أثار حفل تخريج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية المصرية، وما تضمنه خطاب السفيه عبدالفتاح السيسي من حديث عن دور الأكاديمية في إعداد كوادر مؤسسات الدولة، نقاشًا سياسيًا وحقوقيًا واسعًا، خصوصًا بعد إدعاء السيسي أن الهدف من هذا الدور "ليس عسكرة الدولة"، بالتزامن مع قوله
"إن ما حدث في مصر خلال الفترة بين 2011 و2013 لم ينتهِ"، وأن ما وصفه بخطة إسقاط الدولة ما زال مستمرًا. وشهد الحفل، الذي أقيم في 17 سبتمبر 2026، تخريج 1350 من أعضاء الجهات والهيئات القضائية.
آخر حصون العدالة والدولة
الحقوقي والناشط السياسي أسامة رشدي @OsamaRushdi انتقد بشدة توسيع دور الأكاديمية العسكرية ليشمل تدريب وتأهيل أعضاء الجهات والهيئات القضائية، معتبرًا أن الأمر يتجاوز مسألة التدريب المهني إلى عسكرة القضاء. وجاء منشوره تحت عنوان: "في الطابونة التي يديرها السيسي: عسكرة القضاء تهدم آخر حصون العدالة والدولة!".
وقال رشدي إن السيسي، بحسب تعبيره، لم يكتفِ بما يصفه بعسكرة الاقتصاد والإدارة والتعليم، وإنما امتد الأمر إلى القضاء، الذي اعتبره أخطر حصون الدولة. واستند في انتقاده إلى إعلان السيسي أن الأكاديمية العسكرية أصبحت معبرًا لتولي الوظائف في الدولة، بما يشمل القضاء ووزارة الخارجية وهيئة الرقابة الإدارية، مع زعم السيسي أن الهدف من ذلك ليس عسكرة الدولة.
ويتساءل رشدي في منشوره عن طبيعة هذا الدور، قائلًا إن تدريب القضاة وأعضاء النيابة داخل مؤسسة عسكرية، وفق معايير تضعها السلطة، إلى جانب مطالبة الجهات بمتابعة الخريجين بعد انتهاء دوراتهم، يطرح سؤالًا حول طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات المدنية والقضائية.
ويربط رشدي بين هذا الدور وبين الجزء الآخر من خطاب السيسي المتعلق بـتحصين الشباب من تكرار ما جرى خلال عامي 2011 و2012. ويرى أن ربط التأهيل المؤسسي برؤية سياسية لأحداث تلك الفترة يكشف، عن رغبة في تشكيل وعي العاملين في مؤسسات الدولة تجاه المعارضة والاحتجاج والحراك السياسي.
ويقول رشدي إن المطلوب من القاضي، في تصوره، ليس التحصين السياسي داخل أكاديمية عسكرية، وإنما الحماية من تدخل السلطة والأجهزة الأمنية والعسكرية، بحيث يكون القاضي قادرًا على تطبيق الدستور والقانون وإصدار أحكام ضد الحكومة عندما تنتهك القانون.
ويذهب رشدي إلى أن استقلال القضاء لا يبدأ عند جلوس القاضي على منصة المحكمة، وإنما يبدأ من الجهة التي تختاره وتدربه وتعينه. ويرى أن تدخل السلطة التنفيذية أو الأجهزة التابعة لها في هذه المراحل يمكن أن يثير تساؤلات حول مدى قدرة القضاء على مراقبة السلطة التي يفترض أن يكون مستقلًا عنها.
كما ينتقد رشدي اتساعًا لدور المؤسسة العسكرية في مجالات الاقتصاد والإدارة والتعليم والتوظيف الحكومي، ويرى أن وصول هذا الدور إلى الهيئات القضائية أكثر حساسية بسبب طبيعة الوظيفة القضائية وما يرتبط بها من حماية الحقوق والحريات والفصل في النزاعات التي تكون الدولة أو أجهزتها طرفًا فيها.
