تتطابق الشهادات والوثائق الحقوقية والإعلامية على أن الدكتور حازم الببلاوي، 89 سنة، بصفته "رئيس وزراء" خلال فترة الانقلاب العسكري، يُعدُّ أحد أبرز المسئولين الرئيسيين والشركاء المباشرين في واحدة من أفظع المجازر ضد المدنيين في تاريخ مصر الحديث.
وفي شهادته علي كواليس مفاوضات ما قبل إقدام العسكر علي ارتكاب مذبحتي رابعة العدوية والنهضة..قال مبعوث الاتحاد الأوروبي آنذاك "برناردينو ليون" في تصريحات لوكالة رويترز يوم 14 أغسطس 2013"كان لدينا خطة سياسية علي الطاولة، وتم قبولها من قبل التحالف المؤيد للرئيس مرسي، وكان يُمكن للعسكر وحكومة حازم الببلاوي المعينة منهم أن يأخذوا بهذا الخيار"، ولذلك كل ما حدث اليوم من مذابح كان غير ضروري.
وأشرفت حكومة الببلاوي على عملية فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر، اللتين خلفتا مئات القتلى وآلاف الجرحى من المعتصمين السلميين المؤيدين لمرسي.
https://www.facebook.com/dd.alamanyah/videos/10201681309732643?idorvanity=369561069788542&locale=ar_AR
كما أصدرت حكومة الببلاوي قرارات باعتبار جماعة "الإخوان المسلمين " جماعة إرهابية، وبمصادرة أموال قيادات الجماعة، ومئات من المتعاطفين معها، وأعضاء حزب الحرية والعدالة دون سند من القانون.
وأصدرت الحكومة نفسها قانون تنظيم التظاهر المثير للجدل، في نوفمبر من عام 2013، الذي مثّل غطاءً لوقائع قتل مئات المتظاهرين برصاص قوات الأمن، وحبس ومحاكمة الآلاف ممن شاركوا في التظاهرات السلمية خلال عامي 2013 و 2014، ومن بينهم الناشط البارز علاء عبد الفتاح، وآخرون، في القضية المعروفة إعلامياً بـ"أحداث مجلس الشورى".
وتُظهر الشهادات الموثقة، ومنها ما وثقه الباحث عبدالرحمن عياش في توثيقه لتفاصيل اجتماع مجلس وزراء حكومة الببلاوي، أن قرار الفض لم يكن مجرد إجراء أمني عابر، بل تم عرضه والتصويت عليه داخل أروقة مجلس الوزراء. وتشير المعطيات إلى أن الأغلبية الساحقة من أعضاء الحكومة -الذين انتمى كثير منهم للتيار المدني- قد وافقوا بالتصويت على خطة فض الاعتصام وقتل آلاف المصريين في ساعات قليلة، ولم يُسجل اعتراض أو رفض لهذا القرار الدموي سوى من ثلاثة وزراء فقط استقالوا أو رفضوا تحمل وزر الدماء، وهم: نبيل فهمي (وزير الخارجية)، وليلى إسكندر (وزيرة البيئة)، وأحمد محمود جلال (وزير المالية).
بينما تباينت المواقف الأخرى بين امتناع البعض مثل زياد بهاء الدين وموافقة الباقين، ترأس الببلاوي هذه المنظومة الدموية وغطى سياسياً على جرائم وزير الداخلية محمد إبراهيم وقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، ليتحمل المسئولية الجنائية والسياسية الكاملة عن تلك الأرواح التي أُزهقت بدم بارد وكأنهم بلا قيمة بشرية تذكر، حيث تعاملت السلطة معهم باعتبارهم عبئاً يجب التخلص منه بغض النظر عن عدد القتلى الذين تجاوزوا الألف في ساعات معدودة، في مشهد وصفه المعارضون والسياسيون بأنه يعكس انحطاطاً أخلاقياً وسياسياً غير مسبوق في تاريخ الإدارة المصرية الحديثة برمتها.
اعترافات موثقة ومقارنات مشينة مع جرائم الحرب
في حواره الشهير مع مراسلة قناة "إي بي سي" الأمريكية مارثا راداتز، الذي وثقه السياسي والبرلماني المصري الدكتور حاتم عزام، لم يقتصر الببلاوي على إنكار المذبحة، بل قدم اعترافات صريحة وموثقة بتعمد استخدام القوة المفرطة والوحشية، مقارناً ما ارتكبته قوات الجيش والشرطة المصرية بحق مواطنيها بما وصفه بـ"الفظائع والممارسات الاستثنائية" التي مارسها الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام، وكأن المتظاهرين العزل في الميادين المصرية هم أعداء أجانب أو "فيتناميون" يجب سحقهم وتأديبهم لفرض سلطة الغصب والاحتلال العسكري.
وعندما واجهته المراسلة بحجم العنف والدمار، لم يبدِ الببلاوي أي ندم، بل صرح جهاراً وبكل برود أعصاب أمام الكاميرات موثقاً جريمته بلسانه: "هناك أوقات استثنائية يتم التعامل فيها بوحشية، لكن هذا لا يعني أن يصبح هذا أسلوب حياة"، مؤكداً في نهاية اللقاء أنه "غير نادم" على ما جرى.
