فرم السلع التموينية والأمن الغذائي … محللون: القانون الجديد لـ”مستقبل مصر” تكريس للهيمنة وإعادة تشكيل الاقتصاد السيادي

- ‎فيتقارير

يُمثل مشروع القانون الجديد لإعادة تنظيم "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة" الذروة التشريعية لنقل التبعية الإدارية للجهاز من مظلة وزارة الدفاع (القوات الجوية) إلى التبعية المباشرة لرئيس الجمهورية، محولاً إياه إلى "دولة داخل الدولة" أو "حكومة بديلة" تتمتع بامتيازات استثنائية تضعه فوق قواعد المنافسة والرقابة والمحاسبة.

في وقت  تشهد البيئة التشريعية والاقتصادية في مصر تحولاً يعيد صياغة العلاقة بين السلطة الحاكمة والثروة الوطنية. فبعد سنوات من التمدد الميداني المباشر للمؤسسة العسكرية في مختلف الأنشطة الإنتاجية والخدمية، انتقل النظام الحالي إلى مرحلة "تقنين العسكرة" عبر أدوات تشريعية تمنح الكيانات السيادية حصانة قانونية واستقلالية مالية كاملة. بعيدة عن الموازنة وعن وزارة المالية؟

 

"تحوير" النهج القديم وتكريس الهيمنة

يرى المحللون السياسيون والاقتصاديون أن القانون الجديد لا يُمثل قطيعة مع الماضي، بل هو امتداد وتطوير لآليات سيطرة الدولة على المجال الاقتصادي في مواجهة المجتمع والقطاع الخاص.

في هذا السياق، يوضح المحلل الاقتصادي عمَّار فايد (@AmmarFayed) أن موضوع قانون جهاز مستقبل مصر يُلخص نهجاً قديماً جديداً التزمت به الدولة طوال تاريخها الحديث؛ جوهره استمرار تحكم وسيطرة الدولة الاقتصادية عملياً. ويشير فايد إلى أن الدولة متمسكة بموقعها المهيمن الذي أسسه محمد علي، والذي أعيد تأسيسه بآليات جديدة في الحقبة الناصرية، واستمر حتى تحت سياسات الانفتاح والخصخصة.

ويضيف فايد أن ما يحدث اليوم هو نوع من المناورة والتكتيكات المعقدة التي وصفها المفكر الراحل نزيه الأيوبي بأنها "تحويرات" وليست تحولاً حقيقياً ينتج عنه سوق مفتوح وقطاع خاص قوي. والتحوير هذه المرة يكمن في نقل التبعية من الجيش للرئاسة، مع تقنين كافة الامتيازات التي كان يتمتع بها اقتصاد الجيش ونقلها إلى الكيان "المدني" الجديد.

وينبه فايد إلى مفارقة خطيرة، وهي أن تمدد اقتصاد الجيش بعد عام 2013 كان في جزء رئيسي منه على حساب جهات حكومية أخرى وليس على حساب القطاع الخاص فحسب، وأن الاستجابة الحالية لاشتراطات صندوق النقد الدولي هي عملية "تحوير داخل الدولة نفسها" بدلاً من أن تحدث لمصلحة القطاع الخاص الذي ينكمش بمعدل كارثي مستمر رغم تحقيق الاقتصاد لمعدلات نمو رقمية.

 

https://x.com/AmmarFayed/status/2075283368959254586

 

القانون.. مال خاص بلا رقابة ومغرم على الخزانة

قدمت المنصات التحليلية قراءة قانونية واقتصادية معمقة لبنود القانون الجديد، حيث وصفت منصة الموقف المصري (@AlmasryAlmawkef) القانون بأنه صياغة لكيان يعمل "خارج الموازنة، خارج الرقابة، خارج المال العام". وتكمن خطورة القانون في عدة نقاط هيكلية:

الاستثناء من القوانين الحاكمة: يُمنح الجهاز حق العمل خارج الأطر الإدارية التقليدية للدولة، ويُستثنى من تطبيق الحد الأقصى للأجور، وقانون الخدمة المدنية، وقانون الهيئات العامة، وقانون شركات قطاع الأعمال، وقواعد المشتريات والتعاقدات العامة.

