إنجازات تنموية أم أعباء مالية .. مشروعات نظام 30 يونيه إهدار المال العام لصالح عصابة العسكر

- ‎فيتقارير

يقدم هذا التقرير قراءة رقمية وتحليلية معمقة للمشهد الاقتصادي المصري الممتد بين عامي 2025 و2026، بالتركيز على مؤشرات الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027، يسلط التقرير الضوء على التحديات الهيكلية الملازمة لتمويل وتشغيل المشروعات القومية الكبرى، وتنامي الإنفاق الإداري والاستثماري في المدن العمرانية الجديدة والمشروعات الزراعية العملاقة، موازاة مع الالتزامات المالية الثقيلة المتعلقة بخدمة الدين العام وعجز الموازنة.

وتأتي الالتزامات التشغيلية المستحدثة للمشروعات القومية في وقت يواجه فيه الهيكل المالي للدولة تحديات سيادية ومؤشرات حرجة ترسم ملامح السياسة المالية  فالـهـيـكـل الـمـالـي لـلـمـوازنـة الـعـامـة (تريليون جنيه مصري) ويصل العجز الكلي للموازنة أكث من 1.000 تريليون جنيه وتصل "خدمة الدين العام 5.227 تريليون جنيه (أقساط وفوائد).

ويساهم الاقتراض الداخلي والخارجي وأدوات الدين بنسبة 49.1% من إجمالي الموارد وتساهم الحصيلة الضريبية بنسبة 43.2% من الإيرادات، مما يضع دافعي الضرائب والأنشطة الاقتصادية تحت ضغوط مالية مستمرة.

ويشير البرلماني السابق أيمن صادق والخبير الاقتصادي أحمد خزيم إلى أن تضخم بنود الإنفاق الإداري والتشغيلي المفتوح يحول المنشآت الجديدة إلى أعباء جارية غير منتجة بشكل مباشر، وكان الأولى منح مخصصات أعلى وبصورة تنموية لقطاعات الخدمات الأساسية مثل الصحة، التعليم، دعم السلع، ومشروعات مياه الشرب والصرف الصحي بالمحافظات.

ومن زاوية رقابية، تكتسب الاستجوابات البرلمانية، مثل استجواب النائب فريد البياضي بشأن تعطل بعض مشروعات الطاقة المتجددة (الألواح الشمسية) فوق مباني الحي الحكومي، أهمية في ربط الكلفة التشغيلية المرتفعة بمدى كفاءة إدارة الأصول والاستثمارات العامة وتلافي أي شبهات لإهدار المال العام.

التحليل الهيكلي للمشروعات القومية الكبرى

تتوزع خريطة الاستثمارات العامة على أربعة مشروعات قومية عملاقة، يتباين أثرها المالي وأولوياتها التنموية.

مشروع العاصمة الإدارية الجديدة

 

وتتجاوز التكلفة التقديرية الكلفة الإنشائية للمرحلة الأولى فقط حاجز الـ 50 مليار جنيه (والتي تم تسويقها باعتبارها ممولة ذاتياً من حصيلة بيع الأراضي عبر رئيس شركة العاصمة الأسبق أحمد زكي عابدين)، بينما تبلغ الكلفة التشغيلية للحي الحكومي (الممتد على 1.5 مليون متر مربع / 360 فداناً ويضم مجلس الوزراء، 34 وزارة، والبرلمان) 12.03 مليار جنيه سنوياً.

وتصل حصيلة بيع الأراضي للمطورين العقاريين، الشراكات

الاستثمارية، وبنود تشغيل تتحملها الموازنة لاحقاً عبر عقود حق الانتفاع، ويعتبر العائد المستهدف للمشروع ؛ تعظيم قيمة الأصول العقارية في الصحراء الشرقية، تحديث المنظومة الإدارية والتحول الرقمي، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية للقطاع العقاري.

والمستفيدون المباشرون من المشروع هم: شركات التشييد والمقاولات، المستثمرون العقاريون، موظفو الجهاز الإداري المنتقلون، والشرائح السكنية فوق المتوسطة والعليا.

إلا أن  التقييم المالي لمشروع العاصمة هو أنه يشكل عبئاً مالياً مستحدثاً ودائماً على الموازنة العامة، نظراً لتحول الدولة إلى مستأجر لمقارها الإدارية، مما يمثل ضغطاً على بنود الإنفاق الخدمي والاجتماعي.

مثال قريب لتشريح بنود الحي الحكومي بالعاصمة

تشهد الحسابات الختامية والتقديرية للموازنة العامة تحولاً جذرياً في طبيعة النفقات الجارية للدولة، حيث فرض الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة واقعاً مالياً مستحدثاً يتخطى النفقات الإنشائية التأسيسية إلى مصروفات تشغيلية دورية ملتزمة.

