رغم مزاعم حكومة الانقلاب حول تحقيق نهضة اقتصادية وإنشاء مناطق صناعية فى مختلف أنحاء الجمهورية إلا أن محافظات الصعيد لاتزال خارج حسابات الحكومة حيث لا تحظى بأى اهتمام ليس فى الصناعة وحدها بل فى كل القطاعات الاخرى حتى المواطن الصعيدى تعامله هذه الحكومة على أنه مواطن درجة ثانية .
الأرقام الرسمية الصادرة عن حكومة الانقلاب تعترف باستمرار تمركز النشاط الصناعي في عدد محدود من المحافظات، مقابل مساهمة محدودة لمحافظات الجنوب، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول أسباب استمرار الفجوة التنموية، ومدى قدرة السياسات الحالية على تحويل الاستثمارات الحكومية إلى نمو صناعي حقيقي يوفر فرص العمل ويرفع معدلات الإنتاج.
وكشفت البيانات الرسمية، أن محافظات القاهرة والشرقية والقليوبية والجيزة استحوذت على نحو 60.7% من الإنتاج الصناعي خلال الربع الأخير من عام 2024، بينما لم تتجاوز حصة محافظات الصعيد 7.1% من إجمالي المناطق الصناعية، و3.2% من إيراداتها، و5.4% من العاملين بها، وهو ما يعكس استمرار التركز الصناعي في عدد محدود من المحافظات .
مناطق متكاملة
كان مصطفى مدبولي، رئيس مجلس وزراء الانقلاب، قد زعم أن دولة العسكر تعمل على إنشاء مناطق صناعية متكاملة بمحافظات الصعيد، بالتوازي مع تنفيذ مشروعات ضخمة في مجالات الطرق والكباري والسكك الحديدية والقطار الكهربائي السريع، بهدف تهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات الصناعية، وخفض تكلفة النقل، وربط المناطق الإنتاجية بالموانئ والأسواق المحلية والتصديرية.
وقال «مدبولي» فى تصريحات صحفية، إن دولة العسكر وفرت الأراضي الصناعية المرفقة، وتعمل على إزالة المعوقات التي تواجه المستثمرين، بما يسهم في زيادة معدلات التشغيل وتعزيز مساهمة محافظات الصعيد في النشاط الصناعي وفق تعبيره .
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تستهدف تعظيم الاستفادة من البنية الأساسية التي تم تنفيذها، وتحويلها إلى مشروعات إنتاجية قادرة على توفير فرص العمل، وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ودعم جهود التنمية الشاملة في محافظات الجنوب بحسب تصريحاته.
إنتاج حقيقي
فى المقابل أكد خبراء اقتصاديون، أن هذه المؤشرات تكشف أن التحدي لم يعد في إنشاء المناطق الصناعية فقط، وإنما في تحويلها إلى مناطق إنتاج حقيقية تضم مصانع تعمل بكامل طاقتها، وتوفر فرص عمل مستدامة، وتحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، خاصة أن الصناعة تعد المحرك الرئيسي للتنمية في المحافظات الأكثر احتياجًا.
في هذا السياق، قال خبير التنمية الدكتور الحسين حسان، إن الأرقام الخاصة بالمناطق الصناعية وإيراداتها تكشف بوضوح وجود فجوة تنموية في محافظات الصعيد تستدعي مزيدًا من العمل، موضحًا أن استحواذ أربع محافظات فقط على أكثر من 60% من الإنتاج الصناعي، مقابل حصة لا تتجاوز 7.1% لمحافظات الصعيد من المناطق الصناعية، يؤكد استمرار التركز الصناعي في نطاق جغرافي محدود.
فرص العمل
وأضاف «حسان» فى تصريحات صحفية أن انخفاض نصيب الصعيد إلى 3.2% فقط من إيرادات المناطق الصناعية، و5.4% من إجمالي العاملين بها، يعكس أن العائد الاقتصادي والتشغيلي للمناطق الصناعية في الجنوب لا يزال أقل من المستهدف، مؤكدًا أن نجاح التنمية لا يقاس بعدد المناطق الصناعية التي يتم إنشاؤها، وإنما بعدد المصانع المنتجة، وفرص العمل التي تخلقها، وحجم القيمة المضافة التي تحققها للاقتصاد.
