من شرفة منزله في قرية قصرة بالضفة الغربية، يراقب لؤي أبو ريدة شاحنتين مخصصتين للتخييم، مغطاتين بالغبار ومتوقفتين على مسافة قريبة من منزله، المشهد بالنسبة إليه ليس عابرًا؛ فوجود الشاحنتين يعني أن مجموعة من المستوطنين يمكن أن تبقى في المكان، وأن الهجوم المقبل قد يأتي في أي لحظة.
أبو ريدة، البالغ من العمر 46 عامًا والحامل للجنسية الأمريكية، عاد إلى قريته بعد مغادرة منزله في ولاية أوهايو، للدفاع عن ممتلكاته في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين.
ويقول: "إن كاميرات المراقبة في منزله سجلت خلال الربيع أشخاصًا ملثمين تسلقوا جدار حديقته باستخدام سلم لتعطيل الكاميرا، بينما يواصل مستوطنون البقاء بالقرب من المنزل، في مشهد يقول إنه حرمه من النوم والخصوصية والشعور بالأمان."
"شباب التلال".. العنف كوسيلة للسيطرة
ينتمي المستوطنون الموجودون في المنطقة إلى شبكة فضفاضة تعرف باسم "شباب التلال"، وهي مجموعة من الشبان والشابات المتطرفين الذين أقاموا خلال السنوات الماضية بؤرًا استيطانية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، بهدف توسيع الوجود الاستيطاني ودفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم، وفق ما أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال" في تحقيقها عن الحركة.
تعتمد المجموعة في البداية على إنشاء مساكن مؤقتة وبسيطة في الأراضي المفتوحة، ثم تتحول بعض هذه المواقع تدريجيًا إلى بؤر دائمة، وفي حالات أخرى، يكفي وجود المستوطنين لمنع الفلسطينيين من الوصول إلى الأرض، قبل تثبيت رموز الاستيطان عليها، كرفع الأعلام الإسرائيلية أو نجمة داود.
وتصف شهادات ومقاطع فيديو اطلعت عليها الصحيفة أنماطًا مختلفة من المضايقات، تبدأ بالوقوف في مواجهة الفلسطينيين والتحديق فيهم والبصق عليهم، وقد تصل إلى اقتحام المنازل والاعتداء على الحيوانات وإحراق الممتلكات.
وفي إحدى الوقائع المصورة، ظهر أربعة شبان يدخلون منزلًا فلسطينيًا ويطالبون بالحصول على القهوة ثم يجلسون في شرفته، بينما وثقت كاميرات مراقبة في مزرعة فلسطينية أشخاصًا ملثمين وهم يضربون الأغنام حتى الموت.
مئات الشبان وشعور متزايد بالإفلات من العقاب
أثارت سلسلة الهجمات على الفلسطينيين وممتلكاتهم خلال الصيف إدانات دولية، ووصلت الانتقادات إلى مستويات نادرة داخل إسرائيل نفسها.
وقال مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع: "إن مئات المراهقين والشبان يشكلون النواة العنيفة للحركة"، فيما قال مسؤولون أمنيون إسرائيليون سابقون "إن شباب التلال يقفون وراء مضايقات شبه يومية واعتداءات وعمليات إحراق وقتل."
ولا تقتصر المواجهة على الفلسطينيين؛ فقد هاجم أعضاء في الحركة جنودًا وشرطة إسرائيليين خلال محاولات إزالة البؤر الاستيطانية أو استعادة النظام، في تحدٍ مباشر للسلطات التي يعتبرون أن إجراءاتها لا تخدم أهدافهم.
في المقابل، يقول محامو حقوق الإنسان "إن أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون نادرًا ما تنتهي بعقوبات رادعة، رغم صدور عدد محدود من لوائح الاتهام الجنائية".
نتنياهو يدين.. والظاهرة تتمدد
أدان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعمال العنف الأخيرة، فيما قالت الحكومة إن حجم القضية جرى تضخيمه بهدف الإساءة إلى إسرائيل والتقليل من شأن الهجمات الفلسطينية التي أوقعت قتلى وجرحى إسرائيليين.
