نشر فورية للمحتوى على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي مثل تيك توك وإكس وسناب شات. وتحول هذا السلوك بدوره إلى حافز عكسي يدفع المواطن العادي للبحث والتدقيق لمعرفة المحتوى المخفي، مما يجعل من سياسات الحظر أداة تُسهم دون قصد في زيادة الفضول العام وكسر الحواجز التقليدية للوصول إلى الحقائق الكامنة وراء جدران الحجب.

ويرى المتابعون أن لجوء الأنظمة الحاكمة في القاهرة والرياض إلى سلاح "الحجب الجغرافي" وحظر الحسابات الشخصية يمثل إعلاناً صريحاً ومحرجاً عن الإفلاس التام للحكومات ومشاريعها السياسية والاقتصادية، وعجز لجانها الإلكترونية ومغرديها الرسميين عن مواجهة الحجة بالحجة أمام روايات المعارضة والناشطين مستقلين. ويشيرون إلى أن هذه السياسات التي تحاول إحياء عقلية الحجر السبعينية والستينية في زمن الفضاءات المفتوحة والذكاء الاصطناعي، تثبت يوماً بعد آخر فشلها الذريع؛ إذ يتحول الحظر من أداة حجب وتعمية إلى مادة تثير الفضول وتدفع المواطن قسراً للبحث عن الحقائق البديلة، ليصبح "زر الحظر" نفسه أكبر دليل إدانة على ارتباك السلطة وخوفها من قوة الكلمة الحرة.

 

الكلمة تؤثر وتوجع السلطة

وتشهد الساحة السياسية والإعلامية في الشرق الأوسط تحولاً دراماتيكياً متسارعاً يعيد صياغة العلاقة بين السلطة الحاكمة والمواطن في الفضاء الافتراضي، جاءت فيه ردود أفعال أصحاب الحسابات المستهدفة والمؤثرين لتؤكد فشل هذه المنظومة الأبوية في احتواء الوعي العام؛ إذ علق الإعلامي أيمن عزام عبر حسابه الرسمي على الحملة التي تستهدفه مع آخرين بسبب مواقفهم السياسية، مستنكراً تصريحات الإعلامي نشأت الديهي حول حظر الحسابات لحماية المستهلك، ومذكّراً بقضايا الحجب السابقة ضده في إسرائيل والإمارات، ومؤكداً أن عصر الوصاية قد انتهى:

    @AymanazzamAja: "..الإعلامجي السيساوي نشأت الديهي يقول في برنامجه: إن هناك قوائم جديدة لحسابات وصفحات سيعلن قريباً عنها أنه سيتم حظرها من التداول في مصر.. طيب احموا المستهلك من فساد الغذاء وغلاء الدواء ونار الأسعار وتلوث الماء الأول.. واتركوا للناس تختار أفكارها دون وصاية.. مضى عصر الحكومة الأبوية وسلطة الحجر على العقول.. مضى زمن الستينات يا نشأت.. مضى ولن يعود.. لن يعود".

https://x.com/AymanazzamAja/status/2058622600977289547

 

وفي ذات السياق، شاركت الصحفية شيرين عرفة قراءتها للمشهد عبر حسابها، معبرة عن تحول شعور اليأس والإحباط الناتج عن القبضة الأمنية وقيود المنصات إلى طاقة جديدة للإصرار على التدوين والكتابة، بعد أن رأت رعب الأجهزة الرسمية من مجرد حسابات شخصية لأفراد:

    @shirinarafah: "..تجد خبراً كهذا، دولة بحكومتها ونظامها الحاكم، بهيئاتها القضائية ومؤسساتها الرسمية تتحرك بشكل عاجل لإصدار قرار بحجب حسابات شخصية لأفراد على منصات التواصل.. وعن كون المحظورات حسابات شخصية ليست صحفاً ولا قنوات فضائية.. لكنهم أزعجوا بشدة الحكومة.. وها نحن نراها تسعى بكل قوة وغشم لمنع صوتهم من الوصول لآذان وعقول المصريين!! الكلمة مؤثرة؟.. الكلمة بتوجعهم؟؟ الكلمة تؤثر في وعي الجماهير.. إذن…. نتكلم".

https://x.com/shirinarafah/status/2057650619037397147

 

ومن منظور تحليلي استراتيجي، يضع حساب "سياسي مخضرم" يده على عمق الأزمة الأمنية، موضحاً أن الحجب يعتمد على "هندسة الخوف" لضرب المحفز والاتصال اللحظي والشعور بالجمع تفادياً للكتلة الحرجة، لكنه يفشل تقنياً أمام جيل يستخدم الـ VPN والبروكسيات:

