بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة يومي 1 و2 سبتمبر 2026، والتي جاءت بدعوة من عبد الفتاح السيسي وبمناسبة مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية–الصينية، عاد ملف المسلمين في الصين، ولا سيما الأويجور في إقليم شينجيانغ، إلى واجهة النقاش.
حيث أعلنت السلطات الصينية إصدار كتابين جديدين حول تاريخ تركستان الشرقية والأديان فيها، في خطوة قالت: "إنها تهدف إلى مواجهة ما تصفه بـ«التشويه» بشأن سياساتها في المنطقة، بما في ذلك الانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان وسياسة «صَيننة الإسلام»".
ويأتي إصدار الكتابين في وقت تواجه فيه بكين انتقادات دولية وحقوقية متواصلة بشأن معاملتها للأويجور وغيرهم من المسلمين في تركستان الشرقية، شملت اتهامات بالاحتجاز التعسفي والقيود على الممارسات الدينية ومحاولات طمس الهوية الثقافية.
والزيارة التي ركزت رسمياً على تعميق الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وبكين، جاءت في الوقت نفسه بينما لا تزال الصين تواجه انتقادات دولية واسعة بشأن سياساتها تجاه الأويجور وغيرهم من المسلمين.
وتكتسب المفارقة أهميتها من أن شي جين بينج جاء إلى القاهرة ليقدم الصين باعتبارها قوة تسعى إلى تعزيز الاستقرار والتنمية وبناء «هيكل أمني جديد» في الشرق الأوسط، بينما تقول منظمات حقوقية إن سياسات بكين تجاه الأويجور تمثل أحد أكبر ملفات الانتهاكات ضد أقلية مسلمة في العالم المعاصر، وقد قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في أغسطس 2026 إن القمع الصيني المستمر منذ عقد بحق الأويجور وغيرهم من المسلمين ذوي الأصول التركية يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف أقوى.
معسكرات الأويجور
ويطرح إيهاب (@ehab10482009) مع زيارة الرئيس الصيني على أن القضية لا تتعلق فقط بما عُرف سابقاً بمعسكرات «إعادة التأهيل»، وإنما بمنظومة أوسع من السياسات التي تستهدف، بحسب ما ينقل، المجتمع الأويجوري دينياً وثقافياً واجتماعياً، ويتحدث عن الاعتقالات والسجون، والعمل القسري، والقيود على الشعائر الإسلامية، وفصل الأطفال عن أسرهم، والرقابة الواسعة، والقيود على السفر والتواصل مع الخارج.
واللافت في طرح إيهاب أنه يضع السؤال داخل السياق العربي نفسه: كيف يمكن أن تحظى الصين بهذا التقارب الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي مع الدول العربية، بينما تستمر في الوقت ذاته الانتقادات الدولية بشأن تعاملها مع أقلية مسلمة كبيرة داخل حدودها؟
وجوهر عدد من القضايا التي أشار إليها تؤكده تقارير دولية، فقد خلص مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في تقييمه الصادر عام 2022 إلى أن حجم الانتهاكات في شينجيانغ، بما في ذلك الاحتجاز التعسفي والتمييز والقيود على الحقوق الدينية والثقافية، قد يرقى إلى «جرائم ضد الإنسانية»، كما وثقت جهات أممية مخاوف بشأن العمل القسري والقيود المفروضة على اللغة والممارسات الدينية.
والملف لم يصبح من الماضي. ففي أغسطس 2026 قالت هيومن رايتس ووتش: "إن القمع بحق الأويجور مستمر بعد مرور عقد على بدء الحملة واسعة النطاق، كما وثقت المنظمة في وقت سابق من العام استمرار آثار الاعتقالات الجماعية والاختفاءات والانفصال القسري بين أفراد الأسر الأويجورية".
قمع السجون
من أهم ما يلفت في ملف الأويجور أن القضية، وفق التقارير الحقوقية، لا تختزل في الاعتقال، فقد تناولت تقارير الأمم المتحدة أيضاً القيود على ممارسة الإسلام، والضغط على الهوية الثقافية واللغوية، وتدمير أو تغيير مواقع دينية وثقافية، إلى جانب تقارير عن برامج عمل قسري ونقل للعمالة تحت ظروف قسرية أو شديدة الرقابة.
وفي وثيقة أممية، أعربت لجنة تابعة للأمم المتحدة عن قلقها من تقارير حول إجراءات قسرية في برامج تشغيل الأويجور والكازاخ والقرغيز وأفراد قوميات تركية أخرى، ومن بينها النقل القسري للعمال، والمراقبة الصارمة، والتهديد بالاحتجاز، كما أعربت اللجنة عن القلق من القيود المتزايدة على الممارسات الدينية الإسلامية ومن التقارير المتعلقة بالتدمير الواسع لمواقع دينية، بينها المساجد والمقابر.
