دولة “القائمين بالأعمال” في مصر.. لماذا يُفضّل السيسي مسئول “خيال مآتة”؟

- ‎فيتقارير

سؤال بسيط يكشف جوهر ظاهرة القائم بالأعمال في مصر: إذا كان الشخص صالحًا بما يكفي لإدارة مؤسسة حساسة سنة كاملة، فلماذا لا يُعيَّن رئيسًا لها بصورة أصلية ومستقرة؟ وإذا ظل صالحًا ثلاث سنوات أو أربعًا أو خمسًا، فلماذا يستمر كل مرة بقرار تكليف جديد لسنة واحدة؟

ولا تتعلق المسألة بمجرد مسمى وظيفي أو إجراء إداري مؤقت، وإنما تتحول، عندما يستمر التكليف لسنوات، إلى ظاهرة سياسية وإدارية تستحق التوقف أمامها. فالمؤقت الذي يتكرر عامًا بعد عام لم يعد مؤقتًا بالمعنى الحقيقي، وإنما يصبح طريقة لإدارة الدولة وإعادة صياغة علاقة المسئول بالمؤسسة وبالسلطة التي تملك قرار استمراره.

وحالة حسن عبدالله، محافظ البنك المركزي، تقدم نموذجًا بالغ الدلالة،  فقد بدأ تكليفه قائمًا بأعمال محافظ البنك المركزي في أغسطس 2022، ثم جرى تجديد التكليف عامًا بعد عام، وصولًا إلى التجديد الأخير لمدة عام اعتبارًا من أغسطس 2026.

نحن إذن أمام مسئول يدير أهم مؤسسة نقدية في البلاد منذ أكثر من أربع سنوات بصفة «قائم بالأعمال». وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت السلطة ترى أن الرجل مناسب إلى هذه الدرجة لإدارة البنك المركزي طوال هذه السنوات، فلماذا لم يتحول الأمر إلى تعيين مستقر وفق الإطار القانوني المنظم للمنصب؟

وقد تكون هناك اعتبارات قانونية وإجرائية خاصة بالبنك المركزي تجعل المقارنة مع الهيئات الرقابية الأخرى بحاجة إلى تدقيق، ولذلك لا ينبغي اختزال المسألة في عبارة «ليس له صلاحيات». لكن استمرار التكليف لسنوات يظل ظاهرة سياسية وإدارية لافتة؛ لأن المسئول الذي يحتاج إلى تجديد تكليفه كل سنة يعرف أن استمراره في موقعه ليس مضمونًا بمدة ولاية مستقرة، وإنما يتوقف على استمرار الثقة السياسية فيه.

 

عمرو عادل

وتقدم هيئة الرقابة الإدارية مثالًا آخر شديد الدلالة على هذه الظاهرة. فقد أصدر عبد الفتاح السيسي قرارًا بتجديد تكليف عمرو عادل علي حسني إبراهيم بالقيام بأعمال رئيس هيئة الرقابة الإدارية لمدة عام، اعتبارًا من 30 أغسطس 2026، ليكون هذا التجديد الرابع على التوالي منذ توليه رئاسة الهيئة بصفة قائم بالأعمال في أغسطس 2022.

أي أننا أمام مسئول لا يشغل المنصب منذ فترة انتقالية قصيرة، وإنما يدير إحدى أكثر المؤسسات الرقابية حساسية في الدولة المصرية منذ أربع سنوات كاملة من خلال صيغة التكليف السنوي المتجدد.

وتزداد دلالة الحالة إذا نظرنا إلى المسار المهني لعمرو عادل نفسه. فهو حاصل على ليسانس الحقوق وعلوم الشرطة، والتحق بالهيئة عام 1995، وتدرج في غالبية الوظائف التنفيذية والقيادية بالوحدات المركزية والإقليمية والتخصصية، قبل أن يصل إلى منصب نائب رئيس الهيئة عام 2019. كما شارك في تعديل قانون الهيئة واستحداث تخصصات تتعلق بضبط جرائم الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية.

أي أننا لا نتحدث عن شخص جرى اختياره بصورة عابرة لسد فراغ، وإنما عن مسئول أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل الجهاز وتدرج في معظم مستوياته القيادية، ثم تولى رئاسته أربع سنوات متصلة بصفة «قائم بالأعمال».

