أثار نبأ إخلاء سبيل الصحفي محمود غنيم بعد أقل من 4 ساعات على توقيفه من قبل قطاع الأمن الوطني حالة واسعة من الجدل والغموض في الأوساط الصحفية والحقوقية. وجاء خروجه السريع، المصحوب بكتابة تعليقات فورية على أغلب الحسابات والمنصات الرقمية، ليثير تساؤلات متباينة بين من اعتبر الخطوة "قرصة ودن" أمنية مشروطة بتعهدات صارمة، وبين من استشعر في المشهد نوعاً من الاستخفاف أو الممارسات غير المفهومة مقارنة بملفات اعتقال الصحفيين الأخرى التي تمتد لسنوات في غياهب الحبس الاحتياطي بحسب الصحفية نجلاء سلامة.
سيناريو "تعهد" عدم التعامل مع الخارج
وفقاً للمعلومات الميدانية المتداولة، فإن توقيف محمود غنيم Mahmoud Ghanim لم يستمر سوى ساعات معدودة، جرى خلالها التحقيق معه حول طبيعة نشاطه الصحفي وتواصله مع وسائل الإعلام. وتشير المعطيات (التي كتبها غنيم نفسه في ردوده وعودته لحسابه) إلى أن الإفراج السريع جاء مشروطاً بتوقيعه على "تعهد رسمي" لقطاع الأمن الوطني يلتزم فيه بالامتناع التام عن العمل أو التعاون أو تزويد قنوات المعارضة المصرية التي تبث من الخارج بأي مواد صحفية أو معلوماتية وهو ما اشارت إليه الصحفية إيمان عوف عضو مجلس نقابة الصحفيين.
وعقب خروجه مباشرة، لوحظ نشاط مكثف ومفاجئ لغنيم عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ قام بتسجيل ردود وتعليقات متلاحقة على أغلب الحسابات التي تناولت خبر توقيفه، وهو السلوك الذي رآه مراقبون محاولة سريعة لإثبات وجوده في "المساحة الآمنة" وتأكيد التزامه بالخطوط الحمراء الجديدة التي رُسمت له خلال ساعات التوقيف الأربعة، مما أثار حيرة المتابعين حول سرعة هذا التحول وطبيعته الخاطفة.
تاريخ من الاعتقالات السابقة
لا يمكن قراءة واقعة "الأربع ساعات" بمعزل عن التاريخ الممتد للصحفي محمود غنيم مع الأجهزة الأمنية؛ إذ تعرض للاعتقال لمرات متعددة سابقة على خلفية عمله الصحفي وتعبيره عن آرائه ذكر أنها عشر مرات بحسب حسابه وتعليقات عليه.
https://web.facebook.com/profile.php?id=61589715843447&_rdc=1&_rdr
ويُصنف غنيم في الأوساط الحقوقية كأحد الصحفيين الذين دفعوا ضريبة "الباب الدوار" للاحتجاز؛ حيث أمضى فترات متفاوتة وراء القضبان في قضايا نشر سابقة، وهو ما جعل وضعه الحالي شديد الحساسية؛ إذ تحول من فترات الحبس الاحتياطي المطولة في المرات السابقة إلى نمط "الاحتجاز الخاطف والتحذير المباشر" أو ما يُعرف في العُرف الأمني بـ "قرصة الودن" لضبط الإيقاع دون تكلفة سياسية أو حقوقية كاملة، ليبقى كأنه رهن احتجاز مع وقف التنفيذ.
ردود الفعل من قنوات الخارج
دخلت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، والتي تقودها الصحفية إيمان عوف، على خط الأزمة لمتابعة أوضاع الصحفيين المحتجزين والمفرج عنهم حديثاً. ورغم ترحيب اللجنة المبدئي بأي خطوة تؤدي إلى خروج الصحفيين من مقرات الاحتجاز، إلا أن النقاشات الداخلية تعكس قلقاً عميقاً من تحول "التعهدات الأمنية" المسبقة إلى أداة جديدة وممنهجة لتقييد حركة الصحفيين ومحاصرة مصادر رزقهم في ظل الأوضاع المهنية الخانقة بالداخل.
وفي المقابل، جاء رد أحد الإعلاميين العاملين في قنوات المعارضة بالخارج ليعقب على موقف لجنة الحريات والواقع الميداني، معتبراً أن الضغوط الأمنية داخل مصر وصلت إلى مرحلة إجبار الصحفيين على الاختيار بين السجن أو العزل المهني التام. وأشار المصدر إلى أن قنوات الخارج تظل ملاذاً اضطرارياً للعديد من الأقلام والمراسلين المصادرة حقوقهم في الداخل، وأن إجبار صحفي مثل محمود غنيم على توقيع تعهد بعدم التعامل معها يعكس رغبة الأمن في فرض حصار كامل على المعلومة، محذراً من أن القبول بهذه الصيغ يفرغ العمل النقابي والحقوقي من مضمونه ويحول الإفراج إلى إقامة جيرة مقنعة وصمت إجباري.
