يخلص مراقبون من تيارات غير إسلامية، إلى أن استخدام الفن والدراما كغطاء أيديولوجي لترسيخ "الصوت الوطني الواحد" وتبرير القمع تحت ستار "الحرب على الإرهاب" يعجز عن إلغاء التناقضات الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية، مما يترك الأزمة مفتوحة أمام تفاعلات المستقبل.
وضمن آراء، حول رابعة مقالات يُعد نموذجاً للخطاب السياسي المعارض لمسار 3 يوليو 2013، ويستخدم أسلوب "الشهادة من الخصم" كأداة بلاغية لإضفاء المصداقية على الرواية التي يدافع عنها، مع الإشارة إلى أن الأحداث ما زالت محل خلاف سياسي وقانوني في مصر حتى اليوم.
مقال أحمد الشريف
المقال الذي كتبه أحمد الشريف هو نص تحليلي-توثيقي يهدف إلى إعادة قراءة أحداث فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013، عبر الاستشهاد بشهادات لكتّاب وصحفيين معروفين بمعاداتهم لجماعة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي، وذلك لتقديم ما يسميه الكاتب "شهادة من غير أهلها" — أي شهادات من خصوم الجماعة لا من أنصارها — لإثبات وقوع ما يصفه بـ"المذبحة" و"تزييف الوعي" الإعلامي.
والمنهجية التي يعتمدها الكاتب تقوم على فكرة أن أقوى دليل على صحة الرواية هو أن يأتي من مصادر معادية للطرف المتضرر، فلا يُتهم بالمحاباة أو المجاملة. وقد اختار ثلاث شخصيات: بلال فضل (السيناريست العلماني المعروف بعدائه للإخوان)، وكاتب ليبرالي لم يذكر اسمه، ووائل قنديل (الكاتب الصحفي)، إضافة إلى نقل تصريح من مقال فهمي هويدي عن الصحافة الصهيونية.
الأسئلة الحاسمة في مقال بلال فضل
وينقل الكاتب مقال بلال فضل المنشور في جريدة الشروق بتاريخ 19 أغسطس 2013 — أي بعد خمسة أيام فقط من أحداث الفض — ويتضمن سلسلة أسئلة جوهرية موجهة إلى حكام مصر الفعليين آنذاك (رئيس الوزراء حازم الببلاوي ووزير الدفاع عبد الفتاح السيسي)، ومن أبرزها.
أين ذهبت الأسلحة الكيماوية والآلية الثقيلة (المزعومة) التي كانت وسائل الإعلام تجزم بوجودها في الاعتصامين وتتحدث عن قدرتها على إسقاط آلاف القتلى؟
فيديوهات القنص: لماذا لم يعلق المسئولون على الفيديوهات التي تُظهر قنص المعتصمين العُزّل في الرأس والصدر حتى أثناء إسعافهم للجرحى أو تصويرهم لما يجري؟
وهل هناك فيديو يظهر قوات الأمن وهي تحفر لتجد جثثاً محترقة ومدفونة تحت المنصة؟ ولماذا لم يتم تحقيق رسمي يكشف من تسبب في حرقها؟
ولماذا لم تعرض وسيلة إعلام مصرية واحدة صور وأسماء ضحايا الفض؟
وكيف يبكي البعض على دماء شهداء عهد مرسي ويسكتون على بقاء وزير الداخلية محمد إبراهيم الذي "سفك تلك الدماء وأضاف إليها دماء جديدة"؟
ولماذا سمحتم بتنظيف مكاني الاعتصامين في نفس يوم الفض قبل معاينة أجهزة العدالة ومنظمات حقوق الإنسان للمكانين؟ هل كان الهدف إخفاء آثار الوحشية؟
التناقض في المواقف الدولية: لماذا يُرحب بأي رد فعل دولي يدين الإخوان، ويُدان أي رد فعل دولي يستنكر فض الاعتصام؟ هل أنتم ضد التدخل الدولي أم ضده فقط عندما لا يتفق مع مواقفكم؟
مقال "هلاوس ليلة الفض" (نموذج الكاتب الليبرالي)
ينقل الكاتب مقالاً نُشر في 13 أغسطس 2013 — أي قبل الفض بيوم واحد — يصف فيه الحملة الإعلامية ضد الاعتصام بأنها "حزمة أكاذيب" و"هلاوس".
