حوار بلا سياسة وإصلاح بلا محاسبة.. لماذا استبعد نظام السيسي الحريات من منتدى مصر 2026؟

- ‎فيتقارير

اختُتمت فعاليات «منتدى مصر 2026»، بعد ستة أيام من الجلسات والمناقشات الحكومية لنظام الانقلاب العسكري ، وسط غياب شبه كامل للقضايا السياسية عن جدول أعماله، في مشهد أثار تساؤلات بشأن طبيعة الحوار الذي يسعى نظام عبد الفتاح السيسي إلى تقديمه للمصريين، وحدود المشاركة المجتمعية المسموح بها في مناقشة مستقبل البلاد.

فبينما انشغلت  جلسات المنتدى بقضايا التعليم والصحة والاقتصاد والأجور والحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات، غابت الملفات المرتبطة بالإصلاح السياسي والحريات العامة وتداول السلطة واستقلال المؤسسات والرقابة على أداء الحكومة، وكأن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المصريين يمكن فصلها عن طبيعة النظام السياسي وآليات صناعة القرار.

ورغم انعقاد المنتدى تحت شعار «نظرة لليوم… رؤية للغد»، فإن أجندته لم تتضمن نقاشًا مستقلًا بشأن مستقبل الحياة الحزبية أو ضمانات المنافسة الانتخابية أو حرية الصحافة والتعبير، كما لم تطرح تصورًا واضحًا لإصلاح المؤسسات السياسية التي تتحكم في إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية.

ويرى منتقدون أن هذه الفجوة تعكس استمرار توجه السلطة نحو السماح بمناقشة نتائج السياسات الحكومية، دون فتح المجال لمساءلة القواعد السياسية التي تنتج تلك السياسات أو مناقشة آليات تغييرها.

 

ستة أيام من النقاش.. والسياسة خارج القاعة

انعقد المنتدى خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر 2026، تحت شعار «نظرة لليوم… رؤية للغد»، وتوزعت أجندته الرئيسية على أربعة محاور شملت بناء الإنسان، والتنمية المتكاملة وجودة حياة المواطن، والحماية والأمان المجتمعي، والاقتصاد.

وعلى الرغم من اتساع هذه العناوين وتشعب القضايا التي تتضمنها، فإنها لم تشمل محورًا مستقلًا للإصلاح السياسي أو تطوير النظام الانتخابي أو تعزيز التعددية الحزبية.

كما غابت عن المحاور الرئيسية قضايا الحبس الاحتياطي وحرية الإعلام والتعبير واستقلال المؤسسات والضمانات اللازمة لمحاسبة المسئولين عن القرارات والسياسات العامة.

ويثير هذا الغياب تساؤلات بشأن إمكانية معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بمعزل عن البيئة السياسية التي تتخذ فيها القرارات، خاصة أن ملفات مثل الدين العام والإنفاق الحكومي والأجور والحماية الاجتماعية ترتبط بصورة مباشرة بمدى فاعلية الرقابة البرلمانية وشفافية المؤسسات وقدرة المواطنين على محاسبة السلطة التنفيذية.

فالنقاش حول ارتفاع الأسعار، على سبيل المثال، لا ينفصل عن مناقشة السياسات الاقتصادية التي أدت إلى التضخم، كما أن الحديث عن تحسين الخدمات العامة يستدعي بحث آليات الرقابة على الإنفاق وتحديد الأولويات ومحاسبة المسئولين عن أوجه القصور.

لكن المنتدى، وفقًا للانتقادات الموجهة إليه، ركز على النتائج المعيشية والاجتماعية للسياسات العامة، دون تخصيص مساحة مماثلة لمناقشة البنية السياسية والمؤسسية التي تتحكم في صياغتها.

 

من الحوار إلى التكليفات الرئاسية

ازدادت التساؤلات بشأن طبيعة المنتدى مع اختتام فعالياته بحضور  المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي، وإعلان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مخرجات وتوصيات تحولت إلى تكليفات رئاسية.

وتمحور جانب بارز من هذه المخرجات حول تحسين الأجور والخدمات العامة والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، دون أن يظهر في الملخص الرسمي المعلن برنامج موازٍ للإصلاح السياسي والمؤسسي.

