منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013، تصاعد حضور الكاميرا في المشهد الإداري ، وبات ظهور المسئولين في الجولات الميدانية المصوّرة مشهدًا متكررًا، يبدأ غالبًا بجولة مفاجئة وينتهي بتوجيهات وقرارات وانتقادات أمام عدسات التصوير.
وبينما يُفترض أن تكون هذه الجولات إحدى أدوات الرقابة الميدانية، وكشف أوجه القصور ومتابعة مستوى الخدمات، أثارت وقائع متكررة تساؤلات حول طبيعة هذا الأسلوب: هل تستهدف الجولات معالجة المشكلات فعليًا، أم أن التصوير العلني والمواجهة أمام الجمهور تحولا إلى جزء من آليات المحاسبة؟
وخلال الأشهر والسنوات الأخيرة، ظهرت نماذج متعددة لمسئولين يوجهون اللوم إلى موظفين أو مديرين خلال جولات مصورة، بينما تكشف روايات العاملين في بعض الحالات عن مشكلات تتعلق بنقص الإمكانات أو غياب الخدمات أو تداخل الاختصاصات.
أزمة الاختصاص في الشهر العقاري
أحدثت زيارة محافظ أسوان عمرو لاشين لأحد مكاتب الشهر العقاري في 10 سبتمبر الحالي جدلًا تجاوز تفاصيل الجولة، بعدما انتقلت الواقعة إلى مسألة قانونية تتعلق بحدود اختصاص المحافظ تجاه جهة تتبع وزارة العدل إداريًا.
وقال أيمن أحمد علي، مدير مأمورية بالشهر العقاري والتوثيق، إنه فوجئ خلال أداء عمله بزيارة المحافظ للمكتب، موضحًا أن الحديث معه جرى، بحسب روايته، بأسلوب لم يره متناسبًا مع طبيعة ومكانة الموظف.
وأضاف أن المحافظ طلب منه الوقوف ومغادرة مكتبه، وهو ما رفضه تمسكًا بحدود موقعه الوظيفي، مشيرًا إلى أنه تواصل مع وكيل الوزارة المختص بسبب ما اعتبره عدم وضوح في الصفة والاختصاص.
وبحسب رواية الموظف، فوجئ برد يفيد بأن المحافظ هو صاحب السلطة التنفيذية في المحافظة، قبل أن يتم أخذ دفتر الحضور والانصراف من المكتب، ليعترض الموظف على الإجراء مطالبًا بسنده القانوني وتحديد الجهة صاحبة الاختصاص.
لكن الواقعة لم تبقَ في إطار الروايات المتبادلة، إذ أصدرت وزارة العدل بيانًا أكدت فيه أن وجود مقر الشهر العقاري داخل النطاق الجغرافي للمحافظة لا يمنح المحافظ، بمجرده، سلطة رئاسية على أعمال المصلحة.
وأوضحت الوزارة أن قانون نظام الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 ينظم اختصاصات المحافظ، مع وجود استثناءات تتعلق بالهيئات القضائية والجهات المعاونة لها، مؤكدة أن مصلحة الشهر العقاري والتوثيق تخضع لوزارة العدل وفق نظامها القانوني والإداري والفني.
وشددت الوزارة على ضرورة التفرقة بين التفقد الميداني لمستوى الخدمات والوقوف على احتياجات المواطنين، وبين ممارسة سلطة رئاسية أو إجراء تفتيش فني على العاملين، موضحة أن لكل إجراء نطاقه القانوني واختصاصه المحدد.
وأعادت الواقعة النقاش حول حدود الجولات المفاجئة، خصوصًا أن المحافظ يستطيع تفقد مستوى الخدمة داخل نطاق المحافظة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكه سلطات إدارية مباشرة على موظفي الجهات التابعة لوزارات أخرى.
عندما تنقلب الجولة على صاحبها
وفي القليوبية، تحولت جولة لمحافظ القليوبية حسام عبد الفتاح داخل عدد من المدارس إلى مواجهة علنية مع عدد من العاملين، وانتهت باستبعاد مدير مدرسة، فيما كشفت تفاصيل أخرى عن نقص في العمالة والخدمات الأساسية.
وخلال الجولة في كفر شكر وبنها، قرر المحافظ استبعاد مدير مدرسة برقطا الإعدادية، بعدما ظهر مرتديًا جلبابًا. إلا أن المدير أوضح، بحسب الرواية المتداولة، أنه يعمل بيده داخل المدرسة في أعمال الصيانة والنظافة نتيجة نقص العمال.
وفي مدرسة الشهيد أحمد سمير، دخل المحافظ في نقاش مع المديرة صالحة أبو الفضل، التي أشارت إلى غياب فرد الأمن ونقص عدد من الخدمات، مؤكدة أنها لجأت إلى دفع تكاليف إدخال الكهرباء والمياه والغاز إلى المدرسة من أموالها الخاصة.
وأظهرت المديرة، خلال الجولة، أوراقًا ومراسلات سبق أن وجهتها إلى الجهات المحلية للمطالبة بحل مشكلات المدرسة، كان من بينها خطاب حديث سبق الجولة مباشرة.