ويشير إلى أنه لم تستطع الأكاذيب المستخدمة منذ أسابيع صناعة صورة شيطانية للاعتصام، فدفعت القائمين عليها لتجريب أسلحة أخرى لم تفلح.
ونجحت "إشارة المرور الصغيرة" (في إشارة لميدان رابعة العدوية) في فرض واقع سياسي على جميع الأطراف، وأثبتت أن "مغامرة الثلاثين من يونيو لم ولن تمر كنزهة أو نزوة عابرة".
واستطاع الاعتصام أن "ينقر على زجاج الضمير" ويستدعي شرائح وفئات متنوعة من كل مكان، جاءت معلنة التضامن معبرة عن حالة إنسانية.
ورددت "جوقة الانقلاب" أخباراً كاذبة عن جثث طافية ومدفونة، وجهاد النكاح، وحد الحرابة، وأسلحة دمار شامل، مما يكشف عن "إفلاس فكري وأخلاقي داخل معسكر الانقلاب".
"اعتصام البطة السوداء" (وائل قنديل)
وأشار ثالثا إلى المقال الذي نشر في 14 أغسطس 2013 — يوم الأربعاء الأسود أثناء جريان المجزرة— وفيه؛ وصف التعامل الإعلامي مع المعتصمين بأنه "عنصرية" و"غسيل مخ" غير مسبوق في التاريخ، يستخدم أساليب التنويم بالفزاعات مع الشعب "وكأنهم يخاطبون شعباً من الأطفال البلهاء".
واستشهد بنظرية المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي عن "الأسلحة الصامتة للحروب الهادئة"، التي تتضمن استراتيجية تشجيع الشعب على "استحسان الرداءة" ليكون غبياً وجاهلاً.
وتحدث عن "عمليات النهش اليومية في سمعة معتصمي رابعة والنهضة" وتصويرهم "وكأنهم مجموعة من مصاصي الدماء"، مع الحديث عن مخازن أسلحة ومقابر جماعية ومزارع بط وميادين رماية في شقق سكنية لا تزيد مساحتها على مائة متر.
وأشار إلى أن "الأبواق التي تشيطن هؤلاء النبلاء في ميادين الاعتصام هي ذاتها التي شيطنت ثوار الغضب الرائع في 25 يناير 2011"، وأن غالبية المعتصمين هم من أبناء ثورة يناير بحسب الكاتب.
التصريح الصهيوني (من مقال فهمي هويدي)
أورد الكاتب تصريحاً من مقال فهمي هويدي في جريدة الشروق بتاريخ 19 أغسطس 2014، يتعلق بالعلاقة بين السيسي و"إسرائيل": وكيف وصفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عبد الفتاح السيسي بأنه "بطل إسرائيل الجديد" وتحدثت عن علاقته الوثيقة بنتنياهو.
ذكر موقع "ديبكا" الإسرائيلي أن السيسي ونتنياهو كانا على اتصال هاتفي يومي أثناء حرب غزة 2014 على خطوط آمنة مثبتة من قبل وكالات الاستخبارات في البلدين.
اعتبرت صحيفة "جيروساليم بوست" الصهيونية السيسي "شخصية العام" تقديراً لشخصه وللدور الكبير الذي قام به في مصر.
ويخلص الكاتب إلى أن هذه الشهادات — التي لم ينتمِ أصحابها يوماً لجماعة الإخوان المسلمين ولا لأي رافد من روافد التيار الإسلامي — تكتسب أهميتها في "إحداث حالة من إعادة التفكير وقراءة المشهد مرة أخرى".