وهنا تكتسب عبارة (صَيننة الإسلام) التي تتكرر في النقاش حول الصين أهمية خاصة؛ إذ يشير المصطلح إلى سياسة تهدف إلى جعل ممارسة الدين متوافقة مع الأيديولوجيا والسياسات التي تفرضها الدولة والحزب الشيوعي الصيني. ومن ثم فإن الخلاف لا يتعلق فقط بحرية أداء الشعائر، وإنما بالسؤال الأكبر حول هل يستطيع المسلم أن يحافظ على دينه ولغته وهويته الثقافية من دون أن يخضع لإعادة تشكيل تفرضها الدولة؟
ملف الأويجور وحسابات العرب من «تركستان الشرقية» إلى سؤال تقرير المصير
أما د. عصام عبد الشافي (@essamashafy) فيضع القضية ضمن إطار أكثر سياسية، إذ يتعامل مع «تركستان الشرقية» باعتبارها قضية مرتبطة بتاريخ طويل من الصراع حول الهوية والسيادة وتقرير المصير، وفي رؤيته، فإن القضية لا ينبغي اختزالها في كونها مجرد صراع بين الصين والولايات المتحدة، لأن ذلك قد يحول الأويجور إلى ورقة في صراع القوى الكبرى.
وهذه نقطة مهمة في سياق زيارة شي إلى القاهرة: فحتى لو كانت الولايات المتحدة تستخدم ملف حقوق الإنسان في الصين ضمن صراعها الجيوسياسي مع بكين، فإن ذلك لا يلغي، في المقابل، حقيقة وجود تقارير أممية وحقوقية مستقلة حول الانتهاكات التي تعرض لها الأويجور.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل يمكن للدول العربية أن تعارض سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، وتدعم في الوقت نفسه علاقاتها بالصين، من دون أن يعني ذلك التغاضي عن الانتهاكات التي تنسب إلى بكين بحق المسلمين؟
الجانب الديني والإنساني
ويركز د. محمد الصغير (@drassagheer) على الجانب الديني والثقافي للقضية، متحدثاً عن هدم المساجد والمقابر ومحاولات طمس الوجود الإسلامي التاريخي في شينجيانغ، بينما يضع الاعلامي أيمن عزام (@AymanazzamAja) القضية في إطار التضامن الإسلامي، منتقداً ما يعتبره ضعفاً في الموقف العربي والإسلامي تجاه الأويجور.
وهذه المواقف تعكس جانباً مهماً من النقاش العربي: فالقضية ليست سياسية فقط، وإنما تتعلق أيضاً بسؤال التضامن مع أقلية مسلمة تتحدث منظمات حقوقية عن تعرضها لانتهاكات واسعة، في الوقت الذي تتوسع فيه العلاقات العربية مع الحكومة الصينية.
المسلمون الهوي.. وجه آخر للعلاقة بين الصين والأزهر
وفي المقابل، تقدم فريدة (@zah1680) زاوية تاريخية مختلفة، من خلال التذكير بالعلاقات القديمة بين مسلمي الصين والأزهر في القاهرة، وخاصة مسلمي قومية «الهوي»، وتستحضر في منشورها قصة علماء صينيين درسوا في الأزهر، ومن بينهم إلياس تشاي، الذي ارتبط اسمه بجهود ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الصينية.
وهذه الرواية تذكّر بأن العلاقة بين المسلمين في الصين ومصر ليست جديدة، وأن القاهرة، بحكم مكانة الأزهر، تمتلك تاريخاً من التواصل الديني والعلمي مع المسلمين الصينيين. ومن هنا تصبح زيارة شي للقاهرة أكثر إثارة للاهتمام: فالرئيس الصيني لا يلتقي فقط القيادة السياسية المصرية، وإنما يأتي إلى بلد يحتضن واحدة من أقدم المؤسسات الإسلامية العالمية.
المفارقة في زيارة شي إلى القاهرة
المفارقة التي يلفت إليها هذا الملف هي أن شي جين بينج وصل إلى القاهرة في زيارة ركزت على «الشراكة الاستراتيجية» والتنمية والأمن والتعاون، بينما يأتي ذلك في وقت تقول فيه منظمات حقوقية إن سياسات بلاده تجاه الأويجور لا تزال مستمرة.
