يبدو أن الانقلاب بدأ يفتش في صندوق "الرابش" فعاد الكاتب والسياسي عبد الرحيم علي إلى واجهة المشهد الإعلامي المصري بعد فترة من الغياب النسبي، مستأنفًا الدور الذي ارتبط به لسنوات في مهاجمة خصوم السلطة والتيارات الإسلامية والمعارضة، لكن هذه المرة عبر بوابة منصة "متصدقش"، التي أوقفتها وزارة الداخلية بحكومة السيسي واعتقلت عددًا من العاملين بها واتهمتهم بـ"الإخوان" واتهمت المنصة أنها غير مرخصة وتُدار من الخارج وتنشر أخبارًا مغلوطة وتحرف الحقائق.
وأثارت العودة موجة انتقادات واسعة على مواقع التواصل، خصوصًا أن عبد الرحيم علي ظهر في مداخلة مع الإعلامي عمرو أديب متحدثًا عن المنصة ومؤسسها عبد الرحمن منصور، وقدم ما قال إنها تسجيلات ومعلومات قال إنها "تثبت" صلات الأخير بجماعة الإخوان المسلمين. وفي المقابل، اعتبر منتقدوه أن القضية تتعلق في جوهرها بمواجهة صحفيين يستخدمون أدوات التحقق الرقمي ومصادر المعلومات المفتوحة لمراجعة الروايات الرسمية.
وجاء ظهور علي بعد إعلان وزارة الداخلية، في الأول من أكتوبر، ضبط 6 أشخاص قالت إنهم أعضاء في لجنة إعلامية، مرتبطة بجماعة الإخوان وتعمل لصالح صفحة متصدقش، بينهم شخص مقيد بنقابة الصحفيين. وزعمت "داخلية" السيسي، وإعلام السلطة ولجانه؛ أن العاملين بها يعدون أخبارًا وصفتها بالمغلوطة والمفبركة ويرسلونها إلى المسئول عن الصفحة في الخارج.
"متصدقش" قضية رأي عام
وسريعا مارس "عبد الرحيم" دوره في إعادة تجويد بيان "الداخلية"، من أن متصدقش جزء من لجان إعلامية تابعة لجماعة الإخوان، وأنها تُدار من الخارج بواسطة عبد الرحمن شكري علي عبد الجليل منصور، مع وجود عناصر داخل مصر تشارك في إعداد المحتوى وإرساله إلى القائمين على الصفحة.
وتضمن كلامه نفس الاتهامات للعاملين من جانب التمويل من الخارج جازما بصحة الإجراءات "القانونية" بحق المقبوض عليهم وأن القانون "ما يعرفش زينب" على حد قوله وهو المعروف في هذا الجانب بتحايله على القانون، وانتهاكه الصحفيين؛ "البوابة نيوز" نموذج لذلك، والخصومات تشهدها المحاكم ونقابة الصحفيين ولجنة الحريات واعتصام الزملاء بها.
على خط عمود الخيمة
في اليوم التالي تقريبًا، ظهر عبد الرحيم علي في مداخلة مع عمرو أديب، عمود خيمة الأبواق متحدثًا عن خلفية منصة متصدقش ومؤسسها، وقال إن المنصة تتبع شركة أمريكية غير ربحية تحمل اسم «Open Transformation Lab»، وإن مقر الشركة في نيويورك، وإنها معفاة من الضرائب الأمريكية.
وأضاف علي أن الشركة الأم قدمت للعاملين في المنصة تدريبات ودعمًا معلوماتيًا وبحثيًا، وأن التدريب شمل صور الأقمار الصناعية ومعلومات عن تتبع الطائرات وأبراج المراقبة، معتبرًا أن هذه الأنشطة تتجاوز، من وجهة نظره، طبيعة العمل الصحفي التقليدي.
كما عرض علي تسجيلًا صوتيًا قال إنه يتعلق بعبد الرحمن منصور، ثم عرض تسجيلًا ثانيًا قال إنه يكشف اتصالات له بقيادات في جماعة الإخوان، من بينها المهندس خيرت الشاطر، نائب المرشد العام للجماعة (كان الرجل متاحا عبر الهاتف ومباشرة لكل الصحفيين وحتى قبل القبض عليه في يوليو 2013!).
لكن جوهر الخلاف الذي تفجر عقب هذه التصريحات لم يكن فقط حول هوية مؤسس متصدقش، وإنما حول سؤال أوسع: هل استخدام أدوات المصادر المفتوحة والتحقق من الصور والفيديوهات وبيانات الأقمار الصناعية والطائرات يدخل في صميم الصحافة الحديثة، أم يمكن اعتباره نشاطًا أمنيًا لمجرد أن بعض هذه الأدوات تستخدم أيضًا في أعمال الاستخبارات؟
صحافة أم تخابر؟
الكاتب الصحفي والحقوقي د.أسامة رشدي (@OsamaRushdi) هاجم من جديد بوق الانقلاب "عبدالرحيم"، واعتبر تصريحاته محاولة لتجريم أدوات التحقق الصحفي، وقال إن ما يسمى OSINT، أي «استخبارات المصادر المفتوحة»، يعتمد على معلومات متاحة للجمهور، مثل البيانات الرسمية والصور والفيديوهات والخرائط وصور الأقمار الصناعية وبيانات الطيران والملاحة.