وهنا تعود المفارقة نفسها بصورة أكثر وضوحًا: إذا كان عمرو عادل يمتلك هذه الخبرة الطويلة داخل الهيئة، وإذا كان النظام قد اختاره لإدارة جهاز بهذه الحساسية طوال أربع سنوات متتالية، فما الذي يجعل صفته تظل «قائمًا بالأعمال» حتى بعد كل هذه السنوات؟

وهيئة الرقابة الإدارية ليست مؤسسة تنفيذية عادية؛ فطبيعة عملها الرقابي والتحقيقي تجعل استقلال رئيسها واستقراره الوظيفي عنصرين شديدي الحساسية. ولذلك فإن إبقاء رئيسها في حالة تكليف سنوي متجدد يعني أن صاحب المنصب، مهما كانت صلاحياته القانونية في ممارسة أعمال الهيئة، يظل يعلم أن هناك قرارًا جديدًا يحتاج إليه لكي يستمر في موقعه، وكلما طال أمد التكليف، أصبح من الصعب تفسيره باعتباره مجرد إجراء مؤقت لسد شغور.

ونعود للتساؤل مرة أخرى ما هي طبيعة العلاقة التي تريد السلطة إنشاءها بين رئيس الهيئة ومركز القرار السياسي بعد أربع سنوات من الإدارة المتواصلة.

 

الجهاز المركزي

والأمر لا يقتصر على البنك المركزي وهيئة الرقابة الإدارية. فقد ظهر النموذج نفسه في الجهاز المركزي للمحاسبات، حيث جرى تكليف المستشار محمد الفيصل يوسف رجب بالقيام بأعمال رئيس الجهاز في أغسطس 2024، ثم تجديد تكليفه لعام آخر في أغسطس 2025، قبل تجديد تكليفه مجددًا في أغسطس 2026.

وهنا تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن الجهاز المركزي للمحاسبات ليس مؤسسة تنفيذية عادية، بل جهاز رقابي مهمته الأساسية مراقبة المال العام وأداء أجهزة الدولة والهيئات والشركات التابعة لها.

وعندما يكون رئيس مؤسسة رقابية كبرى في وضع تكليف سنوي متجدد، فإن السؤال عن الاستقلال لا يعود ترفًا سياسيًا، بل يصبح جزءًا من تقييم قدرة المؤسسة على أداء وظيفتها.

 

صلاحيات منقوصة

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في نظام «القائم بالأعمال». فالمسئول ليس بالضرورة دمية بالمعنى الحرفي، وليس بالضرورة عاجزًا عن اتخاذ القرار، لكنه قد يكون مسئولًا يمتلك صلاحيات واسعة داخل مؤسسته، بينما يفتقد في الوقت نفسه إلى أهم عناصر الاستقلال: أمن المنصب.

وهذه النقطة هي التي تجعل وصف «خيال المآتة» توصيفًا سياسيًا، لا وصفًا قانونيًا. فخيال المآتة ليس بالضرورة شخصًا لا يستطيع الحركة، وإنما شخص يستطيع أن يتحرك داخل الحدود التي تسمح بها الجهة التي أبقته في مكانه. والقائم بالأعمال الذي ينتظر في نهاية كل عام قرارًا جديدًا بتجديد تكليفه قد يصبح أكثر حرصًا على ألا يدخل في صدام غير ضروري مع مركز السلطة.

 

مؤقت دائم

والأدق في توصيف هذه الظاهرة ألا يُقال إن القائم بالأعمال لا يملك صلاحيات، لأن هذا التعميم ليس دقيقًا من الناحية القانونية. القائم بالأعمال قد يمارس بالفعل اختصاصات رئيس المؤسسة ويدير موظفيها ويتخذ قراراتها اليومية.

لكن القضية الأكثر أهمية ليست في وجود الصلاحيات من عدمه، وإنما في درجة الاستقلال التي يستطيع صاحب هذه الصلاحيات أن يمارسها. فهناك فرق جوهري بين مسئول يمتلك ولاية محددة المدة، وبين مسئول يعرف أن بقاءه في موقعه يحتاج إلى قرار تجديد جديد بعد عام.