لكن منتقدين يرون أن المشكلة تتجاوز مجموعة صغيرة من الشبان، خصوصًا مع توسع حركة الاستيطان وتزايد البؤر الجديدة خلال السنوات الأخيرة.
وقال إسرائيل غانتس، رئيس المجلس الإقليمي للمستوطنات "يشع"، "إن الحركة الاستيطانية لا تقبل العنف، في محاولة للفصل بين النشاط الاستيطاني الرسمي وبين مجموعات شباب التلال".
إلا أن هذا الفصل لا يبدو واضحًا دائمًا بالنسبة إلى بعض أفراد الحركة الاستيطانية نفسها، وفق شهادات نقلتها "وول ستريت جورنال"، إذ يتشارك كثير من المستوطنين الهدف الأساسي المتمثل في توسيع السيطرة اليهودية على الأراضي الفلسطينية.
من عقيدة دينية إلى مشروع للسيطرة على الأرض
يرى أفراد حاليون وسابقون في "شباب التلال" أنفسهم جزءًا من مشروع ديني وقومي يتجاوز القوانين المدنية.
ويستند بعضهم إلى قراءات لنصوص توراتية يعتبرونها تفويضًا إلهيًا للاستيطان فيما يسمونه «أرض إسرائيل القديمة»، بما يشمل الضفة الغربية.
وتختلط في تجربتهم القومية الدينية بحياة ريفية قاسية تقوم على الوجود في التلال، والزراعة وتربية المواشي، والعيش بعيدًا عن نمط الحياة الحضري.
وبالنسبة إلى بعض الشبان، أصبحت البؤرة الاستيطانية وسيلة للبحث عن معنى شخصي بقدر ما هي مشروع سياسي لتغيير الواقع على الأرض.
ويقول يهودا كوهين تسيدك، وهو عضو سابق في الحركة، "إن أفرادها لا يكترثون كثيرًا بالردع أو احتمال إزالة البؤر، لأنهم يعيدون بناءها مرة أخرى كلما هدمتها السلطات".
"شهر جيد".. حصيلة هجمات تكشف حجم التصعيد
بلغ التصعيد ذروته خلال الصيف، بعد سلسلة مواجهات وعمليات إحراق طالت قرى وممتلكات فلسطينية.
وبعد اندلاع حريق قرب مستوطنة «حفات جلعاد» في يوليو، اتهم مستوطنون الفلسطينيين بالمسؤولية، رغم أن التحقيقات في أسباب الحريق لم تكن قد اكتملت.
وبعد أيام، تحولت جنازة وإحياء ذكرى المنازل التي دمرت في الحريق إلى مسيرة شارك فيها عشرات الناشطين المؤيدين للاستيطان، وانتهت بمواجهات بين مستوطنين وفلسطينيين وقوات إسرائيلية.
وفي إحدى الوقائع التي أثارت اهتمامًا واسعًا، أظهر مقطع فيديو رجلًا إسرائيليًا يصوب سلاحه باتجاه فلسطيني، قبل أن ينتزع الأخير السلاح منه، ثم وقع إطلاق نار أسفر، وفق الجيش الإسرائيلي والسلطات الصحية الفلسطينية، عن مقتل أربعة فلسطينيين وجنديين إسرائيليين.
وفي الساعات التالية، اتجه مستوطنون إلى قرى فلسطينية وأحرقوا منازل وحقولًا، كما أُحرق مسجد في قصرة، وكتبت كلمة "انتقام" بالعبرية على أحد الجدران.
كما تحدث منشور مؤرخ في 13 أغسطس ضمن مجموعة على "واتساب" تتبادل تحديثات مرتبطة بـ"شباب التلال" عن 47 مركبة أُحرقت، و45 مبنى تعرض للحريق، وإصابة 57 فلسطينيًا، موزعة على 39 قرية منذ منتصف يوليو.
بعد 7 أكتوبر.. الاستيطان يتقدم
ارتبط صعود "شباب التلال" خلال السنوات الأخيرة بتوسع البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، خصوصًا بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 وما تبعه من حرب واسعة في المنطقة.
