“تونس تلفظ قيس سعيد”. .. أيام المنقلب التونسي هل أصبحت معدودة؟

- ‎فيعربي ودولي

بينما يرى البعض أن أيام المنقلب التونسي قيس سعيد أصبحت معدودة، يتساءل آخرون عن البديل: هل سيكون رحيله بداية حكم ديمقراطي رشيد يعيد تونس لأهلها، أم مجرد انتقال من واجهة بهلوانية خاوية إلى حكم عسكري ظاهر أو مستتر؟ بعدما كشف أعداد من نزل الشارع أن "تونس تلفظ قيس سعيد".

الأكيد أن الشعب التونسي، الذي كان المثال في 2011 لكل العالم العربي، ما زال عنده الأمل في العودة للمسار الديمقراطي ووقف الاستبداد. والأهم أنه محمَّل، ليس بخبراته هو فقط مع قيس سعيد ومن قبله بن علي، ولكنه محمَّل بخبرات منطقة كاملة مع القمع والعنف السياسي الذي لا ينتج إلا فشلًا اقتصاديًا وديونًا متراكمة وطبقات اجتماعية كلها تعاني.

 

الكهرباء والمياه والحريات

وعلى وقع الأسابيع الماضية، وانقطاعات متكررة في الكهرباء بدعوى تخفيف الضغط على الشبكة التي لم تعد قادرة على توفير الطلب. هذه الانقطاعات مثلت خطراً على المواطنين سواء في انقطاعها على البيوت أو المستشفيات، بجانب انقطاع المياه، لدرجة انتشار دعوات للتبرع بالثلج والمراوح لأقسام الطوارئ في المستشفيات.

وكانت المنظمة التونسية للأطباء قد أعلنت وفاة 150 إلى 200 مواطن بسبب الموجة الحارة التي تضرب البلاد.

وكتبت الناشطة سيرين: "بس مافي نغض بعد ماتولي قيس سعيد الحركة التنظيمية للبلاد، لذلك توجد هناك برشا أمور على الصعيد الاقتصادي والمعيشة ونقص في المال، هذا ما يؤدي إلى حاجات أساسية مش موجودة أو مفقودة مثل: الزيت والسكر والقهوة. صحيح هو صاحب قانون قيس سعيد، لكن القانون هون لا يكفي".

ومن جانبها حذّرت نقابة الصحفيين التونسيين من تراجع غير مسبوق في حرية الصحافة، مؤكدة أن ملاحقة الصحفيين لم تعد حالات فردية، بل أصبحت نهجاً يطبع المشهد الإعلامي منذ إجراءات 25 يوليو 2021. وقال نقيب الصحفيين زياد دبار إن تونس تشهد وجود صحفيين داخل السجون، إلى جانب ما لا يقل عن 30 قضية مرفوعة ضد إعلاميين، معتبراً أن هذا الواقع يتناقض مع مبادئ الثورة، وعلى رأسها الحرية والكرامة.

 

جوهر بن مبارك: إضراب عن الطعام

وفي تطور مأساوي، أعلن معارضون خوض عدد ممن يوصفون بالسجناء السياسيين إضرابات احتجاجية عن الطعام. ومن بين هؤلاء، المعارض جوهر بن مبارك، الذي نُقل مرات عدة إلى المستشفى بسبب تدهور وضعه الصحي، بعدما بدأ إضراباً عن الطعام منذ نهاية الشهر الماضي، احتجاجاً على سجنه في القضية المعروفة إعلامياً بـ "التآمر على أمن الدولة"، والتي حُكم عليه فيها ابتدائياً بالسجن 18 سنة.

وعليه، خرج آلاف التونسيين في 25 و26 وصباح 27 يوليو 2026 إلى شوارع العاصمة تونس، متحدين الحصار الأمني المكثف، ليعبروا عن غضبهم العارم من تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وانقطاع الكهرباء والمياه، وتراكم الديون، وغياب الحريات، وذلك في الذكرى الخامسة للإجراءات الاستثنائية التي اتخذها قيس سعيد في 25 يوليو2021.

 

ارحل ..لا ضوء ولا ماء

وتجمّع المحتجون في ساحة الجمهورية ثم توجهوا نحو مبنى المسرح البلدي في شارع الحبيب بورقيبة، رافعين العلم التونسي ولافتات تنتقد المسار السياسي القائم، ورددوا هتافات معارضة للرئيس قيس سعيد من بينها "ارحل" و"الشعب يريد إسقاط النظام"، و"لا ضوء ولا ماء، الحبس والغلاء". وسط انتشار أمني لافت، رافقه تمركز لقوات مكافحة الشغب على المداخل الرئيسية للشارع.