ويتساءل رشدي، في هذا السياق، عن قدرة قاضٍ يكون مساره الوظيفي مرتبطًا برضا السلطة، على إصدار حكم ضد الحكومة أو إبطال قرار رئاسي أو محاسبة مسئول أمني إذا ثبتت مخالفته للقانون.
ويستشهد رشدي بالنظام القضائي في بريطانيا، حيث يقول إنه يقيم منذ ربع قرن، باعتباره نموذجًا مختلفًا في اختيار القضاة. ويشير إلى وجود لجنة مستقلة للتعيينات القضائية وإلى معايير تتعلق بالكفاءة والنزاهة والحياد والاستقلال الفكري والقدرة على تحليل الأدلة وتسبيب الأحكام.
ويعتبر رشدي أن الفارق الأساسي، هو أن القاضي في دولة القانون يُختار ليكون قادرًا على مراقبة السلطة وحماية حقوق المواطنين، بينما يؤدي تدخل السلطة في مراحل الاختيار والتدريب والتعيين إلى إثارة مخاوف بشأن استقلال القضاء.
ويختتم رشدي منشوره بوصف ما يحدث بأنه خطوة أخرى في مشروع ابتلاع الدولة، معتبرًا أن غياب القضاء المستقل يعني، بحسب رؤيته، غياب العدالة ودولة المؤسسات، ومستخدمًا تعبيرات سياسية حادة مثل جمهورية الضباط وطابونة السلطة لوصف النظام الذي ينتقده.
وترد هذه الانتقادات على واقعة موثقة بالفعل، وهي تخريج 1350 من أعضاء الجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية، وعلى تصريحات السيسي التي قال فيها إن الأكاديمية أصبحت مسارًا لإعداد واختيار كوادر لشغل وظائف في مؤسسات الدولة، لكنه نفى أن يكون الهدف من ذلك عسكرة الدولة. أما توصيف رشدي لهذا المسار فكان اعتباره أن ذلك عسكرة للقضاء أو ابتلاعًا للدولة .
لهدف ليس عسكرة الدولة!
خلال حفل التخرج، قال السيسي إن الأكاديمية العسكرية أصبحت «معبرًا لتولي الوظائف في الدولة المصرية»، موضحًا أن الفكرة تشمل مؤسسات مثل القضاء ووزارة الخارجية وهيئة الرقابة الإدارية.
وشرح السيسي أن الهدف، بحسب الرواية الرسمية، هو تطبيق معايير موحدة في اختيار وتأهيل العاملين في مؤسسات الدولة، مشيرًا إلى وضع معايير تفصيلية لاختيار الشباب والشابات وفق احتياجات كل وزارة أو مؤسسة. وقال إن الفكرة كانت في بدايتها محل استغراب، لكن آثارها ستظهر بعد سنوات. مصراوي.كوم
استقالة غير معلنة
دخل الحقوقي بهي الدين حسن @BaheyHassan على خط النقاش بتعليق اعتبر فيه حديث السيسي عن ضرورة اتباع «طريق جاد وإصلاح حقيقي» بمثابة «استقالة غير معلنة».
وقال حسن إن مطالبة رئيس دولة بالإصلاح بعد 12 عامًا من حكم السيسي تعني، بحسب قراءته، إحالة ملف الإصلاح إلى رئيس جديد، منتقدًا ما وصفه بتهميش وتهشيم مؤسسات الدولة، بما فيها البرلمان والقضاء والصحة والتعليم والإعلام ومكافحة الفساد.
كما ربط حسن بين سياسات الحكم وبين ما وصفه بتحطيم قوى المجتمع، وارتفاع ديون مصر وفقر المواطنين إلى مستويات قياسية، معتبرًا أن هذه الأوضاع لا ينبغي أن تنتظر حتى عام 2030.
هل مصر دولة عسكرية؟
وعلقت الاعلامية ناديا ابو المجد @Nadiaglory على تصريح السيسي بأن الهدف ليس عسكرة الدولة، وعلى قوله إن ما حدث خلال الفترة بين 2011 و2013 لم ينتهِ وإن الإلحاح لإسقاط الدولة لا يزال موجودًا.
