تصاعدت في الآونة الأخيرة قضايا الرشوة والاختلاس والإضرار بالأموال العامة، في ظل نظام لم يكن حريصا على مقدرات الشعب المصري بالتفريط فيها عن طريق بيعها للأجانب من أراض ساحلية وشركات إنتاجية استراتيجية وموانئ وشركات طاقة.
أحالت نيابة الأموال العامة العليا، الأربعاء 26 أغسطس 2026، خمسة متهمين، بينهم مسؤولان بمصلحة الجمارك، إلى المحاكمة، على خلفية اتهامهم بالتلاعب في تسويات جمركية، بما أدى إلى رد ضمانات جمركية والإعفاء من سداد ضريبة القيمة المضافة بإجمالي 16.3 مليون جنيه دون وجه حق.
وتعود القضية، وفق أمر الإحالة، إلى وقائع جرت بين عامي 2019 و2021، واستفاد منها رجلا الأعمال مصطفى جمال ومصطفى محمد، الشريكان في شركة «آند ناين للملابس الجاهزة»، وكلاهما هارب بحسب أوراق القضية.
وتستكمل منصة «متصدقش» سلسلة تقاريرها حول قضايا ووقائع فساد، مستندة في هذا التقرير إلى أوراق القضية رقم 53 لسنة 2026 حصر أموال عامة عليا، التي تكشف تفاصيل التلاعب في نظام «السماح المؤقت» ومسار التسويات التي ترتب عليها إهدار مستحقات جمركية وضريبية.
16.3 مليون جنيه محل المخالفات
تتركز القضية حول استغلال نظام «السماح المؤقت» لإجراء تسويات جمركية تضمنت بيانات غير صحيحة، ما أدى إلى رد ضمانات مالية إلى الشركة دون استحقاق، إلى جانب عدم أداء ضريبة القيمة المضافة المستحقة على بعض البضائع.
وبحسب أوراق القضية، بلغت قيمة الضمانات التي جرى ردها دون وجه حق 11 مليونًا و824 ألفًا و471 جنيهًا، فيما بلغت قيمة ضريبة القيمة المضافة التي لم تُسدَّد 4 ملايين و569 ألفًا و893 جنيهًا، بإجمالي يتجاوز 16.3 مليون جنيه.
وكان تحريك الدعوى قد جاء بناءً على طلب مباشر من وزير المالية، وفق ما ورد في المادة محل التقرير.
كيف يعمل نظام «السماح المؤقت»؟
يتيح نظام «السماح المؤقت» إدخال مواد أو بضائع أجنبية إلى مصر مع إعفائها مؤقتًا من الضرائب الجمركية وغيرها من الضرائب والرسوم، مقابل تقديم ضمان مالي يعادل المستحقات، على أن تستخدم تلك المواد في تصنيع منتجات مخصصة للتصدير خلال مدة محددة تصل إلى عام ونصف.
وبعد استخدام البضائع المستوردة في تصنيع المنتجات وتصديرها خلال المدة المقررة، يمكن للشركة استرداد الضمان المالي الذي سبق أن قدمته.
وبحسب أقوال مدير مصلحة الجمارك المصرية الواردة في التحقيقات، كانت شركة "آند ناين للملابس الجاهزة" تستورد بضائع وفق هذا النظام، وتقدم الضمانات المالية المستحقة عليها إلى حين استيفاء شروط ردها.
لكن استرداد الضمانات لم يكن إجراءً آليًا، وإنما يمر بعدة مراحل رقابية داخل مصلحة الجمارك.
رحلة التسوية الجمركية
تبدأ الإجراءات بتقدم وكيل صاحب الشأن بطلب تسوية إلى إدارة السماح المؤقت، مرفقًا به المستندات الخاصة بالبضائع الواردة، وشهادات الصادر، وخطابات الرقابة الصناعية.
ويتولى الباحث المختص مراجعة الكميات التي جرى استيرادها ومقارنتها بالبيانات الواردة في خطابات الرقابة الصناعية، فضلًا عن مراجعة شهادات الصادر من حيث الكمية والنوع والموديلات، والتأكد من مطابقة معدل الاستخدام.
وبعد ذلك تُدخل البيانات على المنظومة الإلكترونية، ويُعد الباحث تقرير التسوية، قبل انتقالها إلى المراجع المختص لمراجعة المستندات واعتماد التسوية إلكترونيًا والتوقيع عليها، تمهيدًا لاستكمال إجراءات رد الضمانات إلى صاحب الشأن.
إلا أن التحقيقات في القضية كشفت، بحسب أمر الإحالة، أن هذه الإجراءات لم تُنفذ وفق القواعد المقررة، وأن التسويات محل التحقيق تضمنت بيانات غير صحيحة.
11 تسوية جمركية محل التحقيق
بحسب قائمة أدلة الإثبات، شملت الوقائع 11 تسوية جمركية، هي التسويات أرقام 324 و244 و273 و382 و424 و450 و479 و540 و609 لسنة 2019، والتسوية رقم 648 لسنة 2020، والتسوية رقم 122 لسنة 2021.
وتتمثل التسوية الجمركية، ببساطة، في المراجعة النهائية للعملية للتأكد من تطابق الكميات التي استوردتها الشركة مع ما استخدمته فعليًا في التصنيع وما جرى تصديره، ومدى استيفاء شروط نظام السماح المؤقت، وصولًا إلى تحديد ما إذا كانت الشركة تستحق رد الضمان، وبأي قيمة.