تحميل الخزانة العامة بالخسائر والضرائب: تلزم المادتان (8) و(71) الخزانة العامة للدولة بسداد حصة الجهاز كصاحب عمل في التأمينات الاجتماعية، وتحمل سداد كافة الضرائب والرسوم المستحقة عليه نيابة عنه (بما فيها القيمة المضافة والدمغة والغرامات). وفي المقابل، تستثني المادة (72) الجهاز من أيلولة أي نسبة من أرباحه إلى الخزانة العامة، مما يجعله شريكاً في "المغرم" ومستبعداً من "المغنم".

تبخير الأصول العامة وتحويلها لمال خاص: بموجب المادتين (23) و(24)، تُعامل أموال الصناديق التابعة للجهاز على أنها "أموال خاصة"، ويتم إخراج موازنته من الموازنة العامة للدولة، مع غياب كامل لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، والاكتفاء بمراقب حسابات خارجي يعينه رئيس الجمهورية. هذا التحول يعني نقل ملايين الأفدنة والأصول المستحوذ عليها من صفة "المال العام" إلى "المال الخاص" دون الخضوع لقواعد الحوكمة أو الخصخصة التقليدية التي تؤول حصيلتها للدولة.

التحصين القضائي ضد الطعون: تحظر المادة (73) قبول الدعاوى والطعون ببطلان التصرفات أو مبيعات الأصول التي ينفذها الجهاز إلا من أطراف التعاقد أنفسهم، مما يغلق الباب تماماً أمام الرقابة الشعبية أو القضائية لحماية أصول الدولة.

 

https://x.com/AlmasryAlmawkef/status/2075234258990276801

 

عسكرة التموين والأمن الغذائي

لم يقتصر دور الجهاز على الاستصلاح الزراعي، بل امتد ليشمل السيطرة على مفاصل التجارة الخارجية والتموين. ويشير الإعلامي محمد الشريف Mohamed ElSherif (@MhdElsherif) إلى التقارير الاستقصائية الموثوقة التي نشرتها وكالات دولية مثل "رويترز" حول جهاز مستقبل مصر، وكشفت عن نقل اختصاصات "الهيئة العامة للسلع التموينية" في استيراد القمح لصالح الجهاز وبأسعار أعلى. هذا التمدد يمثل عسكرة مباشرة لملف الأمن الغذائي اليومي للمواطن، وتحويل السلع الاستراتيجية إلى مساحات احتكارية تدار خلف أبواب مغلقة بعيداً عن الشفافية الاقتصادية المفترضة.

وفي المقابل، رصدت منصة صدى مصر (@sadamisr25) حالة السخط الشعبي تجاه هذه السياسات، واصفة بيانات الجهاز الدفاعية بأنها "محاولة مكشوفة لامتصاص الغضب وتغطية الفشل". وأكدت المنصة أن تسليم مقدرات البلد والقطاع الزراعي لجهة سيادية بعيدة عن الرقابة البرلمانية أدى إلى تفاقم أزمة الغذاء وغلاء الأسعار، حيث "احتكر النظام الأقوات وقنن غياب الشفافية تحت شعار الأمن القومي". كما أشارت وكالة (@AbcNewsEgypt) إلى أن البرلمان يناقش منح الجهاز إعفاءات ضريبية وجمركية مماثلة للمناطق الحرة، مما يعزز وضعه الاحتكاري.

