من رأس الحكمة إلى الموانئ والبنوك وحقل ظهر.. كيف تمد الإمارات نفوذها داخل الاقتصاد المصري؟

- ‎فيتقارير

من الأمور المعروفة في التجارة لا تعطي مستثمرًا بعينه فرصة للسيطرة علي نشاط  منفردا لان هذا يُخالف قانون السوق الذي يعمل علي منع الاحتكار. واذا كان هذا الامر خطرًا علي أي عمل تجاري، فكيف تسمح حكومة الانقلاب لدولة واحدة مهما كانت بالسيطرة علي هذا الكم الهائل من الشركات الإستراتيجية والأنشطة ذات الحساسية الأمنية والسياسية.

هذا المشهد يعيد الي الاذهان خطوات احتلال مصر من قبل بريطانيا والذي امتد الي منتصف القرن العشرين، ومن الواضح ان الامارات تسير في هذا الطريق للوصول الي نفس الهدف احتلال مصر اقتصاديا، فلم يعد للاحتلال التقليدي ضرورة في عصرنا الحالي. ومن علامات هذا الاحتلال ما حدث بداية هذا الصيف في منطقة مراسي التي فرضت قوانين الامارات علي الملاك المصريين.

المراقب لملف بيع أصول الدولة المصرية، من بنوك وشركات وأراضٍ وحتى أصول القطاع الخاص، يُلاحظ ثلاثة أمور ترتبط بصفقات الإمارات المبرمة مع الحكومات المتعاقبة على حكم مصر في السنوات الأخيرة، وما قد تُشكله تلك الصفقات الضخمة والمتنامية والتركيز الاستثماري من تهديد للأمن الاقتصادي للدولة وضغوط سياسية ومجتمعية وفق نخب مصرية، خاصة مع إحكام الشركات الإماراتية قبضتها على خدمات حيوية مرتبطة بالمواطن مثل الرعاية الصحية والقطاع المصرفي والمالي وإمدادات الطاقة، أو اعتبارات مرتبطة بالاقتصاد وأنشطته والإيرادات العامة وحقوق الأجيال.

الأمر الأول أن نسبة مهمة من صفقات بيع تلك الأصول تكون من نصيب مستثمرين إماراتيين تابعين لحكومة أبوظبي وصناديقها السيادية مباشرة أو محسوبة على شركات إماراتية، والثاني هو استحواذ الإمارات على درة أصول مصر، بما فيها القطاعات الإستراتيجية أو بالغة الحساسية مثل الأمن الغذائي والزراعة والبنوك والخدمات المالية والموانئ واللوجستيات والمستشفيات والأدوية والمختبرات ومعامل التحاليل، فضلاً عن مشروعات الطاقة، سواء من نفط أو غاز أو كهرباء وطاقة رياح وطاقة متجددة، والفنادق التاريخية وصناعة الأسمدة والأدوية والبتروكيماويات والعقارات.

والأمر الثالث هو تسارع عمليات البيع للدولة الخليجية في السنوات الأخيرة، بل وتفاخر حكومة الانقلاب بذلك مع محاولة تجميل تلك الصفقات المثيرة لعشرات من الأسئلة وعلامات التعجب، فالبيع تطلق عليه الحكومة "استثمارًا"، مثلما الحال مع مشروع رأس الحكمة، حيث بيعت قطعة شاسعة من أراضي الساحل الشمالي وتعدّ من أفضل أصول مصر بقيمة 35 مليار دولار، ولا أحد يعرف بدقة مسار استثمار حصيلة المبلغ الضخم، خاصة أنه أعقب وصوله استمرار تهاوي الجنيه المصري، وتردي القوة الشرائية للمواطن، وتعمق الأزمات المعيشية.

ومن وجهة نظر حكومة الانقلاب فإن شراء حكومة أبو ظبي وشركات إماراتية مزيداً من أصول الدولة المصرية هو "تعزيز للاستثمارات الإماراتية القائمة" في الأنشطة المختلفة، ويأتي في إطار دعم الحليف السياسي الخليجي للاقتصاد المصري، علما بأن هناك تقديرات تشير إلى تجاوز إجمالي صافي الاستثمارات الإماراتية المباشرة في مصر نحو 45.8 مليار دولار خلال آخر 4 سنوات مالية.
 