ويكشف هذا المسار، بحسب منتقدين، عن طبيعة العلاقة بين المشاركين والسلطة التنفيذية، إذ ينتهي النقاش إلى توصيات تتولى القيادة السياسية تحويلها إلى تكليفات للحكومة، بدلًا من أن يكون الحوار مدخلًا لتطوير قواعد المشاركة السياسية والرقابة والمساءلة.

ولا تكمن المشكلة في مناقشة الملفات الاقتصادية والاجتماعية، التي تمثل أولويات ملحة للمصريين، وإنما في اقتصار الحوار عليها واستبعاد القضايا المتعلقة بكيفية إدارة الدولة وتوزيع السلطات وصناعة القرار.

فالحوار المجتمعي لا يقتصر على تقديم المقترحات لتحسين أداء المؤسسات القائمة، بل يشمل أيضًا حق المجتمع في مناقشة صلاحيات هذه المؤسسات وآليات الرقابة عليها وسبل تغيير السياسات والمسئولين بصورة سلمية وديمقراطية.

 

عمرو هاشم ربيع: الحكومة تحدد ما يجوز مناقشته

اعتبر المستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، أن غياب الإصلاح السياسي والحريات العامة عن المحاور الرئيسية لمنتدى مصر كان أمرًا متوقعًا، في ضوء طبيعة الجهة التي وضعت أجندته وحددت أولوياته.

وأوضح ربيع أن الحكومة تهيمن على تحديد الموضوعات المطروحة، رغم الحديث الرسمي عن الاعتماد على مداخلات المواطنين عبر الموقع الإلكتروني للمنتدى.

وأشار إلى غياب معلومات واضحة بشأن آليات تلقي هذه المداخلات وفرزها، والجهات المسئولة عن اختيار الموضوعات، ومدى وجود رقابة مستقلة على هذه العملية.

وتساءل عن المعايير التي أدت إلى تقدم بعض الملفات، مثل الشباب والرياضة، في ترتيب الأولويات، مقابل تراجع قضايا أخرى شديدة الأهمية، مثل الدين الخارجي.

ورأى أن انفراد السلطة بتحديد أجندة المنتدى يمثل مدخلًا أساسيًا لفهم أسباب تراجع الاهتمام بالإصلاح السياسي والحريات العامة.

فحين تكون الجهة المطلوب تقييم أدائها هي نفسها التي تحدد القضايا المطروحة للنقاش، تصبح هناك تساؤلات بشأن استقلال الحوار وقدرته على تناول الملفات الأكثر حساسية.

وتعكس هذه الملاحظة إشكالية أوسع تتعلق بحدود المشاركة المجتمعية في ظل غياب آليات مستقلة تضمن تمثيل مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية، وعدم استبعاد القضايا التي قد تضع السلطة أمام انتقادات مباشرة.

 

الحقوق الاقتصادية بديل عن الحريات السياسية!

ربط عمرو هاشم ربيع بين طبيعة أجندة المنتدى والخطاب الذي يتبناه السيسي عند الحديث عن حقوق الإنسان.

وأشار إلى أن السيسي يركز عادة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ويعترض على ما يعتبره اهتمامًا مفرطًا من بعض الجهات الدولية والمنظمات الحقوقية بالحقوق السياسية.

ويرى ربيع أن هذا التوجه يساعد على تفسير الحضور الكبير لقضايا الخدمات والتنمية والحماية الاجتماعية في المنتدى، مقابل محدودية الاهتمام بالحريات العامة والإصلاح السياسي.

لكن الفصل بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من جهة، والحقوق المدنية والسياسية من جهة أخرى، يثير إشكالية أساسية تتعلق بطبيعة حقوق الإنسان وترابطها.

فحق المواطن في التعليم والصحة والعمل لا يتعارض مع حقه في حرية التعبير والتنظيم السياسي والمشاركة في الانتخابات، كما أن ضمان الخدمات الأساسية لا يلغي الحاجة إلى مؤسسات مستقلة وآليات للمساءلة.