وأشار إلى أن المادة 236 من الدستور تلزم دولة العسكر بوضع وتنفيذ خطة شاملة لتنمية الصعيد والمناطق الأكثر احتياجًا، بما يحقق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، وهو ما يستوجب التركيز على التشغيل الفعلي للمشروعات الصناعية، وليس الاكتفاء بإنشاء البنية الأساسية.
وأوضح «حسان»، أن خطط تنمية الصعيد لم تحقق حتى الآن طفرة صناعية حقيقية، رغم تنفيذ مشروعات في الطرق والكهرباء والمرافق، لأن الصناعة تحتاج إلى منظومة متكاملة، تشمل التمويل، وسلاسل الإمداد، والتسويق، وتوفير العمالة المدربة، إلى جانب تهيئة بيئة استثمارية قادرة على جذب القطاع الخاص.
تكلفة التمويل
وشدد «حسان» على أن ارتفاع تكلفة التمويل بعد زيادة أسعار الفائدة يمثل أحد أكبر التحديات أمام المستثمرين الصناعيين، خاصة أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلًا عن بطء التشغيل في بعض المناطق الصناعية، وضعف الصناعات المغذية، واستمرار بعض التعقيدات الإجرائية، رغم ما وفره قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017، وقانون تيسير إجراءات منح تراخيص المنشآت الصناعية رقم 15 لسنة 2017 من حوافز للمستثمرين.
وأكد أن تعظيم الاستفادة من هذه التشريعات يتطلب رفع معدلات التشغيل، وتشجيع القطاع الخاص على ضخ استثمارات جديدة، وتحويل المناطق الصناعية إلى مجتمعات إنتاجية متكاملة، بدلًا من بقائها مناطق مرفقة لا تحقق العائد الاقتصادي المستهدف.
وأوضح «حسان» أن جذب الاستثمارات الصناعية إلى محافظات الصعيد لا يزال يواجه عددًا من التحديات، في مقدمتها ارتفاع تكلفة التمويل، ونقص العمالة الفنية الماهرة، وارتفاع تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، إلى جانب الحاجة إلى تسريع إجراءات التراخيص، والتوسع في الصناعات المغذية، والترويج بصورة أكبر للفرص الاستثمارية المتاحة.
البيروقراطية
قال الخبير الاقتصادي الدكتور السيد خضر، إن تحقيق نهضة صناعية حقيقية في الصعيد يتطلب الانتقال من مرحلة توفير البنية الأساسية إلى مرحلة تعميق التصنيع وزيادة الإنتاج، موضحًا أن محافظات الصعيد تمتلك مقومات كبيرة لجذب الاستثمارات، سواء من حيث توافر الأراضي، أو الخامات التعدينية والزراعية، أو الكثافة السكانية، إلا أن هذه المقومات تحتاج إلى سياسات أكثر فاعلية لتحويلها إلى مشروعات إنتاجية قادرة على المنافسة.
وأضاف «خضر» فى تصريحات صحفية، أن البيروقراطية وطول الإجراءات لا يزالان من أبرز العقبات التي تواجه المستثمرين، مؤكدًا أن تحسين مناخ الاستثمار يبدأ بسرعة إصدار التراخيص، وتفعيل نظام الشباك الواحد، وتقديم حوافز حقيقية للمشروعات الصناعية، بما يشجع المستثمرين على التوسع في محافظات الصعيد، خاصة في الصناعات التي تعتمد على الخامات المحلية.
وأشار إلى أن الصناعة الوطنية تمثل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية، وزيادة الصادرات، وتقليل الاعتماد على الواردات، وهو ما يستلزم التوسع في الصناعات المغذية، وربط المناطق الصناعية بسلاسل الإنتاج، وتشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة على التكامل مع المصانع الكبرى، بما يحقق قيمة مضافة أكبر للاقتصاد المصري.
وأكد «خضر»، أن توفير التمويل الميسر للمستثمرين الصناعيين، إلى جانب إعادة تشغيل المصانع المتعثرة، يمثلان أولوية خلال المرحلة المقبلة، خاصة أن العديد من المناطق الصناعية تمتلك بنية أساسية جيدة لكنها تحتاج إلى زيادة معدلات التشغيل، وجذب استثمارات جديدة تحقق الاستفادة القصوى من تلك المشروعات.