    @Veteran_Politc: "حجب الحسابات دي جوه مصر -وفي التوقيت ده- مبني على استراتيجية أمنية واضحة ومخطط ليها بدقة.. النظام مش خايف من الكلمة في حد ذاتها، هو مرعوب من الزخم اللي الكلمة دي بتعمله.. لكن خطة التأميم الرقمي دي، على خطورتها، بتغفل حقيقة مرعبة لأي نظام شمولي: الفضاء الإلكتروني زي المية، ملوش غطا.. تطبيقات الـ VPN بمختلف أنواعها، وتغيير خوادم الـ DNS، والاعتماد على بروكسيات التليجرام، بقت أبجديات في تليفون أصغر شاب في الشارع المصري.. فينقلب السحر على الساحر، ويتحول الحظر من أداة للسيطرة، لشرارة بتدفع الناس لكسر حاجز الخوف والبحث عن الحقيقة البديلة".

 

https://x.com/Veteran_Politc/status/2058590006751514930

 

مرحلة الهلع وقوائم الحجب

وتتزايد المؤشرات التي تؤكد دخول السلطة الحاكمة في مصر مرحلة متقدمة من "الهلع" السياسي؛ وبحسب ما رصدته وتداولته منصة "وطن يغرد"، فإن النظام لم يعد يكتفي بمطاردة الأشخاص الفعليين بل أضحى يطارد ظلالهم الرقمية وأصواتهم داخل جيوب المواطنين، في مشهد سريالي يتزامن مع غرق البلاد في أزمات الديون، وارتفاع الأسعار الجنوني.

وعلى الجانب الإداري، سادت حالة من التخبط التنظيمي؛ حيث نُسب القرار تارة إلى جهات قضائية عليا، وتارة إلى "نيابة الشئون الاقتصادية وغسل الأموال"، ووزارة الإعلام، أو الهيئة الوطنية للإعلام، والمحصلة هي صدور أوامر مباشرة من عبد الفتاح السيسي لاتخاذ إجراءات قانونية لحجب عدد واسع من الصفحات. وتسربت قوائم إعلامية تضم أكثر من 11 شخصية معروفة برفضها للنظام منذ عام 2013، بالإضافة إلى منصات (مزيد، ميدان، ورصد)، ومن أبرز الأسماء: الشيخ وجدي غنيم، والشيخ محمد الصغير، والشيخ سلامة عبد القوي، والإعلامي معتز مطر، والفنان خالد أبو النجا، والناشط بهجت صابر، والأكاديمي محمد مختار الشنقيطي، والصحفي نظام المهداوي، والناشط أنس حبيب، والصحفي قطب العربي، والطبيب حمزة زوبع، والمحامي عمرو عبد الهادي، والإعلامي عماد بحيري، والشيخ عصام تليمة.

 

تزامن خليجي وتورط شركات التكنولوجيا العالمية

لم يكن مشهد الحجب مقتصرًا على مصر، بل جاء متزامناً مع إجراءات مماثلة في الخليج؛ حيث طلبت الرياض من منصة "إكس" حجب حساب "نحو الحرية" جغرافيّاً داخل المملكة. وانصاعت شركة «ميتا» للضغوط وحجبت حسابات منظمات حقوقية مثل «القسط لحقوق الإنسان» و«الديوان الديمقراطي»، وحسابات الباحث عبد الله العودة والمدافع الحقوقي يحيى عسيري على «فيسبوك» داخل السعودية منذ 30 نيسان 2026، بالتزامن مع قيود مماثلة في الإمارات طالت أكاديميين ومفكرين.

وقد أدانت منظمات حقوقية دولية مواقف شركة "ميتا" واعتبرتها ذراعاً تنفيذية للحكومات القمعية؛ إذ كشفت تقارير الشفافية للشركة عن تقييد أكثر من 100 صفحة وحساب على منصتي «فيسبوك» و«إنستغرام» منذ مارس 2026، بذريعة قوانين جرائم المعلوماتية، وتزامن هذا التضييق مع العمليات العسكرية الإقليمية المتمثلة في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران والتي بدأت في 28 فبراير.

وفي هذا الصدد، استعرضت صحيفة «الجارديان» البريطانية الانقسام حول حجب المعارضين السعوديين في الداخل والخارج (مثل عبد الله العودة وعمر عبد العزيز)؛ بين رواية رسمية تتذرع بحماية النظام العام، وتنديد حقوقي يتهم شركات فيسبوك وإنستجرام وسناب شات بالتحول لأدوات تخدم مقصلة الرقابة الحكومية وتكريس نموذج متطور من القمع العابر للقارات لضرب الوعي التراكمي وإسكات المعارضين أينما كانوا.