وفي تصريح لشبكة الجزيرة، قال عماد الخميري، أحد منظمي المظاهرة، إن هذه التحركات لم تعد مقتصرة على الأطراف المعارضة التقليدية، بل امتدت لتشمل شرائح اجتماعية واسعة طالتها الأزمة الاقتصادية وتردي الخدمات وانقطاعات المياه والكهرباء المتكررة في عدد من الجهات. ودعا الخميري إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، قائلاً إن استمرار اعتقال "الشيوخ" -في إشارة إلى الشيخ راشد الغنوشي وقياديين معارضين وشخصيات سياسية موقوفة- يمثل عاراً على الدولة التونسية.

 

أهم تحشيد للشارع

في تحليل دقيق، كتب الصحفي التونسي سعيد الزواري عبر حسابه على منصة إكس، ونقله الاعلامي والصحفي قطب العربي عبر Kotb El Araby، ملاحظات مهمة حول المظاهرة: قارب عدد المشاركين 3500 متظاهر، وهو "أهم تحشيد للشارع تنجح فيه المعارضة منذ فترة طويلة، وربما منذ تراجع زخم تحركات جبهة الخلاص". وأضاف أن العدد في حد ذاته ليس كبيراً مقارنة بمحطات تاريخية عرفتها تونس، لكنه يحمل دلالة سياسية بالنظر إلى حالة التشتت التي عاشتها المعارضة خلال السنوات الأخيرة.

وكان هذا التنوع لافتاً، لكن الأهم هو درجة التقارب أو الاندماج. "لأول مرة بدا أن مختلف المكونات تتحرك كجسم واحد. في محطات سابقة، كنا نشاهد أحياناً ثلاث أو أربع مظاهرات داخل المظاهرة نفسها: شعارات مختلفة، ولافتات متباينة، وصور متنافسة، وحتى إيقاع للهتافات يكون مختلفاً".

كانت هذه المظاهرة أكثر انضباطاً من كثير من التحركات السابقة. المسار كان واضحاً وقصيراً، والوجهة محددة، والهتافات مركزة، والصف الأول ضم مختلف الحساسيات السياسية.

واختتم الزواري تحليله بالقول: "الأهم من العدد نفسه في اعتقادي هو أن المعارضة حاولت اليوم بعث رسالة وحدة أكثر من رسالة استعراض قوة. فبدت وكأنها تدرك أن معركتها الأساسية لم تعد فقط مع السلطة، بل أيضاً مع صورتها لدى جزء من الرأي العام الذي ظل يرى فيها معارضة مشتتة ومتصارعة وانتهازية".

 

أستاذ قانون دستوري انقلب على الدستور

وفي تغريدة لاقت تفاعلاً واسعاً، كتب الدكتور مصطفى تميمي: "أكثر ما يثير العجب في تجربة الدكتاتور الفاشل قيس سعيد هو أنه كان أستاذاً للقانون الدستوري!! وأول شيء فعله بعد توليه الحكم هو الانقلاب على الدستور وتعطيله وتعطيل الحياة الديمقراطية وشن أوسع حملة انتهاكات لحقوق الإنسان ومصادرة القضاء واستخدامه أداة للقمع والتنكيل بمخالفيه".

وكتب المحلل السياسي محمد المختار الشنقيطي: "يبدو أن أيام قيس سعيد أصبحت معدودة، فهل سيكون رحيله الوشيك بداية حكم ديمقراطي رشيد يعيد تونس لأهلها، ويجدد شباب الثورة التونسية المجيدة؟ أم سيكون مجرد انتقال من واجهة بهلوانية خاوية إلى حكم عسكري ظاهر أو مستتر تديره المخابرات العسكرية لصالح القوى الأجنبية؟"

وأشار أكرم منسي AkramMansy إلى أن تونس في ظلام بعد 5 سنوات من الوعود التي تبخرت مع تقديرات بريطانية تشير إلى أن أيام الرئيس التونسي قيس سعيد في الحكم باتت معدودة. وتأتي هذه التقديرات بالتزامن مع احتجاجات تشهدها تونس على خلفية أزمة انقطاع الكهرباء، التي تسببت في وفاة عدد من كبار السن والمرضى، وسط موجة حر شديدة.

