شهادة عبد الحافظ الصاوي: 60 شهيدا في مذبحة ميدان مصطفى محمود

- ‎فيتقارير

وحدثت مذبحة مسجد مصطفى محمود في محيط الميدان والمسجد بمنطقة المهندسين في محافظة الجيزة، بالتزامن مع يوم فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس 2013.

وشهد محيط المسجد ومشارف شارع جامعة الدول العربية والبطل أحمد عبد العزيز اشتباكات موسعة وكرّ وفرّ بين قوات الأمن ومؤيدي الرئيس المنتخب د.محمد مرسي الذين نظموا مسيرات وحاصروا المنطقة بالحواجز الحجرية.

وتُعد شهادة الكاتب والباحث الاقتصادي والسياسي عبد الحافظ الصاوي واحدة من الوثائق التاريخية الحيّة التي تسلط الضوء على جانب دقيق ومحوري من أحداث 14 أغسطس 2013، يوم فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في مصر.

وعلى الرغم من أن البوصلة العامة كانت متجهة نحو الميدانين الرئيسيين، إلا أن هذه الشهادة (كنت في ميدان مصطفى محمود يوم الفض) تأخذ القارئ في رحلة مكانية ونفسية وإنسانية موازية إلى ميدان مصطفى محمود بالمهندسين، والذي تحول في تلك اللحظات العصيبة إلى مسرح بديل للاحتشاد والمواجهة، وإلى نقطة تجمع لآلاف المعارضين الهاربين من جحيم الفض أو الراغبين في إسناد الموقف الميداني.

بوادر الاحتقان المجتمعي

 

تبدأ الشهادة منذ اللحظات الأولى لورود أنباء الفض صباحاً بعد صلاة الصبح، حيث تحرك الكاتب Abdelhafez Elsawi رفقة نجليه (طارق وأحمد) نحو ميدان مصطفى محمود. وما يميز هذا الجزء من الشهادة هو رصده الدقيق لردود الفعل داخل الشارع المصري منذ لحظة ركوب "الميكروباص" من مدينة 6 أكتوبر؛ فقد كان الركاب في مجملهم متوجهين إلى مناطق الاعتصام، في انعكاس واضح لحالة الاستقطاب الشعبي الحاد آنذاك.

 

تبرز الواقعة التي ذكرها السائق حين ردد كلمات مسيئة ومستفزة للركاب مثل "يلى خالي البلد تنضف"، ورد فعل الركاب الغاضب والجماعي عليه ليلزم الصمت حتى محطة النزول عند مطلع كوبري 15 مايو، هذا المشهد المصغر يعكس حالة الاحتقان السياسي والنفسي التي كانت تعصف بالمجتمع المصري بأسره في ذلك الصيف الساخن، حيث لم تكن المواجهة مقتصرة على الميدان فحسب، بل امتدت لتشمل كل تفاصيل الحياة اليومية ووسائل النقل العامة.

نحو الميدان وصدمة الرصاص الحي

 

سلك الكاتب وأبناؤه مسارات جانبية لتفادي الطوق الأمني المكثف، مارين من خلف فندق النبيلة وشارع البطل أحمد عبد العزيز حتى بلغوا ميدان مصطفى محمود. وهناك، وجدوا أعداداً غفيرة تتوافد وتتزايد تدريجياً، لتبدأ الفاجعة الكبرى حين حاصرت قوات الأمن الميدان وأمطرت المتظاهرين بالرصاص الحي من مختلف الاتجاهات.

 

وفي خضم هذه الفوضى الدموية، تبرز روح المبادرة والتكافل الإنساني؛ حيث التقى الصاوي بأساتذة من كلية الطب وابنه الطبيب، ليتداعى الأطباء والكوادر الطبية بشكل فوري وعفوي لإنشاء مستشفى ميداني ضيق الإمكانيات داخل حجرتين بمستوصف مصطفى محمود، يعكس هذا الموقف طبيعة الإدارة الذاتية للأزمات لدى المتظاهرين، والذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام أعداد هائلة من الإصابات والشهداء دون وجود أي غطاء طبي رسمي أو إسعافي كافٍ، فاعتمدوا على الجهود التطوعية البحتة، مستخدمين وسائل بدائية مثل الدرجات النارية لنقل الجرحى والمصابين إلى العيادات والمستشفيات الخاصة.

