أعاد الظهور التلفزيوني الأخير ليوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، في بودكاست "موعد مع لميس" مع ذراع السلطة لميس الحديدي، فتح الصناديق المغلقة لعهد المخلوع حسني مبارك. ولم يمر اللقاء مرور الكرام، بل فجّر عاصفة من الجدل السياسي والاقتصادي، بعدما اختار مهندس السياسات المالية الأسبق الدفاع عن خطط التقشف ورفع الدعم عن الطاقة، تزامناً مع محاولته التبرؤ من الاتهامات التاريخية الموجهة إليه بشأن التصرف في أموال التأمينات والمعاشات، وهو ما واجهه الشارع والنخبة بشعار: "قالوا للحرامي أحلف.. قال جالك الفرج".
ودعا يوسف بطرس المستشار الاقتصادي لحكومة السيسي إلى تبني استراتيجية اقتصادية جديدة لمصر، تتماشى مع التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي. وأوضح أن النظام الدولي بات يتحرك في إطار ثلاثة أقطاب اقتصادية رئيسية هي: الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، والصين. وأشار إلى أن الدول النامية، وفي مقدمتها مصر، باتت مطالبة باتخاذ إجراءات حاسمة لحماية مصالحها الوطنية، وتعزيز الصادرات، وحماية التجارة المحلية من موجات المنافسة الشرسة، لا سيما مع اعتماد الصين المتزايد على التصدير لتحقيق مستهدفات نموها الاقتصادي، وهو ما يضع ضغوطاً هائلة على الأسواق الخارجية. كما طالب بـ "ثورة إدارية" شاملة تهدف إلى تخفيف الأعباء البيروقراطية عن كاهل القطاع الخاص لتمكينه من قيادة التنمية بحسب زعمه.
وفي سياق متصل، فجّر غالي مفاجأة بربطه بين موجة الغلاء وارتفاع الأسعار الحالية وسياسات عهد مبارك، حيث صرّح بأن الأزمة الحالية هي نتاج مباشر لأخطاء التعامل مع ملف الطاقة في تلك الفترة؟!
وكشف أنه طالب حسني مبارك أكثر من مرة بضرورة رفع الدعم عن الطاقة تدريجياً، إلا أن هذا المقترح قوبل بالرفض القاطع خشية التداعيات الاجتماعية. ووصف غالي ذلك الرفض بـ "الخطأ الجسيم"، مؤكداً أنه لو جرى التعامل مع ملف الطاقة بصورة أكثر فاعلية ودراسة في ذلك الوقت، لما تحمل المواطن المصري اليوم هذه التكلفة الكبيرة والضغوط الاقتصادية الراهنة.
يخلط الوقائع لتبرئة نفسه
ولم تمر تصريحات وزير المالية الأسبق دون رد رسمي حاسم؛ إذ خرجت السفيرة الدكتورة ميرفت التلاوي، وزيرة التأمينات والشئون الاجتماعية الأسبق، بهجوم لاذع ومباشر عبر تصريحات صحفية اتهمت فيه غالي بمحاولة "تغيير الحقائق" وخلط الوقائع التاريخية بهدف تبرئة ساحته أمام الرأي العام وتقديم صورة مغايرة تماماً لما حدث على أرض الواقع.
ووصفت الدكتورة ميرفت التلاوي حديث غالي بأنه "غير دقيق" و"كله غير واقعي"، معقبة بالقول: "إما أنه أخطأ أو يكذب، لأن ما قاله لا يعكس ما حدث بالفعل، ومعظم ما طرحه خلال حواره ما هو إلا دعاية لنفسه".
وفندت التلاوي ادعاء غالي بأنه لم يكن صاحب قرار لأنه كان وزيراً للاقتصاد وليس للمالية وقت أزمة أموال التأمينات، مؤكدة أنه تعمد الخلط بين الفترتين، حيث إن تبعية "بنك الاستثمار القومي" – الذي كانت تودع فيه أموال التأمينات – نقلت لتصبح تحت إشرافه المباشر كرئيس للجنة السياسات بالبنك، مما أتاح له ولوزارته التصرف الكامل في تلك الأموال.
وانتقدت إشارته إلى فترة توليها الوزارة بالشهور، مؤكدة أنها أدارت الوزارة لمدة عامين كاملين (من 1997 حتى 1999)، حتى تغيرت حكومة الدكتور كمال الجنزوري إثر بدء فترة رئاسية جديدة لمبارك.