وكتبت الدكتور يسري عزيز من "تكنوقراط مصر": "المستبدون لا يتعلمون من دروس التاريخ القديم أو الحديث. تونس اليوم تزلزل عرش قيس السعيد. وما زال السيسي يُراهن على القبضة الأمنية. وما بين تونس ومصر أقل من لمح البصر. ولكن المستبدين لا يستمعون إلا لصوت أنفسهم فقط. والسيسي أضاع كل فرص الخروج الآمن".

ومن جانبه قال عضو الكونغرس الأميركي الجمهوري جو ويلسون: "منذ خمس سنوات في مثل هذا اليوم، نفّذ الديكتاتور قيس سعيد الانقلاب في تونس، محولاً الديمقراطية الدستورية الوحيدة في العالم العربي إلى ديكتاتورية الفرد الواحد. وفي السنوات التي تلت ذلك، أصبحت تونس في وضع أسوأ بكثير اليوم؛ إذ تم إلغاء الحريات المدنية، والانتخابات الديمقراطية، والفصل بين السلطات. ويقبع الآلاف من السجناء السياسيين في السجون لمجرد كونهم معارضين للديكتاتور. بل إن الطاغية سعيد قد سجن حتى مواطنين أمريكيين. كما تزايد الفساد بشكل هائل مع قيام نظام سعيد بالسرقة الوقحة من الشعب التونسي، في وقت يستمر فيه الاقتصاد في الانهيار مدمراً الفرص أمام الشباب التونسي".

 

جيل جديد من الشباب

وقدم حساب "الموقف المصري" تحليلا شاملا معتبرا أن المظاهرات تقول إن جيلاً جديداً من الشباب اختبر بنفسه التردي الاقتصادي كنتيجة واضحة للتردي السياسي والقمع الجنوني والاستبداد.

وأشار إلى كل التضامن مع الأشقاء في تونس ضد الاستبداد، الذي نتمنى له نهاية سواء بقناعة المستبدين بكارثية ما يعملوه على شعوب كاملة، أو حتى مقتنعوش ومصيرهم مش هيختلف كتير عن اللي سبقوهم مهما طال الوقت اللي بيراهنوا عليه بينما بيخلق احتقان سياسي وسخط شعبي ممكن آثاره متكونش بوداعة الآثار السابقة".

وفي تغريدة مثيرة للجدل، كتب حساب "ثورة شعب": "الدنيا في تونس مقلوبة على قيس سعيد .. اللي معملش ربع اللي السيسي عمله.. لا باع الأرض للخلايجة ولا خد قروض من طوب الأرض ولا بنى قصور رئاسية وعاصمة جديدة ليه هو ورجالته ولا اشترى الغاز من الصهاينة ولا فرط في النيل ولا ولا.. كل شويه يطلع يقول للشعب اصبروا وستروا العجب العجاب. الناس هناك طالعه مظاهرات وعايزينه يمشي علشان معترضين على إن الكهرباء بتقطع ومفيش مياه واقتصاد البلد باظ والأسعار غليت بس مش أكتر!!! على الله تفوق يا شعب مصر وتصحى لروحك".

وفي تغريدة لاقت تداولاً واسعاً، قال الدكتور محمد فتوح، المتحدث باسم حزب تكنوقراط مصر: "أنصح السيسي بالنظر إلى ما يحدث في تونس. لقد كان السيسي يساند ويدعم بشار الأسد، ويؤكد باستمرار أن بشار باقٍ في الحكم، لكن بشار الأسد رحل، ثم جلس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع من كان بالأمس يرصد مكافأة قدرها 10 ملايين دولار مقابل القبض عليه. كما كان السيسي يراهن على قبضة قيس سعيد، بل إن هناك تنسيقاً أمنياً بين مصر وتونس. وها هو الشعب التونسي يقول كلمته ويصب غضبه على قيس سعيد. ولذلك، أنصح السيسي بأن يراقب ما يحدث الآن في تونس، وأن يحاول استغلال الفرصة الأخيرة للرحيل بهدوء، فلعل ما يحدث الآن يمثل فرصة ذهبية لأخذ العبرة. لأن غضب المصريين، إذا وقع الانفجار الشعبي، فلن يكون مثل غضب التونسيين، وحينها لن يبقى ولن يذر".