في دولة القانون لا يمكن فرض أي رسوم دون سند قانوني واضح وصريح، لكن في دولة الجباية جيوب المصريين مستباحة باستمرار فهي طريق سريع لتحصيل أعلي الإيرادات وهي وسيلة للتغطية على العقم الإداري وضياع حقوق الانسان المصري في الاستفادة من أمواله الخاصة، حيث تسعي العديد من الجهات الإدارية إلى تحصيل رسوم إضافية دون سند من قانون، مثل هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وادارات المرور.
وكانت المحكمة الادارية العليا قد أكدت بطلان فرض أي رسوم إلا بناء على قانون، وفي حالة فرض أي رسوم دون سند من قانون يجيز ذلك، يعد اعتداء على حقوق الأفراد وأموالهم، مما يجعله منعدما قانونا وما تبعه من مطالبة لذوي الشأن بأداء هذا الرسم، ويحق الطعن عليه بالإلغاء دون التمسك بقاعدة تحصن القرارات الإدارية بفوات المواعيد المقررة للطعن عليها.
ورفعت إدارات المرور التابعة لوزارة الداخلية تكلفة رسوم استخراج رخص القيادة وتسيير السيارات بمعدلات قياسية، وجاءت هذه الزيادات الميدانية في وقت اضطرت فيه حكومة السيسي مؤخراً إلى سحب مشروع قانون المرور الجديد المقدم منها إلى البرلمان، بعد اعتراض نواب الأغلبية والمعارضة على حد سواء على ما وصفوه بـ"الغرامات غير المسبوقة" والرسوم الباهظة المقررة على أصحاب السيارات وحاملي رخص القيادة.
وألزمت إدارات المرور أصحاب التراخيص بدفع مبالغ نقدية ومستلزمات إجبارية تُحصل لصالح شركة "أمان" التابعة لوزارة الداخلية، التي باتت مسئولة عن إصدار شهادات التدريب على القيادة، والصلاحية الطبية، وخدمات التأمين، وشراء مستلزمات الأمان، بالمخالفة لقانون المرور الحالي في مصر الذي يمنح المواطنين إمكانية توفير تلك المستلزمات من مصادر خارجية بديلة عند الفحص الفني.
كما فرضت إدارات المرور رسوماً بقيمة 101 جنيه على طلب تجديد رخصة سيارة أو قيادة تحت بند "فحص أمني" يجري تكراره في حالة نقل الملف أو المعاملة من إدارة مرور إلى أخرى، كما فرضت بيع مستلزمات الأمان بالسيارة بسعر 985 جنيهاً لجهاز الإطفاء بدلاً من 700 جنيه، مع إلزام صاحب السيارة بدفع 219 جنيهاً لاعتماد عبوة الإطفاء، وحقيبة الإسعافات الأولية بـ 135 جنيهاً، وغيرها من المصارف الأخرى .
وفرضت وزارة السياحة والإدارات المحلية رسوماً تتراوح بين 5 آلاف و30 ألف جنيه على الحافلات وأتوبيسات النقل الخفيف، لإجبارها على تركيب أجهزة تتبع "GPS" مرتبطة بغرف العمليات المركزية لشرطة السياحة والمحافظات.
تأتي هذه الإجراءات الميدانية تزامناً مع تراجع الحكومة عن مشروع تعديل بعض أحكام قانون المرور، حيث أعلن رئيس مجلس النواب هشام بدوي تلقيه طلباً رسمياً من رئيس مجلس الوزراء، بسحب المشروع تمهيداً لإعداد قانون مرور جديد متكامل يعالج المنظومة بصورة شاملة بدلاً من التعديلات الجزئية.
وكان مجلس الوزراء قد أحال المشروع إلى البرلمان مبرراً إياه بالحاجة إلى مواجهة الارتفاع المستمر في معدلات الحوادث، وتحقيق الردع في مواجهة المخالفات الخطرة، معتبراً أن الغرامات الحالية تآكلت قيمتها بفعل التضخم ولم تعد تحقق الردع المطلوب، إلا أن المشروع واجه فور وصوله أروقة البرلمان انتقادات حادة بسبب ما اعتبره النواب "قفزة غير مسبوقة" تحول المنظومة إلى جباية مالية لا تتناسب مع مستويات الدخول الحالية.
وتضمن المشروع المسحوب حزمة من المواد المثيرة للجدل، حيث نص على فرض غرامات تتراوح بين 10 آلاف و30 ألف جنيه على بعض المخالفات الجسيمة المنصوص عليها في المادة "64 مكرر"، مع مضاعفتها في حال تكرار المخالفة خلال ستة أشهر، كما تضمن فرض غرامات تتراوح بين 5 آلاف و15 ألف جنيه للمركبات التي تتسبب في تلويث الطريق، أو انبعاث أدخنة كثيفة وعوادم غير مطابقة للاشتراطات البيئية، وهي مخالفات كانت عقوبتها في القانون الحالي لا تتعدى بضعة مئات من الجنيهات.
وامتدت المواد الجدلية لتشمل التوسع في تحصيل الضريبة السنوية بأثر رجعي يعود لتاريخ شراء المركبة أو دخولها البلاد في حال السير دون ترخيص، مع فرض ضريبة إضافية تعادل ثلث قيمة الضريبة السنوية عن كل سنة تأخير بحد أقصى خمس سنوات، إلى جانب ضبط المركبة إدارياً.
وفيما يتعلق بالسرعة، قرر المشروع غرامة لا تقل عن ألفي جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه لكل قائد مركبة يتجاوز السرعة المقررة أو يخالف المسار المحدد على الطرق السريعة التي تحددها الإدارة العامة للمرور.
واعتبر النائب إيهاب منصور أن مشروع القانون كما ورد من الحكومة كان يتعامل مع المواطنين من منظور العقوبات والتحصيل المالي فقط، دون معالجة الأسباب الهيكلية للفوضى المرورية، مطالباً بتطوير الطرق، والإشارات، والخدمات المرورية أولاً قبل تغليظ العقوبات التي لا تحقق العدالة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، ولم تقتصر المعارضة على نواب المعارضة، بل امتدت لنواب الموالاة؛ حيث تحفظ أعضاء في لجنتي "الدفاع والأمن القومي" و"النقل والمواصلات" على تحميل المواطن وحده المسؤولية.
وأكد محمد عبد العليم داود رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، أن المناقشات البرلمانية كشفت أن الاعتراض الأساسي لم يكن على العقوبات الجنائية التنظيمية، بقدر ما كان على الغرامات المالية والمخالفات البيئية المرتفعة التي وصفها النواب بأنها غير مسبوقة، مشيراً إلى أنه على الرغم من أهمية مساعدة الأجهزة الأمنية في خفض معدلات الحوادث، إلا أن المشروع المقترح جاء منفصلاً تماماً عن الواقع المعيشي والظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الشارع المصري.