وتساءلت عن كيفية التوفيق بين هذا الخطاب وبين الإشارات الدستورية إلى ثورتي يناير ويونيو، كما اعترضت على استخدام "فزاعة الإلحاح على إسقاط الدولة"، وربطت هذا الخطاب بعمليات اعتقال قالت إنها طالت عشرات الآلاف منذ عام 2013.
وتطرح مداخلتها بذلك سؤالًا سياسيًا حول الحدود الفاصلة بين الاحتجاج والمعارضة السياسية من جهة، وبين ما تعتبره الدولة تهديدًا لأمنها واستقرارها من جهة أخرى.
وتناول المحامي والسياسي عمرو عبد الهادي @amrelhady4000 ظهور السيسي في المؤتمر من زاوية سياسية واقتصادية ساخرة، ووجه في منشوره انتقادات إلى النظام والسيسي، كما تضمن المنشور اتهامات شخصية إلى محمود السيسي وحسن السيسي وربطهما بقضية تتعلق بشقيقه ووالدته.
وتبقى هذه الاتهامات، كما وردت في منشوره، جزءًا من روايته وموقفه السياسي، ولا يمكن اعتبارها مثبتة بمجرد ورودها في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
تكرار نفس السردية عن يناير
وطرح د. مراد علي @mouradaly تساؤلات حول استمرار الخطاب المتعلق بأحداث يناير، وقال إن المصريين يسمعون منذ سنوات الحديث نفسه عن "إسقاط الدولة" و"المؤامرة" و"الفوضى".
وتساءل علي عما إذا كانت مطالبة المصريين بالحرية والعدالة الاجتماعية وتداول السلطة تعني هدم الدولة، كما تساءل عما إذا كان البديل يتمثل في أن تصبح الأكاديمية العسكرية بوابة رئيسية لوظائف الدولة، بالتزامن مع ما وصفه بتمدد حضور المؤسسة العسكرية في الإدارة والاقتصاد وتراجع مساحات المجتمع المدني والسياسة والمنافسة.
كما انتقد استمرار تفسير مشكلات البلاد من خلال أحداث عام 2011، داعيًا، بحسب منشوره، إلى مراجعة السياسات التي تدار بها البلاد في الوقت الراهن، وإلى بناء مؤسسات قوية وقانون عادل ورقابة ومحاسبة واقتصاد تنافسي ومساحة حقيقية للاختلاف وتداول السلطة.
الجدل حول القضاء والفصل بين السلطات
يأتي هذا الجدل في وقت أصبحت فيه الأكاديمية العسكرية المصرية جزءًا من مسار تدريبي لعدد من مؤسسات الدولة، وفق التصريحات الرسمية، بينما كان حفل 17 سبتمبر 2026 مخصصًا لتخريج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية، بمشاركة 1350 خريجًا. EEgypt Presidency+1
ويتمحور الخلاف بين الخطاب الرسمي وانتقادات المراقبين حول طبيعة هذا الدور. فالسيسي تقدم الأكاديمية باعتبارها وسيلة لتوحيد معايير اختيار وتأهيل كوادر الدولة، فيما يرى منتقدون، ومن بينهم أسامة رشدي، أن انتقال هذا الدور إلى المؤسسات القضائية يثير أسئلة تتعلق باستقلال القضاء والفصل بين السلطات.
كما يتركز جانب آخر من الجدل على استدعاء أحداث 2011 و2013 في خطاب تأهيل العاملين بالدولة. فالسيسي يقدم تلك الأحداث باعتبارها تجربة كشفت مخاطر تهدد الدولة، بينما يرى منتقدوه أن استمرار استدعائها في الخطاب السياسي والأمني قد يؤدي إلى النظر إلى المعارضة والاحتجاج من زاوية التهديد للدولة بدلًا من اعتبارهما جزءًا من المجال السياسي.