ورأى رشدي أن هذه الأدوات أصبحت جزءًا من الصحافة الاستقصائية الحديثة، مشيرًا إلى أن مؤسسات دولية كبرى لديها وحدات متخصصة في التحقق الرقمي والبصري، وأن جامعات وكليات صحافة تدرّس هذه الأساليب للطلاب.
ويقول هذا الطرح إن معيار الحكم على «متصدقش» يجب أن يكون في دقة المعلومات المنشورة وأدلتها ومنهجية التحقق منها، لا في مجرد استخدام أدوات متقدمة لجمع المعلومات العامة.
وفي السياق نفسه، كتب الصحفي السابق بجريدة الدستور وحاليا بقناة العربي عبد المنعم محمود (@moneimpress) أن ظهور عبد الرحيم علي في هذه القضية قد يكون مرتبطًا، بحسب رأيه، بمحاولة مواجهة استخدام أدوات OSINT في التحقق من الروايات الرسمية، مشيرًا تحديدًا إلى أدوات مثل Google Lens.
المشكلة ليست في «متصدقش» بل في غياب الرد بالمعلومة
أما المذيعة بقناة "العربي" سلمى الدالي (@salmaeldaly)، فذهبت إلى أن الاتهامات العامة من نوع «الإخوان والجماعة الإرهابية» لم تعد كافية لإقناع الجمهور، معتبرة أن ما تقوم به «متصدقش» هو عمل صحفي يقوم على اختبار المعلومات المتداولة ومراجعة مصداقيتها.
وكتبت أن المنصة، سواء اتفق معها البعض أو اختلف، تؤدي وظيفة مهمة عندما تفحص تصريحات المسئولين والبيانات الرسمية وتقارنها بالوقائع والأرقام.
وتضيف الدالي أن الرد على المعلومة يجب أن يكون بمعلومة مضادة، وعلى الكلمة بكلمة، لا بالحبس، معتبرة أن الأزمة الحقيقية تتمثل في غياب أدوات إعلامية موثوقة تستطيع السلطة من خلالها الرد على الانتقادات بدلًا من اللجوء إلى الإجراءات الأمنية.
أحمد رجب يستحضر واقعة 2023
من جانبه، كتب الصحفي أحمد رجَب (@Ragab) أن واقعة القبض على بعض العاملين في «متصدقش» ليست أول احتكاك بين الأجهزة الأمنية والمنصة.
وأشار إلى واقعة تعود إلى عام 2023، قال خلالها إن الداخلية ألقت القبض على الصحفي كريم أسعد، الذي كان يعمل في المنصة، ثم أفرجت عنه بعد 48 ساعة عقب التحقيق معه والتحقيق في نشاط المنصة.
ويطرح رجَب سؤالًا عن سبب اختلاف توصيف المنصة في الواقعتين، قائلًا إن المنصة كانت تقدم العمل الصحفي نفسه في الحالتين، وإن التغيير الحقيقي، من وجهة نظره، هو أن الأجهزة الأمنية قررت هذه المرة استخدام اتهامات من بينها الانتماء إلى «لجنة إعلامية إخوانية».
غرفة أخبار كاملة
ووصف حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) توقيف فريق «متصدقش» بأنه يمثل تطورًا خطيرًا بالنسبة لحرية الصحافة، وقال إن «غرفة أخبار كاملة» تعرضت للقبض بسبب ممارسة العمل الصحفي.
وطالب الحزب بالنظر إلى القضية باعتبارها جزءًا من النقاش حول مستقبل الصحافة المصرية، لا مجرد ملف أمني يتعلق بمنصة إلكترونية.
وتتقاطع هذه الرؤية مع موقف حقوقي أوسع يعتبر أن مجرد اتهام الصحفيين أو العاملين الإعلاميين بالانتماء إلى جماعة سياسية يجب ألا يحجب السؤال الأساسي المتعلق بما نشره هؤلاء، وما إذا كان المحتوى المنشور كاذبًا بالفعل، وما هي الأدلة على القصد الجنائي أو التمويل أو الارتباط التنظيمي.
تاريخ عبد الرحيم علي مع «إسلام أون لاين»
ويستعيد الجدل أيضًا مرحلة مبكرة من مسيرة عبد الرحيم علي المهنية، إذ تظهر أرشيفات منشورة على موقعه الشخصي أنه عمل في موقع إسلام أون لاين وأجرى خلال تلك الفترة حوارات مع شخصيات إسلامية وقيادات من جماعة الإخوان المسلمين.