عندما يتحول التكليف إلى سنوات متتالية، يصبح السؤال مشروعًا: هل ما زلنا أمام قائم بالأعمال بالمعنى المؤقت، أم أمام رئيس فعلي للمؤسسة اختارت السلطة إبقاءه في وضع تكليف دائم؟

ففي حالة الطرطور عدلي منصور كان معنى «المؤقت» واضحًا منذ اللحظة الأولى: عينه السيسي في أعلى منصب في الجمهورية محل الرئيس الشرعي محمد مرسي بصفة مؤقتة خلال المرحلة الانتقالية، وكانت مهمته مرتبطة بانتهاء مرحلة انتقالية وتسليم السلطة إلى رئيس منتخب. لم يكن المؤقت هنا إلا وسيلة لإبقاء رئيس المؤسسة العسكرية (وكأنه لم يذبح الشعب لمجرد الذبح ) في حالة انتظار دائم لتجديد الثقة به.

وهذا تحديدًا ما يجعل المقارنة السياسية لافتة: المؤقت الحقيقي له نهاية معروفة أو مرتبطة باستحقاق محدد، أما حين يتحول «القائم بالأعمال» إلى رئيس فعلي لسنوات، مع تجديد تكليفه عامًا بعد عام، فإن صفة المؤقت نفسها تصبح موضع السؤال.

 

سؤال التجديد

وهنا تصبح المسألة أكثر وضوحًا عندما يكون التجديد سنويًا ومتكررًا. فالمسئول الذي يعرف أن مستقبله الوظيفي مرتبط بقرار يصدر من رأس السلطة بعد أشهر قليلة، يواجه حافزًا مختلفًا تمامًا عن مسئول يعلم أن لديه ولاية مستقرة لا يمكن إنهاؤها لمجرد اختلاف سياسي أو إداري.

وقد لا يحتاج النظام إلى إعطاء المسئول تعليمات مباشرة في كل ملف، لأن مجرد معرفة المسئول بمن يملك قرار تجديد تكليفه يمكن أن تؤثر في طريقة تعامله مع الملفات الحساسة.

فالسؤال ليس فقط: ماذا يستطيع أن يفعل؟  وإنما: ما الذي يستطيع أن يفعله وهو مطمئن إلى أنه سيظل في منصبه؟

 

أمان وظيفي

المسألة إذن ليست أن المسئول لا يستطيع اتخاذ القرار، وإنما أنه قد لا يمتلك الاستقلال النفسي والمؤسسي لاتخاذ القرار الأكثر حساسية عندما يعلم أن مستقبله الوظيفي مرتبط برضا السلطة.

قد يستطيع القائم بالأعمال توقيع عشرات القرارات اليومية، لكن السؤال الحقيقي يظهر عندما يصل إلى قرار يمكن أن يتعارض مع مصالح أو تفضيلات مركز السلطة.

هنا يصبح غياب الأمان الوظيفي عاملًا مؤثرًا في السلوك، حتى من دون صدور تعليمات مباشرة.

 

سلطة التجديد

وهنا تكمن إحدى أهم مزايا هذا النموذج بالنسبة إلى نظام شديد المركزية: السيطرة دون الحاجة إلى إصدار أوامر يومية. فالمسئول يعرف من يملك قرار استمراره، والنظام يعرف أن المسئول يعرف ذلك. وبالتالي تصبح سلطة التجديد السنوي في حد ذاتها وسيلة ضغط محتملة، حتى من دون استخدامها بصورة مباشرة أو معلنة.

فالمسئول لا يحتاج بالضرورة إلى أن يُقال له: «افعل هذا ولا تفعل ذاك». يكفي أن يعرف أن قراره المهني القادم يمر من الباب نفسه الذي جاء منه.

 

رجل المؤسسة

في دولة المؤسسات يكون المنصب أقوى من الشخص. المسئول صاحب الولاية المحددة يستطيع أن يبني سياسة طويلة الأجل، لأنه يعرف حدود ولايته ويعرف أن بقاءه لا يعتمد على قرار تجديد سنوي.

وهذا النوع من الاستقرار يساعد على نشوء ما يمكن تسميته «رجل المؤسسة»: مسئول يرى أن ولاءه الأول للقانون وللمؤسسة التي يرأسها، وأن موقعه لا يتوقف على علاقة شخصية أو سياسية بمركز السلطة.