وشددت التلاوي على أن أموال التأمينات والمعاشات ليست أموالاً عامة مملوكة للحكومة، بل هي أموال خاصة بالمؤمن عليهم وأصحاب المعاشات، تشكلت من استقطاعات أجورهم واشتراكات أصحاب الأعمال، وبالتالي لا يجوز للدولة استخدامها لسد عجز الموازنة العامة أو دعم جهات أخرى.
لغز الـ 500 مليون جنيه ونسب الأرباح
وفجرت الوزيرة الأسبق تساؤلات خطيرة حول مصير مئات الملايين، مؤكدة أن يوسف بطرس غالي أخذ 500 مليون جنيه من أموال التأمينات لاستثمارها في البورصة المصرية تحت دعوى دعم سوق المال عقب أزمة الأسواق الآسيوية، إلا أن تلك الاستثمارات لم تحقق الأرباح المطلوبة، بل وأنكر غالي لاحقاً أخذها.
وتساءلت التلاوي باستنكار عن كيفية اختيار الجهة التي استثمرت فيها تلك المبالغ والفائدة التي عادت على أصحاب المعاشات. كما نفت صحة ادعائه بأن استثمارات أموال التأمينات حققت عائداً بلغ 23%، مؤكدة أن هذا الرقم عارٍ تماماً من الصحة، وأن الوزارة كانت تحصل على عائد يتراوح بين 8% و9% فقط عند وضع الأموال في البنك، متهمة إياه بتمويل مشروعات مختلفة لتخفيف أعباء موازنته على حساب حقوق المتقاعدين.
إنكار غالي وجرأة النظام الحالي مقابل "حكمة مبارك"
في قراءة تحليلية مغايرة، علق الكاتب الصحفي فراج إسماعيل على اللقاء البودكاستي، معبراً عن توقفه أمام محطتين رئيسيتين: ادعاء غالي بأن الاقتصاد لم يكن سبباً للثورة على مبارك، ورفض مبارك زيادة أسعار الطاقة بنسبة 20%. وأكد إسماعيل أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل الاقتصاد عن ثورة يناير، مبيناً أن ثورات العالم الثالث تنطلق أساساً من دوافع اقتصادية ومعيشية وليست سياسية؛ فحين تضيق الحياة بجيوب الناس يبدأ الانفجار.
واعتبر إسماعيل أن إنكار غالي يتسق مع رغبته السابقة في رفع الأسعار، ومدحه المبطن للقيادة الحالية ووصفها بأنها "أكثر جرأة" في التعامل مع ملف الدعم. وأوضح أن نظام مبارك كان محاطاً بنخبة سياسية واعية تنبهت مبكراً لخطورة المساس بجيوب المواطنين، ولذلك رفض مبارك طلب غالي.
ورأى الكاتب أن القضية ليست "جرأة" نظام بل "حكمة نظام"، حيث كان مبارك أكثر حكمة في تجنيب الشعب الفاتورة الاقتصادية القاسية، معتبراً أن غالي يدافع عن إخفاقاته السابقة الناتجة عن عدم وعيه السياسي، ويحاول حالياً التقرب من النظام الحالي عبر الإشادة بإجراءاته الاقتصادية الصعبة.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=27850773131213672&set=a.663283653722654
تفاعل واسع وانتقادات حادة
وشهدت منصات التواصل الاجتماعي "إكس" (تويتر سابقاً) وفيسبوك سيلاً من التفاعلات والتعليقات من الشخصيات العامة والمواطنين الذين استقبلوا تصريحات غالي بمزيج من التشكيك والغضب.
وعلقت الناشطة منى عرفة عبر حسابها قائلة: "ما بين كلام ميرفت التلاوي وكلامه لسه السؤال: فين فلوس المعاشات طالما بيقول الفلوس كسبت؟ هي كمان قالت ضخ جزء من الفلوس في إنشاء مدينة الإنتاج الإعلامي. الناس في الآخر ذنبها إيه؟ مين صادق ومين كاذب؟ الناس يهمها زيادة المعاشات بشكل يضمن لهم الحياة بكرامة".
وجاء رد حسن مدبولي منتقدًا الرؤية الاقتصادية المطروحة بالقول: "كلامه (يقصد بطرس) لا يمت بصلة للاقتصاد، الموضوع ليس أكثر جرأة أو أكثر رحمة، فالإصلاح والنمو الاقتصادي لا علاقة له بإدارة الدولة عبر سياسة رفع الأسعار بلا توقف. ارتفاع الأسعار نتيجة لسياسات إنتاجية وتنموية كارثية… أما ما يتحدث عنه هذا الشخص فهو محض تملق".
