«اللانش بوكس» يهدد أطفال مصر بالأنيميا والتقزم.. 7 مليارات جنيه للوجبة المدرسية ضاعت فى “كرش العصابة”

- ‎فيتقارير

معركة صامتة تدور داخل المنازل المصرية، بسبب تجهيز ما يُعرف باللانش بوكس أو حقيبة الطعام المدرسية، فى ظل غياب الوجبة المدرسية التى خصصت لها وزارة التربية والتعليم بحكومة الانقلاب حوالى 7 مليارات جنيه هذا العام ولا يعرف أحد اين تذهب، بينما تجد آلاف الأسر نفسها مضطرة لدفع مئات الجنيهات يوميا لشراء الخبز الفينو والجبن ومستلزمات اللانش بوكس، الذى تحول من مجرد وعاء يضم ساندوتش، إلى صندوق غامض تحكمه معادلة مستحيلة الأطراف حول كيفية إطعام الطفل طعامًا صحيًا ومُشبعًا فى ظل ميزانية تتآكل يوميًا بفعل تضخم الأسعار، وبينما تلهث الأمهات خلف بدائل رخيصة يقف أطفال عاجزون فى طابور الصباح لتتحول وجبة المدرسة من حق أصيل إلى عبء يهدد الأمن الغذائى والصحى لجيل كامل.

 

بدائل رخيصة

فى هذا السياق كشفت كوثر أحمد، أم لثلاثة أطفال فى مراحل التعليم الأساسى وزوجها موظف محدود الدخل، كيف تقضى ليلها تفكر فى تدبير وجبة الغد لأن راتب زوجها البسيط لا يكاد يغطى إيجار الشقة والفواتير والدروس الخصوصية وما يتبقى منه تلتهمه وجبات المدرسة.

وقالت إنها كانت تضع الجبن الطبيعى والبيض والفاكهة الطازجة بينما تضطر اليوم آسفة للاعتماد على أرخص البدائل كسندوتشات البطاطس المهروسة أو الجبن رخيص الثمن لملء بطون أبنائها لكى لا يشعروا بالجوع طوال ساعات اليوم الدراسى الطويل، رغم علمها التام بأنها سكريات ونشويات خالية من القيمة الغذائية الحقيقية.

 

ميزانية المنزل

وأكدت هناء إبراهيم، أم لطفلين، أن طفلها الأصغر يعود أحيانًا يبكى بحرقة لأنه يرى زملاءه يتناولون الفواكه والمخبوزات باهظة الثمن بينما يقتصر طعامه على ساندوتش بسيط من الحلاوة الطحينية أو المربى الرخيصة.

وقالت هناء إبراهيم : ساعات بعيط من الحزن على ابنى والضغوط اللى بعيش فيها مع الميزانية، مشيرة إلى إن الضغط النفسى الذى تتعرض له الأم يفوق الضغط المادى لأنها تشعر بالتقصير رغم بذلها قصارى جهدها واضطرارها لقطع بنود كاملة من ميزانية المنزل كاللحوم والأسماك لنستطيع توفير تكلفة اللانش بوكس .

 

خط النار الصحى

حول أزمة «اللانش بوكس» فى ظل موجات الغلاء المستمرة أكدت الدكتورة انتصار سعد، استشارى التغذية بجامعة عين شمس، أن وجبة المدرسة ليست رفاهية.. ولن نسمح بأن يتحول أطفالنا إلى ضحايا لثقافة الأكل الفارغ.

وكشفت انتصار سعد فى تصريحات صحفية أن حقيبة الطعام الخاصة بالطفل تحولت من أداة لبناء عقله وجسده إلى صداع يهدد سلامته الصحية والبدنية، موضحة أن التغذية السليمة ليست ترفًا أو خيارًا يمكن الاستغناء عنه، بل ركيزة أساسية لنمو الطفل المعرفى والعضلى، وحين تختل هذه القاعدة، فإننا نضع أجيالًا كاملة على خط النار الصحى.

وقالت إن المكونات الأساسية والمفترضة لأى «لانش بوكس» صحى يجب أن تتوازن فيها العناصر الكبرى دون تعقيد؛ فهى لا تحتاج بالضرورة إلى أغذية مستوردة باهظة الثمن، بل تعتمد على مصادر الطاقة، مشددة على أن اللانش بوكس يجب أن يحتوى على حصة من البروتين مثل البيض المسلوق، أو قطع الجبن الطبيعى غير المصنع، أو فول مدمس منزلى الصنع، بالإضافة إلى النشويات المعقدة كخبز الحبة الكاملة أو الخبز البلدى المدعم الذى يمد الطفل بطاقة متدرجة ومستقرة طوال اليوم الدراسى.