بل إن وجود حياة سياسية تنافسية وإعلام مستقل ومجتمع مدني قادر على العمل بحرية يمكن أن يسهم في كشف أوجه القصور في الخدمات العامة، ومراقبة الإنفاق الحكومي، والضغط من أجل تحسين السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

ومن ثم، فإن اختزال حقوق المواطنين في تحسين مستوى الخدمات والمعيشة، دون مناقشة ضماناتهم السياسية، يقدم تصورًا محدودًا للمشاركة المجتمعية.

 

أزمة سياسية ممتدة منذ عام 1952

ذهب عمرو هاشم ربيع إلى أن غياب الإصلاح السياسي عن المنتدى لا يمكن فصله عن طبيعة الحياة السياسية المصرية منذ عام 1952.

واعتبر أن الدولة اعتادت، على مدار عقود، إضعاف الحياة السياسية وتقييد فرص تداول السلطة، بما أدى إلى تراجع دور الأحزاب وتكلس المواقع القيادية وغياب المنافسة السياسية الفاعلة.

وفي هذا السياق، تبدو المنتديات والمبادرات الحكومية، بحسب هذا التحليل، امتدادًا لطريقة إدارة المجال العام، حيث تظل السلطة التنفيذية صاحبة الدور الأساسي في تحديد القضايا والخيارات المطروحة.

وتزداد هذه الإشكالية عندما تتحول المشاركة السياسية إلى مجرد إبداء الرأي في سياسات تقررها مؤسسات الحكم، دون امتلاك المواطنين والأحزاب أدوات مؤثرة في تغيير هذه السياسات أو محاسبة القائمين عليها.

كما أن غياب تداول السلطة يحد من قدرة العملية السياسية على إنتاج بدائل وبرامج متنافسة، ويجعل النقاش العام يدور غالبًا حول تحسين أداء الحكومة القائمة بدلًا من مناقشة الخيارات السياسية والاقتصادية المختلفة.

 

هل تمتلك حكومة مدبولي قرارها؟

أثار ربيع جانبًا آخر يتعلق بطبيعة السلطة التنفيذية في مصر، مشددًا على ضرورة التمييز بين الحكومة بوصفها جهازًا إداريًا، ومراكز صناعة القرار السياسي والاستراتيجي.

واعتبر أن حكومة مدبولي لا تتمتع، في تقديره، باستقلال واسع في تحديد السياسات العامة، وإنما تتولى بصورة أساسية تنفيذ التوجهات التي تقررها القيادة السياسية.

ووصف الوزراء بأنهم أقرب إلى موظفين يعملون تحت سلطة السيسي، في إشارة إلى محدودية استقلال الحكومة في اتخاذ القرارات الكبرى.

ويطرح هذا التوصيف تساؤلًا بشأن جدوى تنظيم حوار تديره الحكومة إذا كانت، وفق هذا التقدير، لا تمتلك سلطة مستقلة لإعادة النظر في التوجهات الأساسية للدولة.

فإذا كانت القرارات الاستراتيجية تتخذ خارج نطاق النقاش الحكومي، فإن توصيات المنتدى قد تظل محصورة في تحسينات تنفيذية وإدارية، دون الاقتراب من الخيارات السياسية والاقتصادية الكبرى.

كما يثير ذلك سؤالًا بشأن الجهة التي ينبغي أن تخضع للمساءلة عن نتائج السياسات العامة، خاصة عندما تتداخل المسئوليات بين الرئاسة والحكومة والمؤسسات الأخرى.

 

زياد بهاء الدين: كشف حساب لا يكفي

من جانبه، تناول الخبير الاقتصادي والسياسي زياد بهاء الدين طبيعة المنتدى في مقال نشره خلال مشاركته في فعالياته.

وأشار إلى أن الغرض الأساسي من المنتدى، وفق ما فهمه، يتمثل في تقديم كشف حساب لأداء الحكومة، في ظل اهتمام شعبي واسع بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

واعتبر أن قيمة المنتدى ستتحدد بمدى قدرته على تقديم سياسات واضحة وقابلة للتنفيذ تخفف الأعباء المعيشية عن المواطنين، وليس بمجرد استعراض الإنجازات الحكومية.