 

رجل المهمة

أما القائم بالأعمال الذي يتجدد تكليفه عامًا بعد عام، فقد يتحول من «رجل مؤسسة» إلى «رجل مهمة». هو قوي بما يكفي لإدارة المؤسسة، لكنه يظل في وضع لا يمنحه نفس الدرجة من الاستقرار المؤسسي.

ومن منظور نظام شديد المركزية، قد يكون هذا النموذج أكثر ملاءمة؛ لأنه يمنع المسئول من امتلاك ولاية مستقلة، أو بناء مركز قوة داخل المؤسسة، أو الشعور بأن القانون وحده هو مصدر شرعيته في الموقع.

 

مراكز القوة

التعيين المستقر يمكن أن يسمح للمسئول بامتلاك قدر أكبر من الاستقلال، وتكوين شبكة علاقات داخل مؤسسته، وبناء شرعية شخصية ومؤسسية، واتخاذ قرارات قد لا تتطابق دائمًا مع رغبة السلطة التنفيذية.

أما التكليف السنوي فيبقي المسئول قويًا بما يكفي لإدارة المؤسسة، لكنه أضعف من أن يتحول بسهولة إلى مركز قوة مستقل عنها.

وهنا ربما تكمن قيمة «القائم بالأعمال» بالنسبة إلى النظام: ليس لأنه أقل كفاءة، وإنما لأنه أقل استقلالًا.

 

ولاية غائبة

تزداد المفارقة وضوحًا كلما طال أمد التكليف. سنة واحدة يمكن تفسيرها بوجود فراغ أو ظرف انتقالي. سنتان يمكن تبريرهما بإجراءات استثنائية. لكن عندما يصل الأمر إلى أربع سنوات، كما في حالة عمرو عادل، أو أكثر من أربع سنوات في حالة حسن عبدالله، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كان المسئول مناسبًا إلى هذه الدرجة، فلماذا لا يتم تعيينه؟

وإذا كان غير مناسب لمنحه ولاية مستقرة، فلماذا تتركه السلطة يدير المؤسسة نفسها عامًا بعد عام؟

 

المادة 216

وتزداد حساسية الأمر عندما يتعلق بالهيئات والأجهزة التي ينظم الدستور طريقة تعيين رؤسائها ومدة ولايتهم. فالمادة 216 من الدستور المصري تنص على تعيين رؤساء الهيئات والأجهزة الرقابية بعد موافقة مجلس النواب لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة، مع ضمانات تتعلق بعدم إعفائهم من مناصبهم إلا في الحالات التي يحددها القانون.

وفلسفة هذا النص ليست مجرد تحديد رقم «أربع سنوات»، وإنما توفير قدر من الاستقرار والاستقلال يسمح لصاحب المنصب بممارسة وظيفته بعيدًا عن الخوف المستمر على موقعه.

ومن هنا تأتي المشكلة التي يثيرها الاستخدام المتكرر لصيغة «القائم بالأعمال»: هل يمكن أن يتحول الاستثناء المؤقت إلى وسيلة دائمة لشغل المنصب بما يفرغ ضمانة الاستقلال من جزء من مضمونها؟

 

استقلال شكلي

وهنا لا تعود القضية مجرد خلاف حول لقب المسؤول: «رئيس» أم «قائم بالأعمال». القضية هي طبيعة العلاقة بين المؤسسة ورأس السلطة.

فإذا كانت المؤسسة مستقلة على الورق، لكن رأسها يعلم أن استمراره يتوقف على قرار سنوي من السلطة السياسية، فإن الاستقلال يصبح معرضًا للتحول إلى استقلال شكلي.

وقد تكون المؤسسة قادرة على اتخاذ قرارات كثيرة، لكن اختبار استقلالها الحقيقي يظهر في القرارات التي يمكن أن تضعها في مواجهة مع السلطة.

 

خيال مآتة

من هنا يمكن فهم التعبير الشعبي القاسي «خيال مآتة» أو «أراجوز النظام»، باعتباره استعارة سياسية وليس حكمًا قانونيًا على الأشخاص.