ويرى أن إعادة نشر هذه الشهادات تأتي في إطار ما يسميه "معركة الوعي" ضد "تزييف الوعي" و"تزوير الحقائق" الذي ترسخه وسائل الإعلام، خاصة مع عودة الأحداث للسطح درامياً مع المسلسلات الرمضانية وبنفس "الاستحمار الإعلامي وقصف العقول" الذي كان متبعاً وقتها.
"تشكيل شرعية الثورة المضادة عبر الدراما" مقال استعرض فيه "الاشتراكيون الثوريون" كيف تحولت الدراما التلفزيونية والسينمائية في مصر عقب أحداث 30 يونيو 2013 إلى أداة أساسية لإعادة كتابة التاريخ وترسيخ السردية الرسمية للدولة، معتمدين على مفاهيم تحليلية وسياسية لتفكيك هذه الظاهرة.
ويوظف المقال مفهوم "البونابرتية" (المستوحى من كارل ماركس) لوصف نظام ما بعد 2013، حيث يبرز حكم "الرجل القوي" ذي الطابع العسكري الكاريزمي كنمط سلطوي يستغل حالة الاستقطاب وتوازن الضعف بين القوى السياسية المختلفة (الإخوان، المعارضة الضعيفة، والبرجوازية).
ورأى أن النظام الانقلابي وعد بإنهاء الفوضى وتحقيق الاستقرار، مستفيدًا من تراجع شعبية الإخوان وفشل سياساتهم الاجتماعية والاقتصادية النيوليبرالية.
وأشار إلى أنه لم تقتصر السيطرة على الإعلام الإخباري، بل امتدت إلى الدراما الرمضانية (مثل مسلسل "الاختيار" بمواسمه) التي أصبحت منصة أمنية وسيادية موجهة.
واستخم المقال تعبيرات وجملا واصفة تعكس بدقة طبيعة تلك المرحلة وآليات الهيمنة السياسية والفنية حيث لم تكن السردية الرسمية مجرد نشرة إخبارية، بل قامت على خطاب يستهدف "تصدير الخوف كأداة رئيسية للهيمنة؛ الخوف من الإرهاب، ومن الفوضى والانهيار"، جرى خلاله تقديم رواية الدولة باعتبارها "التفسير الوحيد المعقول للماضي والمسار الوحيد الممكن للمستقبل"، ورسم مشهد ما بعد يناير في صورة "حرب دائمة بين العدو الإرهابي وأجهزة الدولة الأمنية الساهرة على حماية الوطن"!
وتهدف الدراما برأيهم إلى إقصاء جميع الأصوات الأخرى (بما فيها القوى الثورية والمدنية وشخصيات النظام الأخرى)، وتقديم أجهزة الدولة ككيان فوق طبقي وطني بحت، مع التغطية على جوانبها القمعية.
وهو ما يعتبر استغلال الدراما كساحة لإعادة كتابة التاريخ مع توسّع سيطرة الأجهزة السيادية، "تحوّلت الدراما إلى ساحة مركزية لإعادة كتابة التاريخ القريب وفرض السردية الرسمية للدولة"، متجاوزة الهدف السياسي التقليدي إلى "إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع بما يضمن ترسيخ سردية معينة تُبرر الوضع الحالي وتُرسخه"، لتصبح الأعمال الفنية "الغطاء الأيديولوجي لبناء شرعية لبونابرتية السيسي، وإنتاج الصوت الوطني الواحد ضد الجماعات الإسلامية".
حيث أشار المقال إلى سيطرة الأجهزة الأمنية (مثل الأمن الوطني) المباشرة على كتابة وتوجيه الأعمال الفنية عبر لجان وورش عمل. وأن كواليس صناعة هذه الأعمال تؤكد تدخلًا فجًا؛ حيث يشير الكاتب إلى شهادة أحد الكتاب عن زياراته الأسبوعية لـ "الضابط المسئول عن المسلسل في الأمن الوطني"، حيث يُترك العمل لتلقي التعديلات دون مبررات أو خطوط درامية واضحة، لتتحول الدراما تدريجيًا إلى "ساحة فنية للجهات السيادية؛ يقررون ما يتم أو يصلح عرضه وما يتم منعه أو تأجيله في أفضل الظروف".
