تحولت الإمارات، وتحديداً إمارة دبي، إلى المركز الاستراتيجي واللوجستي الآمن لإدارة وتوجيه الجزء الأكبر من ثروة رجل الأعمال نجيب ساويرس المهاجرة خارج مصر، ويرتبط هذا التحول الهيكلي بطبيعة المحفظة الاستثمارية للرجل، حيث يمثل الذهب وحده نحو 70% من ثروته الشاملة ويفسر ذلك أيضا تصريحه الأخير الذي لم ننتقده نحن فقط بل وكهنة الإنقلاب وعرافوه أن "الشيخ محمد بن زايد الأب الروحي لمصر"، ويفسر عشرات التعليقات التي دافع فيها أولا عن الإمارات وهاجم بالمقابل أعداءها الإخوان وحماس وغيرهما.
ويقود ساويرس عمليات تعدينية وتنقيبية ضخمة حول العالم، عبر شركته "لامانشا" (La Mancha) وأذرعه الاستثمارية كـ "أوراسكوم للاستثمار"، بحجم استثمارات مباشر يتجاوز 1.5 مليار دولار تمتد من غرب إفريقيا إلى أستراليا ومصر والسودان. وتعتبر دبي المركز العالمي الأبرز لتجارة الذهب وتسييله؛ ومن هنا تلتقي مصالح ساويرس التعدينية مع البنية التحتية والمالية للإمارات برعاية شيطان العرب وإدارة حكمه التي يطل منها دحلان وتوني بلير.
ويفسر هذا التداخل المالي العميق التصريحات السياسية المثيرة للجدل لساويرس، حيث "الأب الروحي لساويرس" يكشف براجماتية (المعلم يعقوب 2026) لحماية ثرواتهم وتوطيد علاقاتهم مع مراكز القرار الحاضنة لمشاريعهم (كمشروع يترقب الفرصة للانقضاض من أسيوط وتسميتها العاصمة وإن ادعوا غير ذلك).
وتعاظم دور ساويرس في شبكات المصالح الإقليمية جعله مادة لتقارير ساخنة؛ حيث تشير شهادات لراصدي المرحلة الحرجة إلى معلومات استخباراتية تزامنت مع الأزمة الخليجية السابقة، حيث مخططات التدخل أو الانقلاب على الدوحة (والتي أُحبطت بالتدخل العسكري التركي السريع) كانت تستعين في أوقات سابقة بـ "خلايا نائمة" أو شبكات تابعة لساويرس في قطر لجمع المعلومات ومراقبة التحركات وتحضير الأرضية الأمنية، مما يعكس اتهامات خطيرة حول استخدام المال لخدمة محاور أمنية وسياسية عابرة للدول.
التمدد في مناطق النفوذ الإماراتي
وتتطابق الخارطة الاستثمارية لنجيب ساويرس بشكل يثير الانتباه مع خارطة التمدد الجيوسياسي لدولة الإمارات في منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي؛ حيث يتواجد بقوة في البيئات التي تمتلك فيها أبو ظبي نفوذاً سيادياً أو عسكرياً:
ويشهد العراق تمدداً استثمارياً ضخماً لساويرس، لا سيما في قطاع التطوير العقاري الفاخر وبناء المدن السكنية الجديدة (مثل مشروع "مدينة علي الوردي" السكنية العملاق قرب بغداد)، وهو القطاع الذي يتلاقى مباشرة مع استراتيجية صناديق الثروة الإماراتية الراغبة في الاستحواذ على ملفات الإعمار والاستثمار العقاري في العراق الجديد.
وفي إثيوبيا، التي تأتي بالتزامن مع الدعم السياسي والمالي والعسكري اللامحدود الذي تقدمه أبو ظبي لحكومة أديس أبابا، يمتلك ساويرس استثمارات ضخمة هناك في قطاع التعدين واستكشاف الذهب والاتصالات، مستفيداً من المظلة السياسية الإماراتية لتأمين مشاريعه في عمق إفريقيا.
حتى في صوماليلاند (أرض الصومال)، وفي ظل السيطرة الصهيونية والإماراتية الشاملة على الموانئ الاستراتيجية في منطقة القرن الإفريقي (مثل ميناء بربرة عبر شركة موانئ دبي العالمية)، وجه ساويرس استثماراته نحو هذه المنطقة اللوجستية الحساسة للاستثمار في البنية التحتية والموارد الطبيعية، مستنداً إلى الغطاء الأمني والسياسي الذي تفرضه الدولة هناك، وفي الإقليم وفي إثيوبيا يفترض أنهما من حيز اهتمامات الأمن القومي لمصر.
تحالف "يخت سان تروپيه" مع توني بلير ومخطط غزة (GITA)
ولا تقف شبكة ساويرس عند النفوذ الإقليمي، بل تمتد لتشمل نخباً سياسية وتنموية عالمية من الوزن الثقيل، يلتقي معها لتمرير مشاريع وهندسة ملفات ذات أبعاد سياسية وإنسانية معقدة حيث تربط ساويرس برئيس الوزراء البريطاني الأسبق ومبعوث اللجنة الرباعية الدولي الأسبق، توني بلير، علاقة صداقة وشراكة استراتيجية قديمة تمتد لسنوات طويلة.