بل إن زيارة شي نفسها حملت بعداً أمنياً جديداً؛ إذ دعا خلال وجوده في مصر إلى إنشاء إطار أمني جديد للشرق الأوسط، مع توسع التعاون المصري–الصيني في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية.
وهنا يصبح ملف الأويجور جزءاً من السؤال الأوسع حول صورة الصين في العالم العربي: هل تُنظر إلى بكين باعتبارها قوة دولية بديلة عن الولايات المتحدة، أم باعتبارها قوة عظمى أخرى تتحرك وفق مصالحها، بما في ذلك داخل حدودها؟
السؤال المصري
والقضية تطرح معادلة شديدة الحساسية، فالقاهرة تسعى إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع الصين، وتعتبر بكين شريكاً مهماً في الاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية، وفي الوقت نفسه فإن ملف الأويجور يفرض سؤالاً حقوقياً وسياسياً لا يمكن تجاهله تماماً.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن على مصر قطع علاقاتها مع الصين أو تحويل العلاقة إلى مواجهة؛ وإنما يطرح سؤالاً أكثر واقعية: هل تستطيع القاهرة أن تطور شراكة استراتيجية عميقة مع بكين، وفي الوقت نفسه تحتفظ بمساحة مستقلة في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان والحريات الدينية؟
وفي النهاية، فإن التزامن بين زيارة شي جين بينج إلى القاهرة واستمرار الجدل حول أوضاع المسلمين في شينجيانغ يضع مفارقة واضحة أمام الرأي العام العربي: الصين تأتي إلى مصر لتعرض نفسها كشريك في التنمية والاستقرار وبناء نظام إقليمي جديد، بينما لا تزال تواجه اتهامات دولية خطيرة بشأن معاملتها للأويجور وغيرهم من المسلمين.
وهذه المفارقة لا تعني تلقائياً رفض الشراكة مع الصين، لكنها تجعل من الضروري، عند تقييم الدور الصيني في الشرق الأوسط، ألا يُنظر إلى بكين من زاوية الاستثمارات والمشروعات والمواقف السياسية فقط، بل أيضاً من زاوية سياساتها تجاه شعوبها وأقلياتها، وفي مقدمتها المسلمون الأويجور.
أبرز أشكال المعاناة (حسب تقارير حديثة 2024-2026):
الاعتقال الجماعي والسجن: احتُجز أكثر من مليون شخص في معسكرات “إعادة التأهيل/التعليم المهني” سابقاً، رغم إغلاق بعضها أو تحويلها، لا يزال مئات الآلاف (تقديرات تصل إلى نصف مليون أو أكثر من الأويجور والترك) في السجون أو مراكز الاحتجاز، مع معدلات سجن عالية جداً مقارنة بعدد السكان، أمثلة بارزة: علماء وناشطون مثل إلهان توهتي وراحيلة داووت ما زالوا محتجزين بأحكام طويلة.
العمل القسري: برامج “نقل العمالة” الإجبارية مستمرة ومكثفة (ملايين “مرات الأشخاص” سنوياً)، تشمل العمل في الحقول والمصانع داخل شينجيانغ وخارجها، تحت رقابة ومصادرة وثائق، مع تهديد بالاعتقال لمن يرفض. يرتبط ذلك بقطاعات مثل القطن والطاقة الشمسية وغيرها.
القيود الدينية والثقافية (“الصينة” أو Sinicization): منع أو تقييد الصيام في رمضان (إجبار على إثبات تناول الطعام بالفيديو أحياناً)، الصلاة، اللباس التقليدي، الأغاني واللغة الأويجورية، وتحية “السلام عليكم”. تدمير أو تعديل آلاف المساجد (تقديرات سابقة تشير إلى تضرر أو هدم نسبة كبيرة)، ومصادرة المصاحف، ومنع التعليم الديني للأطفال، قوانين جديدة (مثل لوائح 2024 وقانون “الوحدة العرقية” 2026) تُرسّخ دمج الدين والثقافة في أيديولوجية الحزب الشيوعي.
فصل العائلات والاستيعاب: فصل أطفال عن آبائهم ووضعهم في مدارس داخلية حكومية لتعزيز اللغة والثقافة الصينية (الهان). سياسات تحد من النمو السكاني (تعقيم وإجهاض قسري سابقاً)، رقابة جماعية مكثفة (كاميرات، تطبيقات، DNA، إلخ).
قيود على السفر والتواصل: صعوبة الحصول على جوازات سفر أو السفر للخارج، والضغط على الأقارب في الخارج، وملاحقة النشطاء في المهجر (القمع العابر للحدود).