هذا التصريح الفاضح يكشف بجلاء العقلية الانقلابية الاستئصالية التي تعاملت مع الشعب المصري -الرافض للانقلاب والمتمسك بالديمقراطية التي أسفرت عنها ثورة يناير المجيدة- وكأنهم مجموعة من المخربين الذين يستحقون الإبادة الجماعية، دون أي اعتبار لحرمة الدماء أو القوانين الإنسانية الدولية التي تُجرم استهداف المدنيين العزل بالرشاشات والمدرعات وطائرات الهليكوبتر العسكرية.
نفاق الضمير وسقوط الأقنعة السياسية
تتضاعف فداحة دور حازم الببلاوي، الذي وصفه الناشطون بأوصاف حادة تعكس مدى الخيانة الوطنية، حين يتم استحضار تناقضاته الصارخة ومواقفه الانتقائية بين الأمس واليوم. فالجميع يتذكر بوضوح تام أنه استقال سابقاً من حكومة عصام شرف الانتقالية في أكتوبر 2011 احتجاجاً على أحداث "ماسبيرو" المؤلمة التي راح ضحيتها 19 شهيداً فقط، مبرراً استقالته يومها أمام الرأي العام بأن الحكومة ملزمة أخلاقياً وقانونياً بتوفير الأمن والأمان للمواطنين، وأنها حتى لو لم تكن مسئولة بشكل مباشر عن وقوع الخطأ الميداني فإن عليها حماية الأرواح وتقديم الاستقالة فوراً كدليل على تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية.
غير أن هذا المعيار الأخلاقي المدعى انهار وتلاشى تماماً حين تعلق الأمر بالسلطة والمكاسب الشخصية والرضا الأمريكي والاقليمي؛ فبدل أن يقدم استقالته أو يرفض الدماء حين سقط الآلاف من الضحايا دفعة واحدة في مجزرتي رابعة العدوية والنهضة، صفق الببلاوي للجريمة وأدار عجلة الحكم الملطخ بالدماء كرأسٍ للوزراء تحت حربة الدبابات، مستمراً في تمرير القرارات القمعية وحملات الاعتقال الجماعية وإبادة المجال العام، متجهاً لاحقاً بعد انتهاء مهامه الدموية للعمل في المؤسسات المالية الدولية وصندوق النقد الدولي وكأن شيئاً لم يكن وكأن دماء الآلاف لم تسال على أعتاب رئاسة الوزراء التي ترأسها، متخذاً من الحصانة مؤقتاً درعاً لحماية نفسه من الملاحقات القضائية التي طاردته لاحقاً في الخارج.
الهروب من العدالة الدولية
نتيجة لتورطه المباشر والثابت في جرائم القتل خارج إطار القانون والتعذيب والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، واجه الببلاوي ملاحقات قضائية دولية جادة وحقيقية، من أبرزها الشكوى القضائية المهمة التي تقدم بها المواطن المصري محمد سلطان ضده أمام القضاء في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أسفرت عن فقده للحصانة القضائية وهربه المتخفي من أمريكا عائداً إلى مصر في ظروف غامضة ودون الإفصاح العلني عن مكان تواجده، خوفاً من المثول أمام العدالة أو التعرض للمساءلة الجنائية، وذلك بعد أن سقطت عنه الحصانة التي تمتتع بها رموز الأنظمة الاستبدادية برعاية الإدارة الأمريكية السابقة.
إن تلك الجرائم الموثقة، بدءاً من اتخاذ قرار الفض بالتصويت الوزاري، مروراً بالتصريحات والاعترافات التلفزيونية الصريحة التي تقر بالوحشية وتقارن الشعب المصري بجيوش الفيتناميين الأعداء، وصولاً إلى محاولات الإفلات المستمرة من العقاب والهروب من العواصم الغربية، توثق جميعها لجريمة حرب متكاملة الأركان وجريمة ضد الإنسانية وفقاً لأدق معايير القانون الدولي الجنائي ومحاكمات نورمبرغ التاريخية التي حاكمت أقطاب النازية على جرائم مماثلة، مما يجعل مثول الببلاوي ورفاقه الانقلابيين أمام منصات العدالة الدولية أمراً حتمياً لا يسقط بالتقادم ولا تبرره كل محاولات التزييف الإعلامي أو الهروب من وجه العدالة الإنسانية مهما طال الزمن أو تباعدت المسافات، وهو ما تؤكده دائماً منصات التوثيق الحقوقي مثلما وثقته صفحة اخبار اوروبا والعالم، بالإضافة إلى ما وثقته صور ومنشورات أرشفها الناشطون عبر شبكات التواصل.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=168429557040278&set=a.123324474884120&locale=ar_AR
فمن واقع ملفات المتابعة والتوثيق التي أعدها فريق "نحن نسجل – We Record"، وكشف عنها في 15 أغسطس 2019 عبر الرابط:
https://www.facebook.com/WeRecordAr/videos/384780862445533/?locale=ar_AR
ثبت يقيناً أن الببلاوي كان في قلب دائرة صنع القرار ومتابعة تنفيذ عملية فض اعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس 2013، وهي الجريمة التي أسفرت عن استشهاد واعتقال الآلاف من المواطنين العزل دون أي سند قانوني أو محاسبة حقيقية للمتسببين فيها، وما زال التوثيق مستمراً حتى لا تسقط الجريمة بالتقادم رغم محاولات الإفلات والتخفي ومحاولة الهروب من العدالة الدولية والمحلية، وهو ما يظهر بوضوح في تنقله بين المناصب الدولية كصندوق النقد الدولي بعد ارتكابه لتلك الفظائع الدامية.