وتكشف كواليس هذه العلاقة عن لقاءات دورية مغلقة تُعقد على متن يخت ساويرس الخاص في منتجع "سان تروپيه" الفاخر بفرنسا؛ حيث يلتقي الطرفان بعيداً عن أعين الإعلام لمناقشة الصفقات الكبرى والملفات السياسية والاقتصادية الساخنة في الشرق الأوسط وهو هنا تحديدا يشابه أستاذه الأول (يعقوب) الذي ألقاه قادة الحملات الأوروبية في البحر بسبب المرض الذي أصابه.
وفي الوثائق والخطط المسربة المتعلقة بإعادة ترتيب قطاع غزة ما بعد الحرب (والتي تتقاطع مع رؤية الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب)، تداولت الصحافة العالمية مسودة مشروع لتأسيس هيئة دولية باسم "هيئة غزة الدولية الانتقالية" (GITA) لتولي إدارة وتسيير القطاع سياسياً وتنموياً، وطُرح اسم توني بلير ليتولى قيادة هذه الهيئة من الناحية السياسية والتنفيذية الدولية، ووُضع اسم نجيب ساويرس (ليس اعتباطا) كأحد أبرز الشخصيات الاستشارية والمالية في مجلس إدارة هذا المشروع، بهدف تأسيس منطقة اقتصادية حرة ومستقلة تجذب الاستثمارات العالمية لإعادة الإعمار، وهو المخطط الذي يتطابق بالكامل مع الرغبة الإماراتية في صياغة مشهد اقتصادي وسياسي جديد لقطاع غزة على غرار النماذج الاستثمارية الحرة في دبي.
مسارات مصالح جيوسياسية
تتقاطع مسارات ساويرس مع العديد من الشخصيات العالمية البارزة، حتى أن انسحاب ميليندا جيتس (الرئيسة المشتركة السابقة لمؤسسة بيل وميليندا جيتس والناشطة عبر مؤسستها التنموية المستقلة) من شراكة معه، يهدف من خلاله لتأمين غطاء أخلاقي في أعماله حتى أن علاقته بـ إيهود أولمرت والفساد في شركات الاتصالات مع أبناء محمود عباس مسجلة في المحاكم الصهيونية.
تلتقي استثمارات ساويرس في مناجم الذهب بدول غرب ووسط إفريقيا مع البرامج الصحية والتنموية الضخمة التي تمولها مؤسسات جيتس في القارة السمراء. يشارك ساويرس في دعم المبادرات المحلية للمجتمعات المحيطة بالمناجم، وهو ما يمنح أعمال التعدين الخاصة به "صبغة تنموية وأخلاقية" تحميها من الانتقادات الدولية الحقوقية المتعلقة بظروف العمال واستغلال ثروات الشعوب الإفريقية.
ومن علاقته بجيتس تشارك الطرفان الاهتمام بملفات اللاجئين والدعم "الإنساني" العابر للحدود؛ كمشورع (ابستين)، حيث وظف ساويرس مبادراته السابقة (مثل عرضه الشهير لشراء جزيرة في البحر المتوسط لإيواء اللاجئين) ليتحول إلى شريك حواري أساسي في المؤتمرات الدولية الكبرى التي تنظمها نخب "وادي السيليكون" والمؤسسات المليارية الأمريكية.
حجم الثروة
وقفزت ثروة ساويرس لتصل إلى نحو 11 مليار دولار، كما لم يعد الرجل مجرد مستثمر تقليدي أو صاحب شركات محلي، بل تحول إلى لاعب جيوسياسي يتحرك بحرية في مساحات رمادية تتقاطع فيها الثروة المليارية بالسياسة الخارجية، وصناعة النفوذ، والتحالفات الدولية العابرة للقارات.
ويحتفي به الغرب ومنصات الإعلام وتلاحق تحركاته الإقليمية والداخلية كما يثير بنفسه تساؤلات وانتقادات واسعة؛ حيث يرى فيه معارضوه نموذجاً لرأس المال الذي يجيد التموضع خلف شبكات المصالح والأجندات الإقليمية الصاعدة، ولا سيما الأجندة الإماراتية، مستفيداً من مرونة حركته المالية الدولية في وقت تمر فيه المنطقة بتحولات عاصفة.
في مقابل الاحتفاء الدولي والبريق الإعلامي، تواجه ممارسات ساويرس الاستثمارية في الداخل المصري انتقادات حادة من قبل مراقبين وناشطين يرون فيها نوعاً من "الأنانية الرأسمالية" أو الهندسة المالية الذكية القائمة على تغليب المصلحة الشخصية على حساب الاقتصاد القومي في أوقات الأزمات.
وتشير شهادات المتابعين للشأن الزراعي والاقتصادي إلى لجوء ساويرس لأساليب مناورة ذكية للتملص من التوجيهات والتسعيرات الحكومية؛ حيث قام في فترة سابقة بالاستحواذ وتخليص آلاف الأفدنة من الأراضي الزراعية في مصر. وبدلاً من زراعتها وإخضاع منتجاتها لمتطلبات السوق المحلي المصري لتخفيف أزمات الغذاء، قام بتمويل هذه الأراضي عبر قروض أجنبية بالعملة الصعبة.
هذه الحيلة المالية منحت مشروعه مبرراً قانونياً وسيادياً أمام الحكومة لفرض استراتيجية التصدير الكامل للمنتجات إلى الخارج، بحجة حتمية تحصيل الدولار لسداد أقساط القرض الأجنبي، وهي الاستراتيجية التي يصفها الشارع الاقتصادي بالعمل "على مياه بيضاء" لتحقيق أقصى ربحية شخصية بالعملة الصعبة بعيداً عن الاحتياجات الأساسية للمواطنين.