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية في ضوء الانتقادات المتكررة للمؤتمرات الرسمية التي تخصص مساحات واسعة لعرض المشروعات والمؤشرات الحكومية، بينما تظل مشاركة المواطنين والخبراء في مناقشة القرارات والبدائل محل تساؤل.

كما أشار بهاء الدين إلى أهمية النقاش الدستوري المتعلق بالانتخابات الرئاسية المقررة عام 2030، متسائلًا عن العلاقة بين هذا الملف والمنتدى، ومدى قدرة مخرجات الحوار على التأثير في مستقبل البلاد.

ويعيد طرح انتخابات 2030 إلى الواجهة واحدة من أهم القضايا السياسية الغائبة عن أجندة المنتدى، وهي مستقبل السلطة التنفيذية والضمانات الدستورية والقانونية للمنافسة السياسية.

فأي نقاش بشأن مستقبل مصر لا يقتصر على مؤشرات النمو والأجور والخدمات، وإنما يمتد إلى مستقبل المؤسسات السياسية والقواعد التي تحكم انتقال السلطة واختيار المسئولين.

 

أحمد بهاء شعبان: توصيات الحوار الوطني لم تنفذ

بدوره، انتقد رئيس الحزب الاشتراكي المصري أحمد بهاء شعبان غياب الإصلاح السياسي عن المنتدى، رابطًا ذلك بتجربة الحوار الوطني السابق.

وأوضح شعبان، في بيان، أن عدم تنفيذ توصيات تتعلق بالحريات والإصلاح السياسي، سبق طرحها خلال جلسات الحوار الوطني، أسهم في إضعاف الثقة بجدوى المبادرات الحوارية الجديدة.

وأشار إلى أن ملفات الحبس الاحتياطي وحرية الإعلام وتعديل النظام الانتخابي كانت ضمن القضايا التي شهدت مناقشات سابقة، دون أن تنعكس جميع مخرجاتها في إصلاحات ملموسة.

وتعيد هذه الانتقادات طرح سؤال أساسي: ما جدوى الانتقال من حوار إلى آخر إذا كانت الملفات السياسية الجوهرية لا تجد طريقها إلى التنفيذ؟

فالحوار الوطني السابق أثار آمالًا لدى بعض القوى السياسية بشأن إمكانية فتح المجال العام وإجراء إصلاحات تشريعية ومؤسسية، لكن استمرار الخلاف حول تنفيذ التوصيات المتعلقة بالحريات أضعف الثقة في قدرة هذه المسارات على تحقيق تغيير حقيقي.

وفي هذا السياق، يصبح غياب السياسة عن منتدى مصر 2026 مؤشرًا إضافيًا، في نظر منتقديه، على أن السلطة تفضل توسيع النقاش الاقتصادي والاجتماعي مع إبقاء الملفات السياسية الأكثر حساسية خارج جدول الأعمال.

 

الحوار الوطني ومنتدى مصر.. هل تغيرت الأسماء وبقيت الأزمة؟

تكشف المقارنة بين الحوار الوطني السابق ومنتدى مصر 2026 عن اختلاف في طبيعة الأجندة، مع استمرار تساؤلات بشأن قدرة هذه المبادرات على التأثير في صناعة القرار.

فبينما شمل الحوار الوطني محاور سياسية واقتصادية واجتماعية، جاء منتدى مصر بأجندة تركز بصورة أكبر على الخدمات والتنمية والاقتصاد والحماية الاجتماعية.

ويعني ذلك أن القضايا السياسية التي كانت حاضرة، ولو على مستوى المناقشة، في الحوار الوطني، لم تحصل على محور مستقل في المنتدى الجديد.

ولا يمكن الجزم بأن غياب محور سياسي يعني استبعاد كل نقاش ذي أبعاد سياسية داخل الجلسات، لكنه يعكس بوضوح أن الإصلاح السياسي لم يكن ضمن الأولويات الرئيسية المعلنة للفعالية.