ومن بين المواد المؤرشفة على موقعه حوار أجراه مع جمال أسعد ونشر أصلًا في إسلام أون لاين نت عام 2007، كما توجد مادة أخرى توثق حوارين مع مأمون الهضيبي وعبد المنعم أبو الفتوح حول رؤية الحركة الإسلامية لأحداث 11 سبتمبر.
لكن روايات أخرى أكثر حدة تزعم أن خلافه مع «إسلام أون لاين» ارتبط بعلاقته بأجهزة أمن الدولة وأنه نقل معلومات عن زملائه. ومن أبرز من نشر هذه الرواية موقع «رابطة أدباء الشام» في تقرير يعود إلى 2014.
الإشارات كثيرة ومتعددة من الصحفيين الإسلاميين وغيرهم ممن زامل عبدالرحيم أو اقترب منه فوصف أنه مخبر أمن دولة وشى بزملائه.
ومع ذلك، فإن علاقة عبد الرحيم علي بالملف الأمني ليست مجرد رواية حديثة؛ فقد اشتهر خلال سنوات ما بعد ثورة يناير ببرنامج «الصندوق الأسود»، الذي اعتمد على إذاعة تسجيلات صوتية ومكالمات هاتفية (من نوعية تسجيلات الأجهزة الأمنية ليثبت على الأقل قربه منها أو كونه جزءًا منها كما هو الحال مع رفاق الدرب أحمد موسى ونشأت والباز افندي وأحمد الخطيب وغيرهم) لشخصيات سياسية ومعارضة.
وفي السنوات التالية تحول علي إلى شخصية سياسية وإعلامية أكثر التصاقًا بخطاب الدولة في مواجهة الإسلام السياسي، وأصبح رئيسًا لمجلس إدارة البوابة نيوز الممولة إماراتيا، حتى توقف التمويل من هذه الجهة أو انخفض.
كما يرأس "مركز دراسات الشرق الأوسط" الممول إماراتيا أيضا في باريس، وتصف المصادر الرسمية للمركز نشاطه بأنه يركز على دراسة الإسلام السياسي والجماعات الإسلامية والتواصل مع دوائر محاربة الإسلام في أوروبا.
شطب عضويته من نقابة الصحفيين
وكان مجلس نقابة الصحفيين قد قرر في يناير 2026 شطب عضوية عبدالرحيم علي من جداول النقابة، على خلفية مخالفات قالت النقابة إنها تتعلق بشروط وضوابط العضوية.
وجاء القرار في ظل نزاع واسع بين إدارة البوابة نيوز وعدد من صحفييها حول أجور متدنية ومستحقات متأخرة وملغاة للعاملين وإجراءات تتعلق بقضايا بينه وبين الصحفيين.
وفي القضية رقم 1084 لسنة 2026 جنح قصر النيل، أحيل تسعة صحفيين من البوابة نيوز إلى جانب عضوي مجلس نقابة الصحفيين إيمان عوف ومحمود كامل للمحاكمة على خلفية بلاغ قدمته إدارة المؤسسة (عبدالرحيم وابنته داليا) يتضمن اتهامات بالسب والقذف والتظاهر دون ترخيص.
لكن التطور الأهم جاء لاحقًا؛ إذ قضت محكمة جنح قصر النيل في 19 أبريل 2026 ببراءة الصحفيين التسعة وعضوي مجلس النقابة من اتهامات السب والقذف، وفق ما أوردته منصة "مدى مصر".
أسامة رشدي (@OsamaRushdi)، قال إن عبدالرحيم علي يستخدم خطابًا أمنيًا لتجريم أدوات التحقق الصحفي، واعتبر أن معركته مع «متصدقش» امتداد لدوره السابق في مواجهة المعارضة.
وتظهر في الجدل أيضًا اتهامات قديمة حول علاقة عبد الرحيم علي بالإمارات، وبخاصة نشاط مركز دراسات الشرق الأوسط في باريس.
وكانت صحيفة «الوطن» القطرية قد نشرت عام 2018 تقريرًا اتهم المركز بالعمل ضمن شبكة نفوذ إماراتية، ونقلت عن صحفيين فرنسيين ومصريين اتهامات تتعلق بتمويل إماراتي ونشاط موجه ضد خصوم أبوظبي.
عودة عبد الرحيم علي إلى الواجهة عبر قضية «متصدقش» أعادت إلى الذاكرة مرحلة كاملة من الإعلام المصري الذي اختلطت فيه الصحافة بالأمن والسياسة، وبرز فيه نموذج الصحفي الذي يقدم نفسه باعتباره مخبرا أمنيا لا صحفيا، كاشفًا لبديهيات المعارضة، في مقابل نموذج الصحفي الذي يرى أن مهمته الأساسية هي مساءلة السلطة وتدقيق روايتها.