وهنا انتقلت الواقعة من سؤال يتعلق بأداء مدير أو مديرة المدرسة إلى سؤال أوسع: إذا كانت الإدارة التعليمية والجهات المحلية قد تلقت بالفعل شكاوى ومراسلات بشأن المشكلات، فلماذا ظلت هذه الأزمات قائمة حتى وصول المحافظ في جولة مصورة؟
العقوبة أمام الكاميرا.. أين تبدأ المحاسبة وأين تنتهي؟
أثارت هذه الوقائع كذلك جدلًا قانونيًا بشأن مشروعية توجيه العقوبات أو الإهانات العلنية للموظفين أثناء الجولات المصورة.
وقال المحامي حسن شومان إن بعض مشاهد جولة محافظ القليوبية قد تُثير، من وجهة نظره، إشكالات قانونية، معتبرًا أن تصوير الموظف ونشر الواقعة على نحو علني قبل استكمال الإجراءات القانونية قد يُثير شبهة التشهير إذا ترتب عليه ضرر مادي أو معنوي.
وأشار إلى أن المسئول الإداري لا يفترض أن يستبدل إجراءات التحقيق والمساءلة القانونية بالعقوبة الفورية أمام الكاميرا، معتبرًا أن هناك فارقًا بين إعلان وجود مخالفة ومباشرة الإجراءات القانونية اللازمة بشأنها.
وفي المقابل، قدم المحافظ رواية مختلفة بشأن مدير المدرسة، مؤكدًا أن استبعاده لم يكن بسبب ارتداء الجلباب، وإنما بسبب ما اعتبره تقاعسًا عن التعامل مع أوجه القصور وعدم طلب الدعم من الجهات المختصة.
أما بشأن مديرة المدرسة، فقال المحافظ إنها لم تقدم ما يثبت دفعها أموالًا من مالها الخاص، لكنه لم يتخذ ضدها إجراءً، بحسب تصريحاته، لأنها سبق أن خاطبت الإدارة التعليمية أكثر من مرة للمطالبة بحل المشكلات.
وتكشف الروايتان عن إشكالية أوسع في الجولات المصورة: فبينما يرى المسئول أنه يمارس رقابة ميدانية ويحاسب المقصرين، قد يرى الموظف أن ظروف العمل نفسها هي التي حالت دون تنفيذ المطلوب، وأن المحاسبة ينبغي أن تشمل كذلك الجهات المسئولة عن توفير الإمكانات.
الإقالة والتوبيخ.. مشاهد متكررة
لم تقتصر الظاهرة على المحافظين أو المدارس. ففي يوليو الماضي، تقدمت النقابة العامة للأطباء بشكوى إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيري الصحة والتنمية المحلية بشأن واقعة خلال جولة لمحافظ قنا اللواء مصطفى الببلاوي داخل مستشفى قنا العام، بعد تعنيفه مدير المستشفى وإقالته.
وجاءت الواقعة على خلفية فيديو نشرته الصفحة الرسمية للمحافظة، ظهر خلاله المحافظ ينتقد نقص الأطباء ومستوى النظافة في بعض العيادات، بالتزامن مع تلقي شكاوى من مرضى وذويهم بشأن شراء أدوية ومستلزمات من خارج المستشفى وتأجيل بعض العمليات.
وعقب الجولة، أعلنت المحافظة إقالة مدير المستشفى وتكليف قائم بالأعمال، إلى جانب نقل مدير الشئون الإدارية إلى مركز أبو تشت وإحالة مسئول الدفاتر الإدارية للتحقيق.
وفي مايو الماضي، شهدت جولة لوزير النقل الفريق كامل الوزير في أسيوط مشهدًا مشابهًا، بعدما وبخ أحد المهندسين المشرفين على مشروع محور ديروط، وطلب منه مغادرة موقع الشرح بسبب ارتباكه أثناء عرض تفاصيل المشروع.
وبعد تصحيح المعلومات التي أخطأ فيها المهندس، عاد الوزير وطلب منه استكمال العرض والجولة بصورة طبيعية.
ورغم اختلاف تفاصيل هذه الوقائع، يجمع بينها حضور الكاميرا باعتبارها جزءًا من عملية عرض الجولة أمام الجمهور، بما يجعل لحظة المحاسبة نفسها مادة إعلامية قابلة للانتشار.
المريض أيضًا يدخل دائرة "المشهد"
وفي مارس من العام الماضي، أثارت جولة لنائب رئيس الوزراء ووزير الصحة خالد عبد الغفار في مستشفى حكومي بمركز العدوة في المنيا انتقادات، بعدما اشتكى مرضى في وحدة الغسيل الكلوي من طول الانتظار ومن طريقة التعامل معهم.
وخلال الجولة، رد الوزير على شكاوى المرضى مطالبًا إياهم بتقديم الشكر للدولة على بناء المبنى وتجهيزه بدلًا من الانتقاد، قبل أن يُنهي الحديث ويغادر.