فإذا استوردت شركة، على سبيل المثال، 100 ألف متر من الأقمشة بضمان جمركي لاستخدامها في تصنيع ملابس مخصصة للتصدير، فإن مصلحة الجمارك تراجع المستندات والكميات ومعدلات الاستخدام للتأكد من أن المواد المستوردة دخلت بالفعل في منتجات نهائية جرى تصديرها، قبل تحديد قيمة الضمان المستحق رده.
معدلات استخدام وشهادات صادر محل تلاعب
كشفت التحقيقات، بحسب أوراق القضية، عن أن التسويات تضمنت أنماطًا متعددة من المخالفات، من بينها إثبات معدلات استخدام للأقمشة المستوردة تزيد على المعدلات الواردة بخطابات هيئة الرقابة الصناعية.
كما تضمنت بعض التسويات استخدام شهادات صادر سبق استخدامها في تسويات جمركية أخرى، بما أثر في نتيجة المراجعة وقيمة الضمانات التي جرى ردها.
وبحسب التحقيقات، كان المتهم محمد سمير، الباحث بالإدارة العامة للسماح المؤقت بمصلحة الجمارك، يباشر إجراءات التسويات عبر المنظومة الإلكترونية، فيما كان المتهم منصور عبد المحسن، المراجع بالإدارة ذاتها، يتولى مراجعتها واعتمادها.
من هم المتهمون؟
شملت قائمة الاتهام إلى جانب رجلي الأعمال، محمد سمير، الباحث بالإدارة العامة للسماح المؤقت بمصلحة الجمارك، وهو هارب بحسب أمر الإحالة، ومنصور عبد المحسن، المراجع بالإدارة نفسها، والمحبوس احتياطيًا على ذمة القضية.
أما المتهم الخامس فهو رجل الأعمال محمود جابر، صاحب شركة "إتش إم جي للملابس الجاهزة"، الذي ارتبط دوره، وفق التحقيقات، بكونه مفوضًا من المتهمين الثالث والرابع للتعامل مع مصلحة الجمارك.
وتشير أوراق القضية إلى أن رجلي الأعمال مصطفى جمال ومصطفى محمد، الشريكين في شركة «آند ناين للملابس الجاهزة»، استفادا من التسويات محل التحقيق.
أدلة التحقيقات
استندت التحقيقات إلى مجموعة من الأدلة، من بينها تقرير مصلحة الطب الشرعي، الذي أثبت، وفق أوراق القضية، أن مسؤول الجمارك الأول هو من كتب بيانات تقارير التسويات ووقع عليها.
كما تضمنت الأدلة إقرار مسؤول الجمارك بأنه كان القائم على مراجعة التسويات واعتمادها، إلى جانب شهادات عدد من مسؤولي مصلحة الجمارك، وتحريات المباحث.
وتحاول التحقيقات من خلال هذه الأدلة تحديد الأدوار التي قام بها كل من الموظفين المتهمين في إعداد التسويات ومراجعتها واعتمادها، ومدى ارتباط تلك الإجراءات بالنتائج التي ترتبت عليها.
اتهامات بالتهريب والتصدير الصوري
ولم تقتصر الاتهامات الموجهة إلى رجلي الأعمال على الاستفادة من التسويات غير الصحيحة، إذ أسندت إليهما النيابة أيضًا اتهامات بتهريب بضائع أجنبية بقصد الاتجار.
وبحسب أمر الإحالة، ارتبطت هذه الاتهامات بإثبات تصدير صوري لبضائع من الأقمشة الواردة ضمن عدد من التسويات، وهي التسويات أرقام 382 و424 و540 و648 لسنة 2020، بهدف استرداد الضمانات المقدمة مقابل المستحقات الجمركية دون وجه حق.
كما اتُهما باستيراد سلع خاضعة للرقابة النوعية على الواردات بالمخالفة للإجراءات المنظمة للاستيراد، وتحديدًا البضائع محل التسوية رقم 684 لسنة 2020، دون إخضاعها للفحص اللازم للتحقق من مطابقتها للشروط والمواصفات.
قضية تكشف ثغرات في الرقابة
تكشف وقائع القضية، بحسب أوراق التحقيق، أن نظام السماح المؤقت يعتمد على سلسلة من الإجراءات والمراجعات للتأكد من استخدام البضائع المستوردة في الغرض المخصص لها وتصدير المنتجات الناتجة عنها، قبل السماح برد الضمانات.
وفي الحالة محل التحقيق، تدور الاتهامات حول تجاوز تلك الضوابط عبر إدخال بيانات غير صحيحة، وإثبات معدلات استخدام مخالفة للبيانات الرقابية، والاستناد إلى شهادات صادر سبق استخدامها، وصولًا إلى رد ضمانات وعدم تحصيل مستحقات ضريبية.
وبذلك لا تتعلق القضية فقط بقيمة مالية تجاوزت 16.3 مليون جنيه، وإنما تكشف أيضًا أهمية إجراءات المراجعة داخل المنظومة الجمركية، باعتبارها خط الدفاع الأساسي لمنع رد الضمانات أو الإعفاء من المستحقات العامة دون استيفاء الشروط القانونية.
وتظل الاتهامات الواردة في أمر الإحالة خاضعة لما تنتهي إليه المحكمة من أحكام، بعد نظر القضية والاستماع إلى دفوع المتهمين.