ويصل إجمالي كلفة التشغيل السنوية من خلال المخصصات المعتمدة لإدارة وتشغيل الحي الحكومي إلى 12.03 مليار جنيه، مسجلة زيادة قياسية بلغت 177% مقارنة بالعام المالي السابق الذي كانت تدار فيه الأعمال من المقار المركزية السابقة والتوسعات الأولية بالقاهرة الجديدة.

ورصدت الجهات الرقابية ضمن بند حق الانتفاع (الإيجار المستحدث)  الموازنة 7 مليارات جنيه كاملة تحت هذا البند لصالح شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية كقيمة إيجارية وحق انتفاع للمباني والمنشآت، يمثل هذا الرقم التطور الأبرز، إذ كان هذا البند "صفراً" في موازنة العام المالي الأسبق 2025/2026.

وارتفعت كلفة صيانة المباني والأنظمة التكنولوجية بالحي الحكومي إلى 3.8 مليار جنيه في الموازنة الجديدة، مقارنة بنحو 3.2 مليار جنيه في العام الحالي، مسجلة زيادة صافية قدرها 0.6 مليار جنيه (600 مليون جنيه)، بالرغم من حداثة عمر المباني والمنشآت الإدارية.

وأضاف المسار الجغرافي الجديد لإدارة الدولة طبقة إضافية من المصروفات الجارية المتعلقة بالموارد البشرية وتأمين انتقالها واستقرارها السكني:

حيث جرى تخصيص 678.1 مليون جنيه لتعويض الموظفين المنتقلين إلى مقار الوزارات الجديدة، مقابل 652.8 مليون جنيه العام الحالي.

كما اعتمدت الموازنة 554.8 مليون جنيه لبند بدل السكن الممنوح للعاملين المستحقين، مقارنة بـ 498.7 مليون جنيه في العام المالي الحالي.

ويتوزع هيكل ملكية شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية بنسبة 51% لصالح جهازين سياديين تابعين للقوات المسلحة، بينما تمتلك هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة النسبة المتبقية البالغة 49%.

ويرى أستاذ التمويل والاقتصاد أشرف دوابه أن هذه الآلية تحمل مفارقة اقتصادية؛ إذ تقبل الخزانة العامة بسداد مبالغ إيجارية سنوية (حق انتفاع) لقاء استخدام مبانٍ إدارية شُيدت في الأصل على أراضٍ عامة تابعة للدولة، بدلاً من اشتراط نقل الملكية المباشرة للوزارات كبديل للمساهمة العينية بالأرض، مما ينقل عبء التمويل سنوياً إلى الموازنة المنهكة.

وبالتوازي مع إتمام نقل الوزارات والمؤسسات السيادية بين نهايتي 2023 وبداية 2024، جرى رسمياً ضم المقار التاريخية والقديمة بوسط العاصمة إلى أصول صندوق مصر السيادي بهدف إعادة استغلالها استثمارياً، أو تحويلها إلى منشآت فندقية وتجارية، وسط تساؤلات اقتصادية حول مدى قدرة العوائد المحققة من هذه المقار على موازنة وتغطية الفواتير التشغيلية المستحدثة في العاصمة الجديدة.

مشروع مدينة العلمين الجديدة

وقدرت تكلفة المشروع، بمئات المليارات لتأسيس البنية التحتية والأبراج الساحلية، كان أحدثها التوجيه الرئاسي الصادر في ديسمبر 2025 بإنشاء مدينة أوليمبية وترفيهية وسياحة علاجية على مساحة 800 فدان باستثمارات أولية تتجاوز 4 مليارات جنيه.

وتعتبر ميزانية هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، والتدفقات النقدية من مبيعات الأبراج السكنية، وقروض بنكية تجارية متخصصة من مصادر تمويل المشروع. بهدف

تحويل شريط الساحل الشمالي لمركز جذب سكاني وتنموي مستدام طوال العام، وتنشيط قطاع السياحة الشاطئية والعلاجية والرياضية الدولية.

وعن بند المستفيدون المباشرون يأتي قطاع الضيافة والفنادق، المستثمرون العقاريون والشركات السياحية، والشرائح الاجتماعية ذات الملاءة المالية المرتفعة.

إلا أن المشروع يواجه انتقادات تتعلق بـ "فقه الأولويات" في ظل الأزمات التضخمية؛ حيث يرى معارضون ومؤسسات تكنوقراطية أن التوسع في المنشآت الترفيهية والرياضية الفاخرة يمثل عبئاً تمويلياً يُغطى بالاقتراض طويل الأجل ويتحمل تبعاته عموم دافعي الضرائب، بدلاً من توجيه تلك الموارد لتطوير البنية التحتية بالمحافظات الأكثر احتياجاً.

