حصل ما كانت تستبعد السلطة في تونس وقوعه، رغم أن تصلبها السياسي هو الذي أسهم في الوصول إليه، لقد عاد الالتحام من جديد بين النضال الاجتماعي والنضال السياسي الذي ترجم على الأرض بمسيرة جمعت الاتحاد العام التونسي للشغل وثماني جمعيات مستقلة، إلى جانب الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها وتناقضاتها. وقد كانت كلمة الأمين العام للاتحاد معبرة عن ذلك في قوله: "تونس تناديكم اليوم لتوحيد الصفوف ورفع الصوت دفاعا عن الوطن والشعب وعن الحقوق والحريات"، وأضاف: "الصمت لم يعد مقبولا والترهيب لا يمكن أن يكون سياسة حكم، والوطن لا يدار بالإقصاء".
لا تكمن أهمية مسيرة يوم السبت في عدد المشاركين فيها، كما يعتقد المساندون للسلطة، رغم أهمية ذلك لمعرفة قدرة هذه الأطراف على التحشيد والتعبئة، ولكن الأهم في هذه المرحلة هو تحقيق هدف مهم بالنسبة للطبقة السياسية التي عاشت مرحلة صعبة، وشهدت حالة صراع مرير بين مكوناتها. فعندما تتحرك كل هذه الأطراف حول أهداف محددة، وتقبل بأن تسير ولو لخطوات جنبا إلى جنب، فهذا يعتبر في حد ذاته تحولا هاما قابلا لمزيد التراكم والتفعيل، وعندها يفترض أن يأخذ نظام الحكم حذره ويعتبر به ومنه، لأنه يصعب تصديق القائلين بأن هذا الطيف الواسع من النخبة التونسية قد
تحقيق هدف مهم بالنسبة للطبقة السياسية التي عاشت مرحلة صعبة، وشهدت حالة صراع مرير بين مكوناتها، فعندما تتحرك كل هذه الأطراف حول أهداف محددة، وتقبل بأن تسير ولو لخطوات جنبا إلى جنب، فهذا يعتبر في حد ذاته تحولا هاما
باع ذمته، وتحول إلى أبواق في خدمة القوى الأجنبية، هم نقابيون ومحامون وحقوقيون ونساء وصحافيون وجامعيون ونشطاء مؤثرون وغيرهم من الفئات الاجتماعية، فلا يصح اتهام الجميع بالعمالة والاكتفاء بإدانتهم والإصرار على الصمت وعلى مواصلة القطع مع الجميع.
يمكن القول: "إن المجتمع المدني التونسي قد استعاد حيويته المعهودة التي عرف بها من قبل، فهو الذي بادر بالدعوة إلى التظاهر ورفع الصوت عاليا. لقد تخلص اتحاد الشغل من حالة الخوف التي لازمته خلال السنوات الأخيرة، وهو ما جعله يقدم على تجاوز ما تعتبره السلطة خطوطا حُمرا، وهو ما يفسر هذه الجرأة النقابية لمواجهة النظام بعد وقف المفاوضات والتخلي عن الحوار الاجتماعي، وقطع التمويل العمومي عن الاتحاد، وتعميق الأزمة داخل هياكله"، لهذا قرر التصعيد، فدعا حلفاءه من الجمعيات التي تضررت بدورها من انغلاق السلطة على نفسها، واختار الشارع فضاء للتعبير عن وجوده، وعاد من جديد لربط الحقوق الاقتصادية والاجتماعي بالحقوق السياسية والمدنية، كما تخلت قيادة الاتحاد عن تحفظاتها السابقة خاصة فيما يتعلق بعدم تسييس الاحتجاجات الاجتماعية، وذلك من خلال السماح للأحزاب بالمشارك في مسيراته، والدعوة إلى إطلاق سراح المساجين السياسيين ومعتقلي الرأي.
شارك ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مواطن، واتفق المراقبون غير المنخرطين في الصراع الدائر على أن هذه المسيرة تعتبر الأهم منذ انطلقت الاحتجاجات. أظهر المشاركون درجة عالية من الانضباط، فكانت مسيرة سلمية بامتياز مختلفة تماما عن تلك التي تمت في باريس، والتي انقلبت إلى فوضى وعنف واسع النطاق، كما أن السلطة حافظت من جهتها على هدوئها، وتقيدت بالشروط القانونية للتظاهر السلمي، وهو ما ساعد المتظاهرين على التحرك بسلاسة، وترديد شعاراتهم المناهضة للرئيس سعيد، والمؤكدة بالخصوص على عمق الأزمة الاجتماعية والسياسية التي تمر بها البلاد.
الاحتمال الأخير، وهو الأقرب للواقع الراهن، أن يعتبر رئيس الدولة ما جرى يوم السبت الماضي لا قيمة له، فيستمر بذلك الوضع على ما هو عليه. وفي هذه الحالة يرى البعض بكونها مجازفة خطيرة، لأن السيارة عندما تكون بلا فرامل فهي واقعة لا محالة في منحدر عميق!
ماذا بعد؟ هو سؤال اللحظة بعد 17 تشرين الأول/أكتوبر؛ كيف سترد السلطة على الذين أجمعوا على التظاهر ضدها بمن في ذلك الذين ساندوها من قبل؟ هناك ثلاث احتمالات:
الاحتمال الأول، أن تنتبه السلطة إلى أن خطابها وسياستها لم يقنعا الجزء الواسع من التونسيين، وهو ما يقتضي الإقدام على مراجعات جدية وملموسة، ومن ذلك فتح باب الحوار مع اتحاد الشغل للبحث عن كيفية التحكم في غلاء المعيشة والانطلاق نحو التفكير في عقد اجتماعي جديد، ومن جهة أخرى الاستجابة لبعض مطالب المحامين وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، هذا الاحتمال يبدو ضعيفا ومستبعدا حتى اللحظة الراهنة.
أما الاحتمال الثاني فيتمثل في إقالة الحكومة التي يعتقد الجميع، بمن في ذلك الموالون لمسار الرئيس سعيد، بكونها فشلت على جميع المستويات. لكن أثر هذه الإقالة سيكون محدودا، لأن البديل قد لا يكون أفضل، فالمشكل القائم سياسي بدرجة أساسية، إذ لا معنى لاستبدال وجوه بأخرى إذا استمرت نفس السياسات، وبقي القرار يتخذ خارج الحكومة، وبقيت هذه بعيدة عن رقابة البرلمان، وأن يبقى البرلمان بدون صلاحيات دستورية فعلية.
أما الاحتمال الأخير، وهو الأقرب للواقع الراهن، أن يعتبر رئيس الدولة ما جرى يوم السبت الماضي لا قيمة له، فيستمر بذلك الوضع على ما هو عليه، وفي هذه الحالة يرى البعض بكونها مجازفة خطيرة، لأن السيارة عندما تكون بلا فرامل فهي واقعة لا محالة في منحدر عميق.