دلالات التعهد الإجباري
وفي سياق القراءة التحليلية لهذه الواقعة الشائكة، دخل الكاتب الصحفي قطب العربي Kotb El Araby على فيسبوك على خط الأزمة ليفكك أبعاد هذا الإفراج السريع ودلالاته الحقوقية. واعتبر العربي أن إجبار الصحفي على توقيع تعهد بعدم التعامل مع منصات معينة هو اعتراف ضمني من الأجهزة الأمنية بفشل سياسة الحبس الطويل في إخماد الأصوات، واللجوء بدلاً من ذلك إلى سلاح "الترهيب الخاطف" وقطع الأرزاق.
وأوضح قطب العربي أن قنوات المعارضة في الخارج لم تكن يوماً ترفاً للصحفيين في الداخل، بل هي النافذة الوحيدة التي تكسر الحصار الإعلامي المضروب على المجتمع. وأضاف أن تحويل الاعتقال إلى "قرصة ودن" مدتها أربع ساعات والضغط لانتزاع مثل هذه التعهدات يعكس رغبة أمنية في تحويل الصحفيين إلى "رهائن تحت الطلب"، يتم تحريكهم والتحكم في كتاباتهم الإلكترونية فور خروجهم لإظهار المشهد على غير حقيقته. وحذر العربي من خطورة هذا النهج الذي يستهدف تدجين الجماعة الصحفية وتجريدها من أدوات التواصل الإقليمي والدولي.
رابط توثيق الواقعة
تداول الناشطون والحقوقيون الخبر عبر منصات التواصل الاجتماعي لمتابعة الحالة وقراءة التناقضات المحيطة بالواقعة، وذلك وفقاً للرابط المرفق:
https://www.facebook.com/photo/?fbid=27447201378268059&set=pcb.27447201708268026
يظل ملف محمود غنيم، بين الاعتقالات السابقة والإفراج الخاطف الأخير والتعهدات الأمنية المفروضة، نموذجاً كاشفاً لآليات التعامل الأمني الإستراتيجي مع الحريات الصحفية؛ حيث يتم استبدال عتمة السجون الطويلة بضغوط وتعهدات فورية تحدد مسار القلم وتمنعه من التغريد خارج السرب المسموح به حكومياً.
مناخ العمل الصحفي
وهذه الواقعة الخاطفة ليست مجرد حدث عابر، بل هي نموذج مجهري يعكس بوضوح البيئة العامة والمناخ الخانق الذي يختبره الصحفيون في مصر يومياً من تحويل الاعتقال إلى إجراء خاطف يتم في غضون ساعات يُبرز عدة أبعاد هيكلية في التعامل الأمني:
وأولها؛ تجريد الصحفي من الحماية القانونية وأن ما يحدث في هذه الاستدعاءات والاعتقالات السريعة هو تغييب كامل لأي غطاء قانوني أو دستوري؛ حيث يجد الصحفي نفسه وحيداً، مجرداً من حضور ممثل نقابي أو محامٍ، في مواجهة مباشرة أمام عتاولة جهاز أمني يمتلك سلطة مطلقة في التحديد الفوري لمصيره المهني والشخصي.
وثانيهما؛ فرض "الهندسة الاجتماعية" والصمت الاحترازي، وذلك بالتوقيع على "تعهد" بعدم التعامل مع منصات معينة ليس مجرد إجراء إداري، بل هو آلية لفرض رقابة ذاتية صارمة (ضع لنفسك خط أحمر) ، الجهاز الأمني هنا لا يحتاج إلى عناء الحبس الطويل وتكلفته الحقوقية؛ بل يكتفي بـ "قرصة ودن" سريعة كفيلة بإيصال رسالة مرعبة مفادها: نحن نراقبك، وتحركاتك محكومة بمدى التزامك بالخطوط التي نرسمها لك.
ثم الاستخفاف بالعمل النقابي والمؤسسي وهو نمط من الإفراج المشروط يفرغ لجان الحريات والمؤسسات النقابية من قوتها؛ إذ يتم تجاوز القنوات القانونية المعتادة واستبدالها بـ "تفاهمات أمنية إجبارية" تجعل الصحفي في حالة تأهب دائم وخوف مستمر من العودة وراء القضبان عند أي زلة قلم.
وتكشف الواقعة على ما يبدو أن جدران السجن لم تعد هي الأداة الوحيدة للتقييد، بل تحول المناخ المهني نفسه إلى "سجن مفتوح" تُدار فيه الأقلام بضغوط مباشرة تفقد العمل الصحفي استقلاليته وتجعله خاضعاً للحسابات الأمنية المحضة.