وطالبت انتصار سعد بضرورة وجود عنصر حيوى يتمثل فى الخضراوات الطازجة الغنية بالألياف مثل الخيار أو الجزر أو الطماطم، إلى جانب ثمرة فاكهة موسمية بسيطة، وكوب من الماء النظيف أو الحليب إن أمكن، لضمان دعم الجهاز المناعى وتحسين التركيز والانتباه داخل الفصل.

 

أضرار كارثية

وحذرت من «الاسترخاص» أو الاعتماد على الوجبات الرخيصة وسريعة التحضير التى تلجأ إليها الأمهات هربًا من ضغط الأسعار؛ مثل الأغذية المليئة بالنشويات المكررة، والسكريات المصنعة، واللحوم المصنعة رخيصة الثمن، والمعجنات المقلية فى زيوت بشكل متكرر.

وأكدت انتصار سعد أن هذه البدائل الاقتصادية الخادعة تسبب أضرارًا كارثية على صحة الأطفال، أبرزها الإصابة بالأنيميا الحادة وفقر الدم نتيجة غياب الحديد والبروتين، ما ينعكس على شكل شحوب مستمر وخمول وضعف ملحوظ فى التحصيل الدراسى وقدرة المخ على الاستيعاب.

ولفتت إلى أن هذه الوجبات الفارغة غذائيًا تسهم بشكل مباشر فى الإصابة بالسمنة الكاذبة واضطرابات السكر فى الدم، فضلًا عن تأثيرها السلبى على العظام والنمو، ما قد يؤدى مستقبلًا إلى مؤشرات التقزم وضعف البنية الجسدية.

وأضافت انتصار سعد أن التأثيرات السلبية لهذه الممارسات الغذائية الخاطئة لا تقتصر على الجانب البدنى فحسب، بل تمتد لتضرب الجهاز العصبى والهرمونى للطفل فى مقتل مشيرة إلى أن الألوان الصناعية والمواد الحافظة والكميات المرعبة من السكريات الموجودة فى الأغذية الرخيصة ووجبات الكانتين تسبب حالات فرط الحركة وتشتت الانتباه ونقص التركيز، وهو ما ينعكس سلبًا على تقييم الطفل المدرسى ويجعله عرضة للتنمر أو الإحباط المستمر نتيجة عجزه عن مواكبة زملائه تحصيليًا.

 

وجبة متوازنة

وقال الدكتور ياسر مختار، أستاذ أمراض الباطنة بجامعة أسيوط، إن اختيار الطعام الذى يتناوله الطفل فى المدرسة يجب ألا يكون قائمًا فقط على السعر، لأن الوجبة غير المتوازنة قد تؤثر على صحة الطفل وتركيزه ونشاطه، خاصة مع تكرارها بصورة يومية.

وأوضح مختار فى تصريحات صحفية أن من أكثر الأطعمة التى يجب على أولياء الأمور عدم الاعتماد عليها بشكل متكرر فى اللانش بوكس، الشيبسى والمقرمشات، الحلويات والبسكويت المحشو، الكيك والباتيه والمخبوزات الصناعية، الوجبات السريعة والمقليات، اللحوم المصنعة مثل اللانشون والسوسيس، بالإضافة إلى المشروبات الغازية والعصائر المحلاة ومشروبات الطاقة، لافتًا إلى أن الإفراط فى تناول الأكلات غير الصحية يمثل مشكلة حقيقية بالنسبة للأطفال والتلاميذ، خاصة عندما تتحول هذه الأطعمة إلى وجبة يومية ثابتة بدلًا من الطعام المتوازن.

وأضاف أن هذه العادات الغذائية قد تؤدى مع الوقت إلى زيادة الوزن والسمنة، واضطراب مستويات السكر والدهون فى الدم، وارتفاع ضغط الدم، كما قد تزيد مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة مستقبلًا.

وأشار مختار إلى أن المشكلة لا تتوقف عند الأضرار الصحية بعيدة المدى، فالطفل الذى يعتمد على الأطعمة عالية السكر والدهون ويفتقر إلى الوجبة المتوازنة قد لا يحصل على الطاقة والعناصر الغذائية بصورة مناسبة خلال اليوم، وهو ما قد ينعكس على نشاطه وقدرته على التركيز، موضحا أن الأدلة العلمية تشير إلى ارتباط تناول الوجبات الخفيفة غير الصحية لدى الأطفال بنتائج دراسية أقل، وإن كان الأداء الدراسى يتأثر بعوامل متعددة وليس بالغذاء وحده.

وأكد أن توفير وجبة بسيطة ومتوازنة من أطعمة المنزل أفضل من إنفاق أموال على منتجات مصنعة لا توفر للطفل احتياجاته الغذائية الأساسية، مشددًا على أن الهدف ليس منع الطفل من تناول هذه المنتجات نهائيًا، وإنما عدم جعلها الأساس اليومى لغذائه.