وأثارت الواقعة انتقادات من النائبة إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، التي وصفت رد الوزير بأنه غير دبلوماسي، مؤكدة ضرورة أن يمتلك المسئول القدرة على الاستماع إلى المرضى وفهم مشكلاتهم والعمل على حلها.
وتعيد هذه الواقعة طرح سؤال مختلف: عندما ينزل المسئول إلى منشأة صحية، هل تكون الأولوية لتوثيق وجوده وإظهار اكتشاف الخلل، أم للاستماع إلى أصحاب المشكلة باعتبارهم المستفيدين الأساسيين من الخدمة؟
الخبز المدعم والطبيبة.. الكاميرا حاضرة
وفي الدقهلية، أثارت جولة لمحافظ الدقهلية طارق مرزوق داخل منزل ريفي بمركز أجا جدلًا، بعدما ظهر بجوار أسرة مسنة وأمامها أكياس من الخبز المدعم.
وأظهر الفيديو المحافظ وهو يأمر بمصادرة الأكياس ويوجه إلى تصوير الواقعة، قبل انتشار المشاهد على مواقع التواصل الاجتماعي، لتتحول الجولة إلى نقاش حول طريقة التعامل مع المواطنين أثناء الحملات والزيارات المفاجئة.
وفي يوليو 2024، أثارت جولة لمحافظ سوهاج عبد الفتاح سراج داخل مستشفى المراغة المركزي انتقادات أيضًا، بعدما وبخ طبيبة بسبب عدم الكشف على مريض دون تذكرة، متسائلًا عن سبب وجودها في مكتبها، قبل أن يقرر إحالة العاملين بالدوام المسائي للتحقيق.
وأثارت الواقعة ردود فعل غاضبة بسبب أسلوب التعامل، وانتهت باعتذار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي للطبيبة، لتتحول جولة كان يُفترض أن تركز على متابعة مستوى الخدمة الصحية إلى أزمة إدارية وإعلامية جديدة.
"العمل الميداني يتحول إلى تصوير وإخراج"
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ركز جانب كبير من الانتقادات على حضور الكاميرا والميكروفون في الجولات، وليس على مبدأ الرقابة الميدانية نفسه.
وكتب محمد عباري، تعليقًا على واقعة محافظ القليوبية، منتقدًا ما وصفه بالسعي إلى «أخذ اللقطة»، بينما أشار باسل صفوت إلى أن النزول الميداني ومتابعة العمل أمر مهم، لكنه انتقد تحول الجولة إلى تصوير وإحراج أمام الكاميرات.
وتساءل منتقدون عن جدوى تصوير لحظات التوبيخ والإحالة للتحقيق، خصوصًا عندما تكون المشكلات التي يواجهها الموظفون مرتبطة، بحسب رواياتهم، بنقص العمالة أو الإمكانات أو تأخر الاستجابة لشكاواهم.
كما أثارت واقعة مديرة المدرسة تساؤلات حول ما إذا كان ظهور الكاميرا يغير طبيعة العلاقة بين المسئول والموظف، بحيث تتحول المحاسبة من إجراء إداري إلى مشهد أمام الرأي العام.
بين الرقابة الحقيقية و"أخذ اللقطة"
لا خلاف على أهمية وجود المسئول في الشارع والمؤسسات التي تقع ضمن نطاق عمله، ولا على ضرورة اكتشاف أوجه القصور ومحاسبة المقصرين. لكن قيمة الجولة الميدانية لا تُقاس فقط بما يحدث أمام الكاميرا، وإنما بما يحدث بعد مغادرتها.
فالكاميرا تستطيع توثيق الخلل، لكنها لا تملك إصلاحه، والميكروفون يستطيع تسجيل التوجيهات، لكنه لا يضمن تنفيذها. أما تحويل الموظف أو المواطن إلى جزء من مشهد عقابي علني، فقد يفتح في المقابل أسئلة قانونية وإدارية وأخلاقية حول حدود المساءلة وحقوق العاملين والمواطنين.
والأهم أن بعض الوقائع تكشف أن المشكلة لا تكون دائمًا في الموظف الموجود أمام المسئول، وإنما في منظومة أكبر من نقص الموارد، وتعطل الخدمات، وتأخر الاستجابة للشكاوى، وتداخل الاختصاصات بين الجهات الحكومية.
لذلك يبقى السؤال الأهم أمام ظاهرة الجولات المصورة: هل الهدف هو اكتشاف المشكلة ثم إصلاحها ومحاسبة المسئول عنها وفق القانون، أم أن لحظة اكتشافها أمام الكاميرا أصبحت في حد ذاتها جزءًا من الإنجاز؟
فالرقابة الحقيقية لا تنتهي بانتهاء التصوير، والمحاسبة الإدارية لا تحتاج بالضرورة إلى جمهور، والنجاح في الجولة لا يُقاس بعدد المقاطع التي تنتشر على مواقع التواصل، وإنما بعدد المشكلات التي تختفي من حياة المواطنين بعد مغادرة المسئول للمكان.