معالجة مذبحتي رابعة والنهضة
وفي عرض خاص، أشار المقال إلى "تصور" رسمي للفض باعتباره عملية سلمية متأخرة جاءت بعد استنفاد كل الحلول، وبأقل قدر من الخسائر في صفوف المدنيين وأقصى تضحيات من الشرطة.
وأشار إلى المفارقة بين الواقع والدراما في فض رابعة، وأن معالجة مذبحتي رابعة والنهضة، صوّرت الدراما الفض بأنها عملية فض لاعتصام مسلح جاءت على مضض نتيجة فشل أي مفاوضات سلمية للتسوية مع المعتصمين، وتمت بأقل قدر ممكن من الخسائر في صفوف المدنيين وبأكبر قدر ممكن من التضحيات من جانب الأجهزة الأمنية، وهو ما يناقضه تمامًا الواقع الذي شهد حجماً هائلاً من الضحايا وخسائر بشرية فادحة لم تؤيدها حتى القوى السياسية التي شاركت في المشهد.
وتُعارض الرواية الرسمية مع شهادات سياسية (مثل شهادة محمد البرادعي) وتقارير حقوقية ودولية (مثل هيومن رايتس ووتش ووزارة الصحة)، التي تُوثق حجم الضحايا الكبير والخسائر البشرية الفادحة وغياب الإجماع السياسي حتى بين مؤيدي الانقلاب (كاستقالة البرادعي وموقف الأزهر) بحسب المقال.
وبحسب الاشتراكيين الثوريين، تحولت "الحرب على الإرهاب إلى مبرر دائم لتوسيع نطاق القمع السياسي"، ولم يقتصر الاستهداف على التيار الإسلامي فحسب، بل امتد ليشمل القوى السياسية والمدنية عبر أدوات قانونية متكررة مثل "نشر أخبار كاذبة، والانتماء إلى جماعة إرهابية، وإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي"، مما أدى إلى "انكماش المجال السياسي وتراجع إمكانيات التعبير والتنظيم المستقل".
وركزت الدراما على بناء صورة أسطورية لشخصية عبد الفتاح السيسي بوصفه الأب الحنون والقائد الحكيم المنقذ. كما سعت دراما الدولة إلى "تصوير السيسي في شخصية الفرد المخلص" عبر تركيز طفولي يظهر فيه بصورة "الأب الحامي، بكل ما فيها من لمسات ذكورية"، بالتوازي مع "التهميش الفج لأي شخصية قد يؤثر ظهورها على هذه الكاريزمية"، وتجاهل رموز وشخصيات بارزة لتصوير الصراع حصريًا على أنه "صراع بين أجهزة الدولة من جهة والإخوان المتطرفين من جهة أخرى".
وتعمدت السردية الدرامية تهميش أو تجاهل شخصيات سياسية محورية أخرى شاركت في المشهد (مثل محمد البرادعي، جبهة الإنقاذ، والفريق سامي عنان)، لحصر الصراع حصريًا بين أجهزة الدولة وجماعة الإخوان المسلمين.
ويخلص المقال إلى أن كل هذه الأدوات الدرامية تهدف إلى إعادة إنتاج «الدولة البوليسية ككيان فوق طبقي». ورغم قدرة الدراما على منح السلطة غطاءً أيديولوجيًا، إلا أنها «لا تستطيع إلغاء التناقضات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أنتجت الأزمة أصلًا»، ومع تراكم الزمن وتأجيل الحلول، ستظل هذه السردية عاجزة عن احتواء الانفجارات المجتمعية المقبلة.
https://web.facebook.com/photo/?fbid=1343108164663395&set=a.115584794082411