 

https://x.com/sadamisr25/status/2075589265237360876

الرسمية وأوهام "المؤسسية"

على الجانب الآخر، يسعى النظام وعبر أذرعه البرلمانية والإعلامية إلى تقديم تسويغ تشريعي وتنموي للقانون. ويمثل هذا الاتجاه البرلماني والإعلامي مصطفى بكري (@BakryMP)، الذي لخص أسباب ودواعي إقرار القانون في عدة نقاط ترتكز على فلسفة "الإنجاز السريع والموافقة الواحدة". يرى بكري أن القانون ينقل الجهاز إلى مرحلة جديدة من "العمل المؤسسي" بما يتناسب مع حجم المساحات الشاسعة التي يديرها، ويحقق له "المرونة الاقتصادية والسرعة في اتخاذ القرار والتنفيذ".

كما يدافع بكري عن القانون باعتباره أداة لإنشاء مناطق متكاملة وزراعية وصناعية تمنح حوافز لجذب رءوس الأموال، بالإضافة إلى تأسيس صناديق سيادية وخدمية مثل صندوق "أهرامات النيل" واستثمار أصول الدولة، وصندوق "داعم" للمساهمة في مشروعات الصحة والتعليم. ويزعم الخطاب الرسمي أن هذا الإطار يضع حداً للحرائق والاعتداء على المال العام من خلال آليات محاسبة قانونية حديثة، زاعمًا أن الدولة تتحرك نحو "رؤية تنموية حقيقية في إطارها القانوني".

موقف التقارير الدولية

تتناقض بنود هذا القانون والنهج العام للنظام المصري بشكل صارخ مع توصيات وتقارير المؤسسات الدولية ومراكز الأبحاث؛ فبينما يطالب صندوق النقد الدولي والجهات المانحة بضرورة تخارج الدولة والمؤسسات السيادية والعسكرية من الاقتصاد، وإفساح المجال للمنافسة العادلة مع القطاع الخاص، وتوحيد الموازنة العامة للدولة تحت مظلة واحدة (شمولية الموازنة)، يأتي قانون "مستقبل مصر" ليفعل العكس تماماً.

إن إنشاء "إمبراطورية اقتصادية" تملك صلاحية الاستثمار المحلي والدولي، وتأسيس الشركات، والاستحواذ، وإدارة الأراضي من الألف إلى الياء، يؤدي إلى نتائج كارثية رصدتها التقارير الدولية (مثل تقارير مركز كارنيجي للسلام الدولي):

تدمير حوكمة السوق: غياب الفصل بين الجهة المشرعة، والجهة المنفذة، والجهة المراقبة، حيث يصبح الجهاز هو الخصم والحكم والمستثمر والمشرع مستنداً إلى سلطة الرئاسة.

خنق القطاع الخاص: غياب تكافؤ الفرص والمنافسة العادلة نتيجة الإعفاءات الكاملة للجهاز وتحميل الخزانة العامة بالتزاماته، مما يؤدي إلى استمرار انكماش الاستثمار الخاص وهروب رءوس الأموال.

تبديد مفهوم المال العام: تحويل الأصول والموارد العامة إلى "أموال خاصة" تدار خارج الموازنة، مما يحرم الخزانة العامة من عوائد التنمية ويحمل المواطن كلفة الامتيازات الممنوحة للجنرالات واللواءات.

ويُمثل قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر إعادة إنتاج جذري لنموذج رأسمالية الدولة العسكرية في ثوب تشريعي "مدني-رئاسي". إن ما يروج له النظام كـ"مرونة ومؤسسية" ليس في حقيقته سوى تقنين لغياب الشفافية والمحاسبة، وتحصين للممارسات الاحتكارية التي أدت إلى الأزمة الاقتصادية الراهنة. ومن خلال عسكرة القطاع الزراعي والتمويني، يضع النظام الكيانات السيادية فوق المجتمع وفوق المنافسة وفوق الدولة نفسها، مما يدفع بالاقتصاد المصري إلى حلقة مفرغة من الديون، والانكماش، وغياب اليقين الاستثماري.