المقصود ليس أن المسئول لا يعمل أو لا يعرف عمله. بل إن بنية المنصب نفسها قد تدفعه إلى الحذر السياسي الشديد.

فالمسئول الذي يعلم أن بقاءه يحتاج إلى تجديد جديد قد يكون أكثر ميلًا إلى تجنب الصدام، وأكثر حرصًا على عدم تجاوز الخطوط التي يتصور أن السلطة السياسية رسمتها.

وهكذا لا يحتاج النظام إلى مسئول بلا صلاحيات؛ بل قد يكون الأفضل له مسئول لديه كل الصلاحيات اللازمة لإدارة المؤسسة، لكن ليس لديه الاستقلال الكافي لمواجهة مركز السلطة.

 

دولة الأشخاص

وهنا نصل إلى المستوى الأوسع من الظاهرة. المشكلة ليست في حسن عبدالله أو عمرو عادل أو محمد الفيصل باعتبارهم أشخاصًا، ولا تحتاج إلى إثبات أن أحدهم تلقى تعليمات مباشرة من الرئيس في كل قرار. القضية الأهم هي تصميم العلاقة بين الشخص والمؤسسة.

في دولة المؤسسات يكون المنصب أقوى من الشخص، ويستمد المسئول استقراره من القانون والمؤسسة. أما عندما تصبح علاقة المسئول برأس السلطة هي العامل الحاسم في استمرار وجوده، فإن الشخص يبدأ في استمداد قوته من الجهة التي عينته، وتصبح المؤسسة نفسها أضعف أمام مركز السلطة.

وهكذا يمكن أن تتحول الدولة تدريجيًا من مؤسسات تحكم الأشخاص إلى أشخاص يديرون المؤسسات بإرادة مركز السلطة.

 

السؤال الأخطر

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع القائم بالأعمال اتخاذ القرار؟ بل السؤال الأخطر هو: هل يستطيع اتخاذ قرار كبير يعرف أنه قد لا يعجب السلطة السياسية، وهو يعلم أن السلطة نفسها ستقرر بعد أشهر إن كان سيظل في موقعه أم لا؟ هذا هو الفارق بين الصلاحية والاستقلال.

فالرئيس المعين بولاية محددة يعرف أن منصبه محكوم بإطار زمني وقانوني، أما القائم بالأعمال الذي يتجدد تكليفه سنويًا فيعيش في علاقة مختلفة مع مركز السلطة. قد تكون لديه أدوات الإدارة كلها، لكنه يعرف أن هناك موعدًا دوريًا يمكن عنده إعادة النظر في وجوده.

وهنا تكمن المفارقة الأخطر في «دولة القائمين بالأعمال»: النظام لا يحتاج إلى تحويل المسئول إلى أراجوز لا يفعل شيئًا؛ يكفي أن يجعله مسئولًا يعرف جيدًا من يملك قرار بقائه.

وعندما تتكرر هذه الصيغة في البنك المركزي، وهيئة الرقابة الإدارية، والجهاز المركزي للمحاسبات، ثم تمتد إلى مؤسسات أخرى، فإننا لا نكون أمام مجرد طريقة لتغطية الشواغر، وإنما أمام نمط أوسع في إدارة الدولة.

إذا كان الرجل صالحًا لإدارة المؤسسة أربع سنوات، فلماذا يظل قائمًا بالأعمال؟ وإذا كان غير صالح لمنحه ولاية مستقرة، فلماذا تتركه السلطة يدير المؤسسة نفسها أربع سنوات؟

وفي النهاية، فإن «القائم بالأعمال» ليس بالضرورة رجلًا بلا صلاحيات، وإنما قد يكون رجلًا بصلاحيات واسعة واستقلال محدود. وهذه هي المعادلة التي تجعل التكليف السنوي أداة سياسية شديدة الفاعلية في نظام شديد المركزية: تمنح المسئول سلطة إدارة المؤسسة، بينما تحتفظ السلطة السياسية لنفسها بالسلطة الأهم، وهي سلطة تقرير ما إذا كان هذا المسؤول سيظل في مكانه عامًا آخر ما يعني أنه أضعف من اتخاذ قرار.

https://x.com/AlmasryAlmawkef/status/2094410664898953659