المشروع القومي للطرق ومنظومة النقل الذكي (ITS)

وتصل التكلفة التقديرية: مئات المليارات الموجهة لتشييد وازدواج أكثر من 7 آلاف كيلومتر من الطرق والمحاور، تبلغ كلفة التشغيل والصيانة والأنظمة الذكية وحدها 9.4 مليار جنيه سنوياً وفق الموازنة الحالية.

ويعتمد في تمويله اعتمادات الباب السادس (الاستثمارات) بالموازنة العامة، قروض دولية ومحلية، وعوائد بوابات التحصيل الإلكترونية (الكارتة) وإعلانات الطرق.

والعائد المستهدف؛ خفض أزمنة الرحلات، تقليل كلفة نقل البضائع واللوجستيات، ربط الموانئ البحرية بالجافة ومناطق الإنتاج، وتحسين المؤشرات العالمية لجودة البنية التحتية. لصالح: شركات الشحن واللوجستيات، قطاع النقل التجاري، شركات المقاولات، والمواطنون مستخدمو الشبكة القومية للطرق.

 

وبالرغم من الأهمية اللوجستية المؤكدة للمشروع، إلا أن وتيرة التنفيذ المتسارعة تسببت في تراكم الديون وتضخم بنود الصيانة الدورية (التي سجلت 3.1 مليار جنيه في عام واحد)، كما تفرض المنظومة التكنولوجية الذكية عبئاً مستمراً على النقد الأجنبي لكون برمجياتها وقطع غيارها مستوردة ومسعرة بالعملات الأجنبية.

مشروع الدلتا الجديدة (مستقبل مصر الزراعي)

ويستهدف المشروع استصلاح نحو 2.2 مليون فدان في الصحراء الغربية (جنوب محور الضبعة). وقدرت تصريحات وزارة الزراعة (يونيو 2021) الاستثمارات المبدئية بنحو 300 مليار جنيه، وهي كلفة مرشحة للتصاعد لتغطية شبكات نقل المياه وتأسيس أضخم محطات معالجة مياه الصرف الزراعي في العالم.

ويعلن أن مصادر تمويله من الاستثمارات العامة للدولة، وقروض تنموية موجهة للأمن الغذائي والمائي، وشراكات مع القطاع الخاص والمستثمرين العرب، لأجل تحقيق الاكتفاء الذاتي (وهو بند تبرأ منه السيسي ومدبولي على السواء) من المحاصيل الاستراتيجية (كالقمح، الذرة، والزيوت)، تقليل فاتورة الاستيراد السنوية، وخلق مجتمعات زراعية وصناعية جديدة خارج الوادي القديم.

المستفيدون المباشرون قطاع الصناعات الغذائية والزراعية، العمالة والخريجون، والمستهلك النهائي عبر زيادة المعروض من السلع الغذائية.

ويصنف المشروع كـ "مشروع إنتاجي ذي أولوية استراتيجية قصوى" ترتبط بالأمن القومي، ورغم كلفته التأسيسية الباهظة التي تضغط على المديونية العامة، إلا أنه يمثل استثماراً طويل الأجل يسهم في خفض استنزاف النقد الأجنبي مستقبلاً عبر تعويض الواردات الغذائية.

ويوصي "صندوق النقد الدولي" بضرورة إبطاء وتيرة الإنفاق على المشاريع القومية الكبرى، ووضع سقف للاستثمارات العامة، مع إفساح مساحة أكبر للقطاع الخاص لتولي دفة الإدارة والتشغيل، بهدف كبح معدلات التضخم وضمان استدامة الدين العام.

ويشير أستاذ إدارة المشروعات الكبرى "بنت فليفبيرغ" إلى الالتزام بالقانون العالمي للمشروعات العملاقة، والذي يوضح قابليتها المتكررة لتجاوز الميزانيات التقديرية والمدد الزمنية المحددة، مما يلقي بفروق الكلفة والتأخير على عاتق الخزانة العامة مباشرة.

وتوضح التقارير وجود فجوة ديموغرافية واقتصادية في مدن الجيل الرابع (كالعلمين والمنصورة الجديدة)؛ حيث يتأخر انتقال الكتل السكانية الفعلي نتيجة ارتباط القرار بمستويات الأسعار، توفر فرص العمل المستقرة، والدخول القادرة على تحمل تكاليف المعيشة في هذه المجتمعات العمرانية الجديدة، ويضيف الباحث يزيد صايغ أن هيمنة الكيانات التابعة للدولة على إدارة هذه الأصول والمناطق الصناعية قد تحد من تنافسية السوق المفتوحة وجذب القطاع الخاص.