الضغوط النفسية وأتون المعركة

 

وسط دوي الرصاص وأزيز قنابل الغاز المسيل للدموع، تلقى الكاتب اتصالاً هاتفياً من إذاعة البي بي سي (BBC) بصفتها ممثلاً للإخوان المسلمين. ويُظهر هذا الموقف طبيعة الاشتباك الإعلامي المرافق للحدث؛ حيث سجل الصاوي موقفاً غاضباً من الانحياز التحريري للمذيعة، فحمّل المسؤولية المباشرة عن إراقة الدماء لمن شاركوا في اجتماع 3 يوليو 2013، ثم أغلقت الهاتف في وجهها، هذا الموقف يجسد حالة الغليان العاطفي والسياسي التي كانت تسيطر على قيادات التيار الإسلامي والمتظاهرين حينها، وشعورهم بالخذلان والعزلة الدولية والمحلية في مواجهة آلة القمع.

 

على الصعيد الإنساني والشخصي، تعرض الكاتب لهزات نفسية متتالية عبر تتابع الأنباء المؤلمة؛ بدءاً من حصار كلية الهندسة وأخبار فض النهضة، مرورا باستشهاد أسماء البلتاجي وحبيبة أحمد عبد العزيز، وصولاً إلى الفاجعة الأقسى: استشهاد الشاب حسن البنا عيد حسن، الابن الوحيد لأخيه، وينقل لنا الصاوي تفاصيل بالغة التأثير عن هذا الاتصال الذي أجراه للتأكد من الخبر، وكيف تلقى والد الشهيد النبأ بالصبر والاحتساب بينما انخرط هو في البكاء متأثراً بعمق الفاجعة الأسرية والمجتمعية.

إدارة الأزمة حتى المساء

 

قُبيل صلاة الظهر، حاول الحاضرون تنظيم الصفوف عبر إقامة منصة أدارها الشيخ عصام تليمة، وشهد الميدان حضور دعاة بارزين مثل الشيخ محمد حسان والشيخ حسين يعقوب، ويسجل الصاوي بدقة لقطة إغماء الشيخ محمد حسان بعد إلقائه كلمة قصيرة نتيجة الاختناق بقنابل الغاز، ونقله العاجل عبر سيارة إسعاف خارج الميدان، وهو ما يعكس ضراوة الهجوم الأمني وحجم الغازات المستخدمة في تفريق المحتشدين.

 

ومع تزايد أعداد شهداء الميدان لتصل إلى نحو 60 شهيداً، وتجاوز المستشفى الميداني لطاقته الاستيعابية، بلغ الإرهاق الجسدي والنفسي ذروته بالكاتب، مما اضطره بعد عصر ذلك اليوم إلى الإفطار (وكان صائماً في ست شوال) نتيجة الجفاف الشديد وضعف الحركة.

الانسحاب التكتيكي والعودة

مع اقتراب غروب الشمس، أدرك العقلاء من المعتصمين أن البقاء للمبيت في ميدان مصطفى محمود يكفله كشف العمارات المحيطة بشكل كامل للمهاجمين، وهو ما يعني تصفية كاملة للمتواجدين، وبناءً على ذلك، تم التوافق على الانسحاب التكتيكي والخروج في مجموعات صغيرة باتجاه شارع السودان تفاديًا للاعتقال أو القتل، بحسب الكاتب.

وتختتم الشهادة برحلة العودة المؤلمة إلى مدينة 6 أكتوبر، حيث ساد الوجوم وجوه المواطنين، ومرت الرحلة عبر نقاط تفتيش أمنية نصبها الجيش على الطرقات، تلتها متابعة للمشهد المأساوي العام المتمثل في حصاد الأرواح والاعتقالات الواسعة في سائر الميادين. وتُختتم الشهادة بعبارة استنصار واستسلام إبستمولوجي للقدر: "اللهم إنا مغلوبون فانتصر".

ولا تقتصر أهمية شهادة عبد الحافظ الصاوي على كونها سردًا سرديًا لذكرى شخصية، بل تكمن في قيمتها التوثيقية الدقيقة لجزئية غالباً ما تم تجاوزها في الأدبيات السياسية التي ركزت حصرياً على رابعة والنهضة. فقد أثبت ميدان مصطفى محمود أنه كان حلقة وصل أساسية في خارطة ذلك اليوم الدموي، ونموذجًا مصغرًا لملحمة الإدارة الشعبية للأزمات، والتكاتف الإنساني تحت وطأة الرصاص والموت، مما يجعل هذه الشهادة مرجعًا لا غنى عنه لكل باحث أو مؤرخ يريد تفكيك تفاصيل ذلك التاريخ المفصلي في الذاكرة السياسية المصرية المعاصرة.