وبحسب المادة، منحت الحكومة الإسرائيلية وضعًا قانونيًا لعشرات البؤر الاستيطانية، وفتحت مساحات واسعة من الأراضي أمام المستوطنين.
وتقول منظمة "السلام الآن" "إن مئات البؤر الاستيطانية غير القانونية أقيمت خلال السنوات الثلاث الماضية، فيما تؤكد مصادر عسكرية إسرائيلية أن الجيش يهدم عددًا منها بصورة متكررة، لكنها تعود إلى الظهور سريعًا؛ حتى إن بعض البؤر هُدمت عشرات المرات".
ويقول سام هايد، الباحث في "معهد سياسة الشعب اليهودي"، "إن قوة شباب التلال لا ترتبط بعدد أفرادها بقدر ارتباطها بقوة قناعتهم".
تحدٍ للجيش والشرطة
لم يعد نشاط الحركة مقتصرًا على الأراضي الفلسطينية، بل امتد إلى تحدي مؤسسات الدولة الإسرائيلية نفسها.
فقد أعلن الجيش الإسرائيلي في مارس إصابة أحد أفراد شرطة حرس الحدود وإلحاق أضرار بمركبة أمنية خلال هجوم نفذته مجموعة من الإسرائيليين في الضفة الغربية.
وفي العام السابق، وبخ قائد الجيش الإسرائيلي ما وصفه بـ"أقلية متطرفة" بعد اعتدائها على جنود داخل منطقة عسكرية مغلقة، قبل أن تتطور الأحداث إلى أعمال شغب داخل قاعدة للجيش، استخدم خلالها مهاجمون رذاذ الفلفل ضد جنود، بحسب الجيش.
ويعتبر دفير كاريف، الضابط السابق في جهاز الشاباك الذي عمل في وحدة متخصصة بمواجهة ما وصف بالإرهاب اليهودي، أن تنامي الظاهرة على هذا النحو يعكس فشلًا في التعامل معها.
ويرى أن إسرائيل، التي تستطيع إدارة عمليات عسكرية متعددة في وقت واحد، قادرة من حيث الإمكانات على مواجهة مجموعة صغيرة من المتطرفين، لكنه يستنتج أن المشكلة تكمن في عدم وجود إرادة سياسية كافية لمواجهتهم.
جيل جديد يرى نفسه في مواجهة الدولة
يقول يوناتان ليفني، البالغ 24 عامًا، "إنه انضم إلى شباب التلال بعدما فقد، إثر هجوم 7 أكتوبر، ثقته بقدرة الحكومة على حماية الإسرائيليين".
وفي العام الماضي، شارك في إقامة بؤرة استيطانية غير قانونية في الضفة الغربية إلى جانب عدد من الأسر والشبان.
وقال: "إن الجيش هدم البؤرة تسع مرات، لكن أفرادها عادوا إلى إعادة بنائها كل مرة، مع الحرص على إبقائها بسيطة قدر الإمكان، باستخدام مقطورة مياه وألواح شمسية ومواد بناء رخيصة، بحيث يمكن إعادة تشييدها بسرعة".
ويختصر ليفني فلسفة هذه المجموعة بقوله إن كثيرين منهم يشعرون بأن الدولة تخلت عنهم، وعندما لا يتدخل الجيش لحماية اليهود في لحظة الخطر، فإنهم يرون أن عليهم تولي الأمر بأنفسهم.
لكن هذه الرؤية تضع إسرائيل أمام معضلة متزايدة: فمجموعة بدأت بوصفها حركة استيطانية هامشية باتت، مع مرور الوقت، أكثر قدرة على فرض وقائع جديدة على الأرض، وممارسة العنف، بل ومواجهة الجيش والشرطة، في وقت يظل فيه الفلسطينيون في قرى الضفة الغربية تحت وطأة الخوف من هجوم قد يبدأ بمجرد توقف شاحنة على مقربة من المنزل.
وفي قصرة، كما في قرى أخرى، لا يبدو الخطر بالنسبة إلى أبو ريدة مجرد احتمال نظري؛ فالشاحنتان ما زالتا هناك، والمراقبة مستمرة، والخوف جزء من الحياة اليومية.