وتثير هذه النقطة مخاوف من أن تتحول الحوارات الرسمية إلى مساحات لاستطلاع آراء المواطنين بشأن تحسين الخدمات، دون أن تكون أدوات فعلية لإعادة توزيع الصلاحيات أو تعزيز الرقابة والمحاسبة.

كما أن تكرار المبادرات الحوارية دون تقييم علني ومستقل لنتائجها السابقة قد يؤدي إلى تراجع الثقة في جدواها، خصوصًا إذا لم يشعر المواطنون بوجود تأثير واضح لمشاركتهم على القرارات الحكومية.

 

الاقتصاد لا ينفصل عن السياسة

قد تبدو قضايا الأجور والأسعار والديون والصحة والتعليم ملفات اقتصادية واجتماعية بحتة، لكنها ترتبط في جوهرها بقرارات سياسية تتعلق بتوزيع الموارد وتحديد أولويات الدولة.

فمناقشة الدين الخارجي تستدعي البحث في القرارات التي أدت إلى تراكمه، والجهات التي وافقت على الاقتراض، ومدى خضوع المشروعات الممولة بالقروض للرقابة والمراجعة.

والحديث عن تحسين الأجور يفتح الباب أمام مناقشة السياسات الضريبية وتوزيع الإنفاق العام وأولويات الموازنة.

كما أن تطوير التعليم والصحة يرتبط بمدى استقلال المؤسسات وشفافية إدارة الموارد وقدرة المواطنين على مساءلة المسئولين عن أوجه القصور.

ومن ثم، فإن استبعاد الإصلاح السياسي من النقاش لا يجعل الملفات الاقتصادية والاجتماعية بعيدة عن السياسة، وإنما يحصر الحوار في جانب من المشكلة ويترك جانبًا آخر دون مساءلة.

ويطرح ذلك تساؤلًا بشأن قدرة المنتدى على معالجة الأسباب الهيكلية للأزمات إذا اقتصرت مخرجاته على توصيات تنفيذية لا تمس آليات صناعة القرار.

 

من يحدد مستقبل مصر؟

بعد ستة أيام من الجلسات والمناقشات، انتهى «منتدى مصر 2026» إلى مخرجات حكومية وتكليفات رئاسية، بينما بقيت ملفات الإصلاح السياسي والحريات العامة وتداول السلطة خارج محاوره الرئيسية.

ولا يقلل ذلك من أهمية القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي ناقشها المنتدى، أو من الحاجة إلى تحسين الخدمات والأجور والحماية الاجتماعية، لكنه يطرح تساؤلات بشأن مدى اكتمال أي رؤية لمستقبل البلاد دون معالجة القواعد السياسية والمؤسسية التي تحكم إدارتها.

فالمجتمع الذي يعاني ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات يحتاج إلى حلول اقتصادية، لكنه يحتاج أيضًا إلى ضمانات للمشاركة والمحاسبة والرقابة، وإلى مؤسسات قادرة على مراجعة السياسات وتغييرها.

كما أن نجاح أي حوار يتوقف على وضوح آليات اختيار المشاركين والموضوعات، واستقلالية إدارة النقاش، ووجود إجراءات معلنة لمتابعة تنفيذ التوصيات.

وفي المحصلة، كشف منتدى مصر 2026 عن مفارقة أساسية في علاقة نظام السيسي بالمجتمع: السلطة تدعو المصريين إلى مناقشة مشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية، لكنها لا تضع القواعد السياسية التي تحكم صناعة تلك المشكلات ضمن جدول الحوار.

وبينما انتهى المنتدى إلى تكليفات جديدة لتحسين أداء الحكومة، ظل السؤال الأكثر جوهرية دون إجابة: كيف يمكن الحديث عن رؤية لمستقبل مصر حتى عام 2030 وما بعده، بينما تغيب عن النقاش قضايا الحريات والانتخابات وتداول السلطة ومحاسبة من يحددون مستقبل البلاد؟

فالحوار الذي يناقش نتائج القرارات دون السماح بمساءلة صانعيها قد يساعد على تحسين بعض الخدمات، لكنه لا يمثل بمفرده بديلًا عن الإصلاح السياسي والمؤسسي الذي يطالب به منتقدو السلطة.