وهناك عشرات بل مئات الصفقات التي تؤكد الأمور الثلاثة والقلاقل المثارة حولها، فلا يمر أسبوع واحد حتى نرى فوز الإمارات بصفقة جديدة لشراء أحد الأصول في مصر، ونظرة إلى الصفقات التي تمت في آخر أسابيع نجد أن الدولة الخليجية فازت بنصيب الأسد منها.

وعلى سبيل المثال ما جرى اليوم ، إذ كُشف عن قرب موافقة حكومة الانقلاب  على عرض مستثمر إماراتي شراء أرض الجفيرة الواقعة في الساحل الشمالي الغربي وبالقرب من رأس الحكمة ومراسي وعلى مساحة نحو 642 فداناً، مقابل 135 مليار جنيه، ما يعادل 2.7 مليار دولار.

وقبل أيام اشترى بنك إماراتي أصول بنك HSBC – مصر، التي تضمنت فروعاً ومحفظة الأفراد والموظفين لدى واحد من أقوى وأكبر البنوك المصرية الخاصة، وبقيمة 300 مليون دولار، وبإبرام الصفقة تكون الإمارات قد اشترت عدة بنوك في مصر وغيّرت اسمها إلى: أبوظبي الأول وأبوظبي التجاري ومصرف أبوظبي الإسلامي، والإمارات دبي الوطني والمشرق، كما اشترت الإمارات في إبريل 2022 حصة مهمة 18% في أكبر وأضخم بنك خاص في مصر، وهو البنك التجاري الدولي (CIB)، وذلك ضمن صفقة بلغت قيمتها نحو مليار دولار واشترت بموجبها أهم شركة متخصصة في مجال المدفوعات الإلكترونية وهي شركة فوري، إلى جانب حصص حيوية في شركات أبوقير للأسمدة والإسكندرية للحاويات وموبكو للأسمدة.

ولا يمر أسبوع واحد حتى نرى فوز الإمارات بصفقة جديدة لشراء أحد الأصول في مصر، وقبل أسابيع قليلة أشترت شركة إماراتية محطة رياح البحر الأحمر، وهي أكبر محطة لتوليد الكهرباء من الرياح في أفريقيا، وثاني أكبر محطة طاقة رياح في مصر مقابل 420 مليون دولار، وهذه صفقة غاية في الخطورة، إذ تُعدّ المحطة من أبرز الأصول الإستراتيجية في قطاع الكهرباء المصري، وتسهم في تحقيق إنتاج مستقر للكهرباء النظيفة وخفض تكاليف التوليد على المدى الطويل.

وتسعى الإمارات بكل قوتها نحو السيطرة على أحد أكبر مشغلي محطات الحاويات في مصر، وقبل أيام عادت شركة "موانئ أبو ظبي" بعرض أعلى لشراء 90% من أسهم شركة الإسكندرية للحاويات، وهي صفقة، إن تمت، تضع الإمارات في موقع المسيطر على أهم موانئ مصر التجارية، وشراء أول شركة متخصصة في تداول الحاويات في مصر، التي تدير محطتين رئيسيتين في ميناءي الإسكندرية والدخيلة، ما يجعلها أحد الأصول التشغيلية الرئيسية في منظومة الموانئ المصرية على البحر المتوسط.

ويعلم القاصي والداني حجم استثمارات شركة موانئ دبي العالمية الضخم في إدارة كبريات الموانئ المصرية ولمدد تصل إلى 30 سنة، فالشركة تسيطر على 90% من ميناء العين السخنة، وتمتلك حصة تصل إلى 32% من ميناء الإسكندرية، كما تشارك بنسبة 49% في عدد من مشروعات هيئة قناة السويس، فضلاً عن نفوذها المتنامي في ميناءي دمياط وسفاجا، وحتى الموانئ الجافة كميناء العاشر من رمضان.

ولن أتحدث هنا عن الوجود القوي للإمارات في قطاع الموانئ المصرية، وما يمثله من تحديات كبيرة للأمن القومي المصري، وكذا الوجود القوي في قطاع الطاقة والاستحواذ على مواقع مهمة لإنتاج النفط والغاز والكهرباء، وفي عام 2018 أبرمت شركة "مبادلة للبترول" الإماراتية اتفاقية اشترت بموجبها 10% في امتياز "شروق" البحري في مصر، الذي يضم حقل ظهر للغاز الطبيعي بقيمة 934 مليون دولار.