وتساءل إيهاب طباخ باقتضاب: "السؤال لماذا نفس الأشخاص للملف الاقتصادي؟". وعبّر عبد اللاه أباصيري عن استيائه قائلاً: "هو مش كنا خلصنا من الأشكال دي إيه الفجر ده رجع وبتكلم في التلفزيون هو احنا حنعيده تاني". في حين هاجمه الصحفي ربيع شاهين بحدة واصفاً إياه بالعمالة وتخريب الاقتصاد وكتب: "حد يصدق عميل للأمريكان خاين لبلده وهو وزير في الحكومة.. العيب على مبارك انه وثق به وأبقى عليه وزيراً مرتين للاقتصاد ثم المالية".
من جانبه، استدعى الإعلامي عبد الحميد قطب ما كتبه رئيس الوزراء الأسبق كمال الجنزوري في مذكراته "طريقي"، حيث خصص فصلاً كاملاً بعنوان "مسالك يوسف بطرس"، انتقد فيه توجهاته الاقتصادية واصفاً إياه بأنه من أهم العملاء للغرب والممتثلين لإملاءات صندوق النقد الدولي بما أضر بالمصالح الوطنية. وأضاف قطب ملمحاً لدور سياسي خطير لغالي:
https://x.com/AbdAlhamed_kotb/status/2077870968283001248
رئيس الوزراء الأسبق كمال الجنزوري في مذكراته "طريقي"، اتهمه صراحة بالعمل لصالح أجندات غربية والتلاعب مع صندوق النقد الدولي لفرض سياسات تضر بالاقتصاد الوطني. ولم يقتصر النقد على الجانب الاقتصادي بل امتد للسياسي؛ إذ أشار الجنزوري إلى قيام غالي بتسريب معلومات سرية عقب عودته من الولايات المتحدة عام 1993 حول مفاوضات كانت تجريها وزارة الداخلية تحت رعاية الشيخ محمد متولي الشعراوي للإفراج عن المعتقلين الإسلاميين ووقف العنف، مما أدى لغضب الرئيس مبارك وإقالة وزير الداخلية آنذاك عبد الحليم موسى وإفشال المبادرة بالكامل.
عقب أحداث ثورة 25 يناير 2011، غادر غالي البلاد وصدرت بحقه أحكام غيابية متعددة في قضايا فساد واستغلال نفوذ، أبرزها قضية "اللوحات المعدنية" وإهدار أموال التأمينات، وظل هائماً في العواصم الأوروبية لسنوات، إلى أن نجح فريقه القانوني مؤخراً في الحصول على براءات وإلغاء تلك الأحكام، مما مهد الطريق لظهوره الإعلامي الحالي وعودته لإثارة الجدل من جديد في المشهد المصري.
وفي ذات السياق، ذكّر الصحفي عبد المنعم محمود المتابعين بوقائع سابقة لغالي في أثناء وجوده بلندن، مشيراً إلى أنه دخل قبل 5 سنوات غرفة على تطبيق "كلوب هاوس" وادعى تقديم نصائح لوزير الخزانة البريطاني آنذاك ريشي سوناك، وهو ما دفع محمود وقتها لملاحقة المتحدثة باسم الخارجية البريطانية للاستفسار دون جدوى. وانتقد محمود الاحتفاء الإعلامي الحالي بغالي بعد إسقاط أحكام الفساد عنه وإظهاره في ثوب "المناضل" المغترب.
https://x.com/moneimpress/status/1371253911256977410
خلفيات مثيرة وعلاقات دولية معقدة
وينتمي يوسف بطرس غالي (المولود في عام 1952) إلى عائلة سياسية ودبلوماسية ؛ فهو ابن شقيق الدكتور بطرس بطرس غالي، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة. تلقى تعليمه في أرقى الجامعات الأمريكية حيث حصل على الدكتوراه في الاقتصاد من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، مما أهله للعمل في صندوق النقد الدولي بواشنطن في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يعود إلى مصر ليعمل مستشاراً اقتصادياً للحكومة ولرئاسة الجمهورية.
تدرج غالي سريعاً في المناصب الوزارية في عهد حسني مبارك، فتولى وزارات التعاون الدولي، والتجارة الخارجية، والاقتصاد، حتى وصل إلى ذروة نفوذه بتعيينه وزيراً للمالية عام 2004 في حكومة الدكتور أحمد نظيف.
وخلال هذه الفترة، أصبح غالي المهندس الأول للسياسات الليبرالية الجديدة في مصر، وتبنى خططاً واسعة لخصخصة القطاع العام، وإعادة هيكلة النظام الضريبي والجمركي، وهي السياسات التي حظيت بإشادة واسعة من المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين، لكنها في المقابل واجهت انتقادات داخلية لاذعة واتهامات بزيادة الفجوة الطبقية وإفقار الطبقات الوسطى والكادحة.