وفاة محامٍ داخل السجن تفتح ملف تجاهل نقابة المحامين للمحتجزين سياسيًا

- ‎فيحريات

أعاد الناشط الحقوقي والمحامي جمال عيد فتح ملف تعامل نقابة المحامين مع أعضائها المحتجزين على خلفيات سياسية، عقب وفاة المحامي نجاح محمد مبروك داخل السجن، منتقدًا ما وصفه بتجاهل النقابة للمحامين الذين يتعرضون للاحتجاز بسبب مواقفهم السياسية، وكذلك ضعف التوثيق والمعلومات التي تقدمها بعض المراكز الحقوقية بشأن هذه الحالات.

وقال عيد، في منشور عبر صفحته الشخصية على موقع "فيسبوك": "إن وفاة محامٍ داخل السجن ذنبه في رقبة نقيب المحامين"، معتبرًا أن تجاهل حقوق المحامين المحتجزين لأسباب سياسية أصبح نهجًا مستمرًا منذ سنوات، بغض النظر عن خلفياتهم السياسية أو الفكرية، سواء كانوا من الإخوان أو اليسار أو التيارات القومية أو الإسلامية.

وأشار إلى أن هذا النهج، بحسب رؤيته، امتد عبر عدد من مجالس ونقباء المحامين، بدءًا من سامح عاشور وحمدي خليفة ورجائي عطية، وصولًا إلى النقيب الحالي عبد الحليم علام، معتبرًا أن المحامين الذين يتعرضون للاحتجاز بسبب مواقف سياسية لم يحصلوا على الدعم النقابي الذي كان متاحًا في فترات سابقة.

من "قلعة الحريات" إلى تجاهل المحتجزين

واستعاد عيد تجربته الشخصية مع الاحتجاز، موضحًا أنه تعرض للقبض عليه أربع مرات، اثنتان منها عندما كان طالبًا واثنتان بعد أن أصبح محاميًا.

وأوضح أنه خلال فترتي احتجازه عندما كان طالبًا، كانت نقابة المحامين، عبر لجنة الحريات، ترسل محامين للدفاع عن المعتقلين، وتقدم الدعم للمحتجزين والسجناء على خلفيات سياسية، معتبرًا أن النقابة في تلك الفترة كانت تمثل، بحسب وصفه، «قلعة للحريات».

كما تطرق إلى واقعتين تعرض خلالهما للاحتجاز بعد التحاقه بمهنة المحاماة، وقال: "إن الأولى وقعت في عهد النقيب أحمد الخواجة، عقب احتجاج المحامين على وفاة المحامي الإسلامي عبد الحارث مدني عام 1994، والتي قال إنها وقعت تحت التعذيب، مؤكدًا أن النقابة وقتها قدمت دعمًا قانونيًا وأدبيًا ونقابيًا وماليًا للمحتجين".

أما الواقعة الثانية، بحسب عيد، فجاءت في عهد سامح عاشور، عندما شارك في احتجاجات رافضة للغزو الأمريكي للعراق عام 2003، مشيرًا إلى أن عاشور تجاهل المحتجين، بينما حضر أحد أعضاء مجلس النقابة، أحمد الحمراوي، التحقيق معهم.

وأضاف عيد أن دور النقابة، مع مرور السنوات، انصرف بدرجة أكبر إلى الخدمات والأنشطة الترفيهية والرحلات، في حين استمر، بحسب وصفه، تجاهل المحامين الذين ينخرطون في الشأن العام أو يتخذون مواقف سياسية معارضة.

انتقادات للنقيب الحالي

ووجه عيد انتقادات مباشرة إلى النقيب الحالي عبد الحليم علام، معتبرًا أنه «ليس استثناءً» من هذا المسار، واتهمه بتقديم إرضاء الدولة على حساب الدفاع عن المحامين أصحاب المواقف السياسية المعارضة.

وقال: "إن وفاة المحامي نجاح محمد مبروك داخل السجن تمثل مثالًا على هذا التجاهل، مشيرًا إلى أن المحامي توفي بعد دخوله السجن على خلفية ما وصفه بأنه «صاحب موقف وقضية»".

وانتقد عيد عدم وجود تحرك نقابي واضح بشأن وفاة مبروك، قائلًا إن نقابة المحامين، برئاسة عبد الحليم علام، لم تقدم، بحسب ما اطلع عليه، معلومات كافية عن المحامي أو ظروف احتجازه ووفاته.

انتقادات للمراكز الحقوقية

لم تقتصر انتقادات عيد على نقابة المحامين، إذ وجه جانبًا منها إلى مراكز حقوقية ذات توجه إسلامي أو إخواني، متسائلًا عن أسباب عدم تقديمها معلومات تفصيلية حول المحامي الراحل وقضيته.

وقال: "إن البحث عن اسم نجاح محمد مبروك، وفق ما ذكره، لا يقود إلا إلى أخبار وفاته وبيانات التعزية، دون معلومات كافية حول القضية التي كان محتجزًا على خلفيتها، أو ظروف احتجازه، أو الاتهامات الموجهة إليه، أو الإجراءات القانونية التي مر بها".

واعتبر أن مجرد نشر خبر الوفاة دون توثيق كافٍ لا يحقق الغرض من العمل الحقوقي، داعيًا الجهات التي تعمل في مجال حقوق الإنسان إلى الاهتمام بالتوثيق الدقيق للحالات، وتوفير المعلومات المتعلقة بالسجناء والمحتجزين السياسيين.

وأضاف أن الخطاب الحقوقي، من وجهة نظره، لا ينبغي أن يقتصر على عبارات عامة عن الظلم أو سوء أوضاع السجون، وإنما يتطلب جمع المعلومات المتعلقة بكل حالة، وتوثيق الانتهاكات والوقائع بصورة قانونية ومنهجية.

"دمه في رقبتكم"

وانتقد عيد ما وصفه بتحول بعض المعارضين إلى العمل الحقوقي دون امتلاك أدوات التوثيق والرصد اللازمة، معتبرًا أن المعارضة السياسية والعمل الحقوقي مجالان مختلفان، حتى وإن تداخلا في بعض القضايا.

وقال مخاطبًا العاملين في هذا المجال: "إن الدفاع عن الأبرياء يتطلب معرفة كيفية توثيق الانتهاكات ورصدها، مشيرًا إلى أن امتلاك هذه المهارات يمكن أن يجمع بين الموقف السياسي والعمل الحقوقي الجاد".

واختتم عيد حديثه بالقول: "إن غياب المعلومات التفصيلية عن المحامي الراحل، سواء من جانب المراكز الحقوقية أو نقابة المحامين، يعكس، بحسب تقييمه، حالة من التراجع في الدور الذي كانت النقابة تؤديه سابقًا تجاه أعضائها، واصفًا المرحلة الحالية بأنها «زمن رديء وعهد قاتم»".

وتفتح وفاة نجاح محمد مبروك داخل السجن، وفق ما أثاره عيد، تساؤلات أوسع حول آليات توثيق حالات المحامين المحتجزين، ودور نقابة المحامين في متابعة أوضاع أعضائها، ومدى توافر معلومات موثقة للرأي العام حول ظروف احتجاز ووفاة المحامين الذين يقضون فترات في السجون على خلفيات سياسية.