الرئيس مرسي رفض برنامج صندوق النقد… لماذا ورّط المنقلب “السيسي” مصر في ديون لا تنتهي؟

- ‎فيتقارير

بعد عقد من الزمان ينتهي هذا العام برنامج صندوق النقد مع مصر الذي بدأ في نوفمبر 2016 ، عانى خلاله الشعب المصري اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، فقدت مصر قيمتها كبلد له تاريخ ومجد إلى دولة تتلقى تعليمات من صندوق النقد، وتابعة لكيانات صغيرة تسمى دولا لحاجة نظامها المنقلب المستمرة للمال.

عندما تولى الدكتور محمد مرسي الحكم كانت الموازنة العامة تعاني من العجز، وكان الحل السهل أن يتوجه إلى صندوق النقد للاقتراض وتوفير الأموال اللازمة لتسيير دولاب الدولة، وكانت الصدمة في شروط الصندوق المجحفة من رفع الدعم وتعويم سعر العملة الوطنية وبيع الشركات المملوكة للشعب للقطاع الخاص والأجانب، فرفض الرئيس هذا المسار واعتمد على الإمكانات الذاتية للدولة.

 ولم يكد تنتهي سنة واحدة حتى انقلب السيسي على التجربة الديمقراطية، ولم يصمد طويلا أمام عجز الموازنة ففي عام2016 توجه إلى صندوق النقد طالبا للقروض، ومن تلك اللحظة بدأت أرقام الديون في الصعود الصاروخي حتى وصلت إلى 163 مليار دولار ديون خارجية فقط بخلاف الدين الداخلي.

 

عاش المصريون عقدا من الزمن تحت ضغوط وشروط الصندوق القاسية من تعويم العملة الوطنية لرفع الدعم عن الطاقة وحتى عن الفئات الأولى بالرعاية وكل تعويم يتبعه رفع أسعار، ما أدى لضغوط معيشية لا تحتمل، ومع كل قرض هناك مراجعة من الصندوق حتى وصلنا إلى ثماني مراجعات مع انتهاء البرنامج هذا العام، وها هو انتهى برنامج صندوق النقد مع مصر ولم تنتهِ معاناة المصرين، بل على العكس زاد من الضغوط أكثر وتراجع مستوى المعيشة أكثر، ووصل مستوي الفقر إلى 60%..

 

 

 

تتبنى الإدارة الأمريكية في ظل ولاية “ترامب الثانية، نهجًا يعيد تعريف دور الولايات المتحدة في المؤسسات المالية الدولية، فبدلًا من الانسحاب الكامل، اختارت واشنطن استراتيجية "إعادة التشكيل" لضمان خدمة مصالحها القومية بشكل مباشر، ويظهر هذا التحول جليًا في الوثيقة الرسمية الصادرة عن وزارة الخزانة والموجهة إلى الكونغرس، والتي صدرت في يوليو 2025 لتضع النقاط على الحروف حول كيفية توظيف نفوذ واشنطن داخل صندوق النقد الدولي وبنوك التنمية متعددة الأطراف لخدمة أجندة "أمريكا أولًا".

يؤكد هذا التقرير أن الولايات المتحدة ستسعى خلال عام 2026 وما بعده إلى إعادة "صندوق النقد الدولي" لمهامه الأساسية؛ وهي الاستقرار المالي والنقدي الكلي، مع الابتعاد عن القضايا التي تعتبرها الإدارة الحالية مشتتة أيديولوجيًا مثل تغير المناخ وقضايا النوع الاجتماعي.

بالنسبة لمصر، يفرض هذا التوجه تحديًا مباشرًا؛ حيث قد يتقلص الزخم الدولي لدعم برامج مثل "آلية الصمود والاستدامة" (RSF)؛ مما يضع عبئًا إضافيًا على الميزانية المصرية لتمويل مشروعات التحول الأخضر بعيدًا عن مظلة الصندوق التقليدية، ويستوجب البحث عن بدائل تمويلية إقليمية أو عبر القطاع الخاص.

شفافية الديون شرط للإفراض الدولي

علاوة على ذلك، تستخدم واشنطن تقرير الخزانة كأداة لفرض "شفافية الديون" كشرط أساسي للإقراض الدولي، وهي خطوة تهدف بالأساس لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد في الدول النامية، لذا؛ قد تجد مصر نفسها في الفترة المقبلة تحت مجهر الصندوق بشكل أكثر حدة فيما يخص تفاصيل قروضها من الجانب الصيني وشروطها؛ حيث ستحاول الإدارة الأمريكية عبر الصندوق إجبار الدول المقترضة على الإفصاح الكامل عن أي التزامات مستترة، هذا التوجه يتطلب من مصر استراتيجية تحوطية تعتمد على "الإدارة الاستباقية للديون" وتعزيز الشفافية الطوعية، لتفادي استخدام هذا الملف كأداة ضغط سياسي قد تؤثر على سلاسة المراجعات القادمة للبرنامج.

وفي إطار تعزيز اقتصاد السوق، يشير التقرير الأمريكي بوضوح إلى أن القروض الدولية يجب أن تشجع على الإصلاحات الجذرية التي تفتح الأبواب أمام الشركات الأمريكية والقطاع الخاص العالمي، لذا؛ فإن مصر مطالبة بالتحوط من خلال تسريع وتيرة "الحياد التنافسي" وتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، ليس فقط استجابةً لشروط الصندوق، بل كدرع حماية يضمن تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتجنب اشتراطات أكثر صرامة في المراجعات السابعة والثامنة، إن التحوط الحقيقي لمصر يكمن في تحويل هذه الضغوط إلى فرصة لتوطين الصناعة وتنويع الشركاء الدوليين، بما يضمن استقلال القرار الاقتصادي الوطني في ظل نظام مالي عالمي يعاد تشكيله.

 

إن مسار الاقتصاد المصري مع صندوق النقد الدولي قد انتقل من مرحلة "إدارة الأزمة" إلى مرحلة "إدارة السيادة المالية"، إن النجاحات المحققة في المراجعات الخامسة والسادسة وفرت لمصر "درعًا ماليًا صلبا"، لكن هذا الدرع يواجه اليوم تحديات جيوسياسية متغيرة؛ حيث تعيد الولايات المتحدة تعريف أدوار المؤسسات الدولية وفق رؤية أكثر نفعية وتشددًا في الشفافية.

إن التحوّط الحقيقي لمصر في عام 2026 وما بعده لا يكمن فقط في استيفاء شروط الصندوق، بل في تحويل هذه الشروط إلى محفزات وطنية للنمو، فالاستعداد لحقبة  ما بعد الصندوق يتطلب تنويعًا ذكيًا لمصادر التمويل"، وتوطينًا حقيقيًا للصناعة يقلل من الارتهان للتقلبات النقدية.

 إن عبور المراجعة الثامنة بنجاح لن يكون مجرد نهاية لبرنامج تمويلي، بل هو إعلان عن قدرة الدولة على إدارة اقتصاد سوق تنافسي، قادر على امتصاص الصدمات العالمية بمرونة ذاتية، وصياغة قراره الاقتصادي بمنأى عن ضغوط التمويل المشروط.